الشعب المصري، منذ أقدم العصور، عُرف بخفة دمه وروحه المرحة، وهي سمة لم تكن طارئة على ثقافته، بل ضاربة في جذور التاريخ. فالضحك، والسخرية، والفكاهة، كانت أدوات مصرية أصيلة للتعبير عن الرأي، وتحمل صعوبات الحياة، وإطلاق الإبداع الإنساني، حتى في أحلك الظروف.
ولم يكن المصريون القدماء شعبًا جامدًا كما توحي الصور الرسمية والنقوش الملكية، بل كانوا يتمتعون بحس ساخر وقدرة كبيرة على تحويل المواقف اليومية إلى لوحات مرحة وتعليقات ساخرة.

اقرأ أيضا: "جبانة قبة الهوا" .. أسرار بين الصخور تكشف طقوس الدفن في الدولة القديمة
وفي الأول من يوليو، الذي يوافق "اليوم العالمي للنكتة"، تعود هذه الروح القديمة لتذكرنا بأن النكتة ليست مجرد مزحة، بل تاريخ طويل من التفاعل الإنساني، ورسالة ثقافية تُعبر عن شعبٍ عرف كيف يضحك رغم الهموم، ويُسلي نفسه رغم الصعاب، ويواجه السلطة بالسخرية والفن.
** الفكاهة المصرية القديمة.. ذاكرة شعبٍ ضاحك
أولًا: الضحك هو بداية الخلق في المعتقدات المصرية القديمة

في إحدى الأساطير المصرية القديمة، يقال إن العالم خُلق من الضحك؛ حين ضحك الإله الأعظم ضحكة عظيمة فتكوّنت منها السماوات السبع، ثم ضحكة ثانية خفيفة فجاء منها الهواء، وضحكة ثالثة فجاء منها الماء، وهكذا حتى خلق الروح. هذه الفكرة تكشف أن الضحك عند المصري القديم لم يكن عبثًا، بل كان فعلاً كونيًا، مرتبطًا بالخلق والإبداع والوجود.
** الفكاهة والسخرية في حياة المصري القديم
* السخرية في مشاهد الحياة اليومية
أثبتت النقوش والمخطوطات المصرية القديمة أن المصريين كانوا يُعبّرون عن أنفسهم بروح الدعابة في حياتهم اليومية. ومن أبرز الأمثلة رسوم تُظهر مشاهد زراعية، يظهر فيها الفلاحون وهم يسخرون من صعوبة العمل أو يُبالغون في تصوير أحد الحراس وهو يغط في النوم أثناء عمله.
ومن أطرف ما نقلته هذه الرسوم، ما ذكره الدكتور زاهي حواس، عن صورة راعٍ نحيف للغاية يسحب بقرة ضرعها منتفخ حتى يلامس الأرض، في تعبير ساخر عن التفاوت الطبقي بين من يملك الثروة ومن لا يجد قوت يومه.
** الإله "بس": ربّ الضحك والفكاهة والحماية
قدّس المصريون القدماء إلهًا خاصًا بالمرح والضحك وهو "بس"، الإله القزم ذو الهيئة المضحكة واللسان الممتد والوجه المضحك المثير للرعب في آن واحد.
كان "بس" يُمثّل في التماثيل والتمائم، ويوضع في البيوت لحماية النساء والأطفال، وكان يُعتقد أن وجوده يجلب المرح ويطرد الأرواح الشريرة، حتى أصبحت صوره رمزًا للبهجة والاحتفال.
** الفكاهة في المقابر والمعابد
خلافًا لما قد يظنه البعض من أن المقابر كانت أماكن للرسم الجاد والرمزي فقط، فقد امتلأت بعض جدرانها برسوم ذات طابع ساخر وطريف.
وقد عُثر على مشاهد لقطط تُقدّم الشراب للفئران، أو لحيوانات تُجسّد صراعًا هزليًا. إحدى أشهر هذه الرسوم هي التي تُظهر الفئران وهي تحاصر حصنًا تحتمي به القطط، في مشهد ينقلب فيه المنطق رأسًا على عقب. وفيه، يقود الفأر الكبير عربة حربية، وتبدو القطط مرعوبة من هذا الهجوم العكسي. هذا النوع من الفن يُبرز استخدام المصريين للسخرية كأداة للتعبير والرفض الضمني للواقع.
** النحت والنكتة... ضحك على جدران الجيزة
مشهد نادر صُوّر على جدران مقبرة من الأسرة الخامسة في الجيزة يُبرز حوارًا طريفًا بين نحاتين؛ أحدهما ينحت في الحجر ويشكو من صعوبة عمله قائلًا:
"أكلتُ يدي، ومرت أيام طويلة وأنا أعمل على هذا التمثال، ويبدو أنني لن أنهيه أبدًا!"
فيجيبه زميله الذي ينحت تمثالًا خشبيًا:
"اعمل، ولا تكن غبيًا، الحجر ليس كالخشب!"
هذا الحوار يُعدّ أحد أقدم الأمثلة على "النكتة العملية" بين زملاء المهنة، ويعكس ذكاءً ساخرًا لا يخلو من الواقعية.
** أصل صراع القط والفأر من مصر القديمة
ربما يُدهش البعض أن قصة "توم وجيري" الشهيرة لها جذورٌ فرعونية، إذ صوّر المصريون صراعًا رمزيًا بين القط والفأر في أكثر من موضع، بل جعلوا الفأر القوي ينتصر على القط الضعيف في مشاهد كاريكاتورية تخالف الواقع الطبيعي، ما يُشير إلى سخرية واضحة من موازين القوى في المجتمع.
إحدى هذه الرسوم تظهر فأرًا بدينًا يُعامَل كملك، بينما تقوم قطة نحيفة بخدمته وتقديم الشراب له، في انعكاس ساخر للأدوار الاجتماعية.
** النكتة كأداة مقاومة ضد المحتل
عندما دخل الرومان مصر، حاولوا كتم صوت المصريين، إلا أن النكتة كانت أحد أساليب المقاومة، لدرجة أن السلطات الرومانية منعت المحامين المصريين من الترافع في محاكم الإسكندرية بسبب سخريتهم من القضاة.
فقد استخدم المصريون السخرية المقفّاة كوسيلة للدفاع عن المسجونين والتعبير عن احتجاجهم، وهو دليل على أن النكتة كانت وسيلة ضغط ثقافية فعالة.
** الفكاهة في الأدب المصري القديم
لم تخلُ النصوص الأدبية المصرية القديمة من الروح الساخرة. ففي برديات الأدب، نجد أمثالًا وتعليقات تهكمية، وسخرية من الأنظمة أو الأفراد أو حتى من المهن.
وكانت النكتة المكتوبة، وإن كانت نادرة بسبب قلة المتعلمين، موجودة في القصص التي تُروى شفويًا أو تُدوّن للتعليم والترفيه، وتُستخدم لتمرير رسائل تربوية أو دينية.
السخرية كانت تُوجَّه أحيانًا إلى الكهنة أو البيروقراطيين أو حتى الملوك، ولكنها كانت تُغلف بحكمة تجعلها مقبولة وغير صدامية.
** فوائد الضحك عند المصريين القدماء
* الضحك طارد للأرواح الشريرة
كان يُعتقد أن الضحك العالي قادر على طرد الشياطين، ولهذا كان يُشجّع في حفلات الولادة والزواج، وكذلك أثناء الجنازات أحيانًا، للتخفيف من حزن الفقد.
* الضحك والصحة
في نصوص طبية قديمة، ذُكر أن الضحك يساعد في تقوية القلب و"تطهير البطن من الغازات" على حد تعبير بعض الكتبة. وكان يُعتقد أن الضحك يحفّز الدورة الدموية ويُطيل العمر، وهي مفاهيم تسبق العلم الحديث.
* الضحك كتربية
في المدارس المرتبطة بالمعابد، كانت القصص الطريفة تُستخدم لتعليم الأطفال السلوك الجيد، بل وكان بعض المعلمين يستخدمون النكات لشرح القواعد اللغوية أو الدروس الفلسفية بطريقة ممتعة.
** الفكاهة المصرية في العصر الحديث امتداد لتاريخ طويل
ما زال الشعب المصري يحمل هذه الروح الساخرة في دمه. فقد عُرف المصريون المعاصرون بنكاتهم اليومية، وحسهم المرهف في تحويل المأساة إلى نكتة، وتحويل القهر إلى ضحكة.
فإذا كانت الحضارة تُقاس بقدرة الإنسان على التعبير عن نفسه، فإن الضحك المصري –من زمن بس إلى يوم النكتة العالمي– هو أعظم تعبير عن هذه الحضارة الحية.
إن الضحك ليس مجرد ترفٍ زمني أو حالة مزاجية عابرة، بل هو ثقافة وهوية، بل قد يكون أعظم ما ورثه المصريون من أجدادهم. ففي الأول من يوليو، حين يحتفل العالم بيوم النكتة، تحتفل مصر بتاريخها الفكاهي الممتد آلاف السنين، من جدران المقابر حتى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي.
ومثلما قال الفيلسوف: "من يضحك في وجه الألم... هو سيد نفسه"، فمن مصر القديمة إلى حاضرها، كانت وما زالت الضحكة... حكاية حضارة.

«ساقية تونة الجبل» .. حكاية أقدم وأضخم خزان مياه في مصر
مسلة إسطنبول.. حكاية أثر مصري هاجر من الكرنك إلى قلب الإمبراطورية البيزنطية
أصوات من الماضي.. ذاكرة الشعب على شرائط كاسيت







