لا يوجد مدير يستطيع فرض النظام، ولا فصل دراسيا ينتهى بجرس الخروج، والضحايا يحاولون النجاة بأقل الخسائر.
لا تخلو مدرسة من متنمر نجح فى تحويل حياة طالب أو أكثر إلى جحيم، فهو يحطم معنوياتهم بالسخرية من مظهرهم وطريقة حديثهم، أو يسرق مصروفهم وحقيبتهم وطعامهم، أو يحول أحدهم إلى عبد تابع له. والويل كل الويل لمن يحاول الشكوى أو التذمر والامتناع عن التنفيذ. المفاجأة أن هذه الظاهرة موجودة أيضًا بين الدول، حيث تستقوى كل دولة على الأخرى وتعمل على التضييق عليها بهدف الانفراد بقيادة العالم والهيمنة.
وزير الدفاع الصينى دونغ جيون حذر من التنمر بين الدول وقال فى كلمته خلال مؤتمر منظمة شنغهاى أمس الأول :»إن العالم يشهد تغييرات غير مسبوقة منذ قرن، فى ظل تنامى الأحادية، وممارسات الهيمنة والتنمر التى تهدد النظام الدولى وتخلق حالة من الفوضى» ودعا إلى توحيد الصفوف للدفاع عن العدالة الدولية والاستقرار العالمي.
هذا التنمر الدولى لم يظهر بقوة إلا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وكانت تلك نكبة للعالم أجمع، فالمدرسة وتلك الكرة الزرقاء التى نعيش عليها لم يعد لها إلا فتوة واحد بلا منافس أو منازع، وكل من يحاول أن يحل محل السوفيت يُصفع حتى يسقط أرضًا أو يرضخ.
وبعد العودة الثانية إلى عرش البيت الأبيض، شن ترامب حرب تنمر تجارية شعواء على الصين وكندا وأوروبا وعلى كل من حلم بمزاحمة الفتوة.. وزارة الخارجية الصينية نشرت آنذاك فيديو تدعو المجتمع الدولى إلى «الوقوف فى وجه الزعيم الأمريكى المتنمر». فى النهاية، اختارت الصين سيناريو عدم التصعيد ضد رفع الرسوم الجمركية والحظر التجارى الأمريكي، وقررت احتواء التنمر الاقتصادى وتفادى المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة، وبالفعل وقعت بكين اتفاقًا تجاريًا مع واشنطن أول أمس، وباقى الدول فى الطريق.
وفى حلف شمال الأطلسى «الناتو»، استطاع ترامب بعد حفلة تنمرية على أعضائه أن يدفع شركاءه فى الحلف لضخ المزيد من الأموال فى ميزانيته بعد أن سخر من ضعفهم وهددهم بالتخلى عنهم وتركهم فريسة للدب الروسي، فوافقوا على رفع إنفاقهم العسكرى بنسبة ٥% من ميزانية كل دولة بدلا من ١.٥٪ وهو رقم لو تعلمون عظيم.
ترامب نفسه جعل حملته الانتخابية سلسلة من الهجمات «التنمرية» على خلفه جو بايدن، ليؤكد أنه أصبح طاعنًا فى السن يتأتأ ولا يصلح لتولى ولاية رئاسية ثانية. أما إيران فنالت نصيبًا كبيرًا من التنمر خلال الأيام الماضية، حيث تدور معركة تنمرية كبرى ومحاولات للتأكد: هل مزقنا ملابس ذلك الطالب الإيرانى بالكامل أم أنه لا يزال يحتفظ ببعضها؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل نعيد ضربه وتمزيق ما تبقى؟..أم ما رأيكم أن نقوم مع ذلك الطالب الإسرائيلى صاحب مفاعل ديمونة النووى بتوجيه المزيد من الضربات للإيرانى ومفاعلاته؟!.
أما ذلك الطالب الغزاوى المستضعف صاحب الكرامة والحق فما رأيكم أن نقوم بطرده من مدرسته وأرضه بعد أن قطعنا أوصاله وشربنا من دمائه ونقيم بدلًا منها «ريفييرا» ؟! ..العالم أصبح يشبه مدرسة دولية للمتنمرين والمستهزئين بكل القيم وحقوق الإنسان التى طالما تغنوا لها.
دراسات عديدة بحثت التنمر بين الدول المتقدمة والدول الأقل فى النمو الاقتصادي، حيث تعد اليوم من الموضوعات المؤثرة فى العلاقات الدولية، إذ تترتب عليها آثار سلبية تنعكس على جميع أطراف مثلث التنمر: الدولة المتنمرة، والدول المتنمر عليها، والدول المتفرجة.
وهكذا، فى مدرسة المتنمرين الدولية، لا يوجد مدير يستطيع فرض النظام بين الأمم، ولا فصل دراسيا ينتهى بجرس الخروج. الكل يلعب دورًا: المتنمرون يتفننون فى ابتكار أساليبهم، والضحايا يحاولون النجاة بأقل الخسائر، والمتفرجون يتظاهرون بعدم الرؤية. أما الجوائز، فتذهب دائمًا لمن يملك أقوى عضلة أو أطول لسان وأسلحة أكثر تطورًا.. نتمنى للجميع إجازة هادئة.. أقل تنمرا وعنفا!

تحت أول ضوء شمس
تصحيح أفكار خاطئة
عقبال بقية مارينا







