في الذكرى السنوية لثورة 30 يونيو، يرصد خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، جانبًا مظلمًا من فترة حكم جماعة الإخوان، حيث تعرضت الآثار المصرية لهجمة شرسة تحت غطاء فتاوى دينية مضللة، وتجاهل دستوري، واعتداءات جسيمة على المتاحف والمواقع الأثرية.
ويقدم الدكتور ريحان توثيقًا شاملًا لما جرى، موضحًا حجم الخطر الذي واجهته هوية مصر التاريخية في تلك المرحلة.

◄ فتاوى "الركاز" ودورها في تدمير الوعي الأثري
يوضح الدكتور عبد الرحيم ريحان في تصريحات خاصة لـ"بوابة أخبار اليوم" أن أحد أخطر العوامل التي ساعدت على انتشار الحفر غير الشرعي وتدمير الآثار في فترة حكم الإخوان، تمثلت في فتاوى مضللة صدرت عن غير المتخصصين، اعتبرت الآثار من "الركاز" — أي ما يُستخرج من كنوز الجاهلية — وأجازت استخراجها مقابل الخُمس. وقد استغل مهربو الآثار هذه الفتاوى لتبرير أعمال التنقيب غير المشروع، بينما الحقيقة أن تعريف الركاز لا ينطبق على الآثار، التي تشمل مراحل زمنية عديدة، بما فيها العصر الإسلامي.
◄ تحريم شرعي وتشريع قانوني لمواجهة العبث بالآثار
أكد الدكتور ريحان أن علماء الدين أنفسهم حذروا من اللجوء للمشعوذين والسحرة لاستخراج الكنوز، واعتبروا التنقيب غير الشرعي حرامًا لما فيه من فساد وتهلكة. وتوافق هذا الموقف مع نص المادة 32 من قانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983، التي حددت أن مسؤولية التنقيب تقع فقط على المجلس الأعلى للآثار.

كما أشار إلى المادة 42 مكرر 1 التي تفرض عقوبة السجن المؤبد على من يشكّل أو يشارك في عصابات تهريب الآثار داخل مصر أو خارجها.
◄ متحف ملوى: جريمة مسلحة بحق التراث
يؤرخ الدكتور ريحان لجريمة مروعة نفذها الإخوان يوم 14 أغسطس 2013، حين اقتحموا متحف ملوى بالمنيا وأطلقوا النار على الحرس وسرقوا 1050 قطعة أثرية من أصل 1089، ثم دمروا الباقي، بما فيها مومياوات وتوابيت، واستشهد الأثري سامح عبد الحفيظ أثناء دفاعه عن المتحف. أعيد افتتاح المتحف بعد ترميمه عام 2016 بتكلفة 11 مليون جنيه.
◄ تفجيرات وتعديات
يشير الدكتور ريحان إلى تفجير مديرية أمن القاهرة في 24 يناير 2014، ما أدى إلى دمار واجهة متحف الفن الإسلامي المقابلة وتلف أكثر من 100 قطعة أثرية. تم ترميم 51 قطعة خزفية، و116 قطعة خشبية، ومحراب السيدة رقية، وأعيد افتتاح المتحف بتكلفة 57 مليون جنيه ليضم 4400 قطعة، منها 400 قطعة تُعرض لأول مرة.
اقرأ أيضا| استهداف العدالة في ثورة 30 يونيو.. القضاة في مرمى «إرهاب الإخوان»
كما رصد محاولات اقتحام متحف روميل ومخازن آثار البهنسا، والتي أُحبطت بتكاتف الأهالي والآثاريين.
◄ مدش مرزا وتل العمارنة وقصر طوسون: ذاكرة الأثر التي شوهتها الجماعة
يضيف الدكتور ريحان أن جماعة الإخوان دمرت "مدش مرزا" الأثري ببولاق، وهو مبنى تاريخي من عهد محمد باشا الصوفي، كما اعتدت على متحف المركبات الملكية واستغلت أرضه لأغراض تجارية بتحريض من عضو إخواني في البرلمان.

كما تم تحويل 100 فدان من أرض تل العمارنة إلى زرائب للحيوانات، وتحويل مدينة أون الأثرية إلى "بورصة أغنام"، في انتهاك صارخ لقانون الآثار.
◄ استخدام قصر عمر طوسون لأغراض سياسية
يشير الدكتور ريحان إلى أن قصر عمر طوسون الأثري بشبرا الخيمة تحول خلال حكم الإخوان إلى مقر للدعاية، حيث أقيم شادر للمؤتمرات الصحفية دون تصريح أثري، ومنع الأثريون من أداء عملهم. ورغم إزالة الشادر بعد تقديم محاضر رسمية، أعيد بناؤه لاحقًا.
أكد الدكتور ريحان أن الإخوان تجاهلوا مكانة الآثار في دستور 2012، حيث ورد ذكرها في مادة واحدة (المادة 20) ضمن تصنيفها مع البحار والمحميات الطبيعية، وهو ما رفضه علماء الآثار وعدوه انتقاصًا من قيمة التراث المصري.

أما دستور 2014، وتعديلاته في 2019، فقد أعاد الاعتبار للهوية الحضارية لمصر، حيث نصت المادة 50 على أن تراث مصر المادي والمعنوي ثروة قومية يجب حمايتها.
يشدد الدكتور عبد الرحيم ريحان على أن جماعة الإخوان لم تهدد فقط حاضر مصر، بل سعت إلى محو تاريخها وهويتها الحضارية العريقة، عبر فتاوى وأفعال تؤكد جهلًا بقيمة الآثار. ومع عودة الدولة المصرية لمسارها الوطني، أعيد الاعتبار للتراث، بجهود مضنية من الآثاريين والمشرّعين والمجتمع. ويؤكد د. ريحان أن الدفاع عن حضارة مصر واجب وطني مستمر، لا يقل أهمية عن حماية حدودها.

الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟
«مفتاح التنافسية ومواجهة الفقر».. تحليل يكشف مؤشرات تطوير التعليم







