◄ ماير جرجس: غياب الرقابة على التنفيذ الفعلي لمشروعات البناء سبب الأزمة
◄حمدي عرفة: يجب تعديل قانون البناء الموحد رقم 119 لسنة 2008
◄ 98 ألف عقار آيل للسقوط في المحافظات حسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء
في مشهد بات يتكرر بين الحين والآخر، تنهار منازل فجأة على رؤوس سكانها، وهو ما أدى إلى تسلل حالة من القلق لدى سكان المنازل خصوصا القديمة، والتي حينما تمر من جانبها، تشاهد شقوقًا في جدرانها، ما يدل على انتظار كارثة قد تحدث في أي لحظة.
ومن المؤكد أن الإهمال هو لاعب أساسي، في كارثة انهيار المنازل، وإذا نظرنا إلى الأسباب سنجد أن هناك العديد من قرارات الإزالة صادرة من الجهات المعنية ضد منازل متهالكة تشكل خطورة على قطنيها، وأمام عدم قدرة السكان على توفير سكن بديل، يرفضون مغادرة منازلهم رغم المخاطر التي تحاك بهم.
«بوابة أخبار اليوم » تدق جرس الخطر، وتلقي الضوء على أسباب انهيار العقارات وتضع حلول لمواجهة الأزمة مع الخبراء والمختصين.
◄ أسباب انهيار العقارات في مصر
قال المهندس ماير جرجس وعضو مجلس نقابة المهندسين بالقاهرة، إنه وفقاً للإحصائيات، خلال الفترة من عام 2014 وحتى 2020، تم رصد 1000 حالة انهيار لمباني سكنية، أسفرت عن 500 حالة وفاة وأكثر من 1000 شخص تعرض لإصابات بالغة، وخلال العام الجاري شهدت محافظتي القاهرة والإسكندرية انهيار 6 مباني خلال أسبوع واحد فى شهر يونيو.

وأشار إلى أن الظاهرة مستمرة دون تباطؤ؛ وحسب تقرير برلماني فإن آلاف المباني مهدّدة بالسقوط منها 5000 بالقاهرة فقط و2500 بالإسكندرية، موضحاً أن هناك أسباب عديدة لانهيار العقارات يمكن تقسيمها إلى ثلاث مجموعات رئيسية:
◄ التدخلات غير المدروسة من الملاك والسكان
وأكد المهندس ماير جرجس أن التدخلات غير المخططة التي يقوم بها الملاك أو سكان العقار تعد من أبرز أسباب الانهيار، تشمل هذه التدخلات إزالة حوائط أو أعمدة أو إجراء توسعات دون الرجوع إلى التصميمات الهندسية الأصلية أو دون دراسة تأثير هذه التعديلات على الأحمال، قد لا ينهار العقار فورًا بعد هذه التعديلات، ولكن الخلل في توزيع الأحمال يؤدي إلى انهيار محتمل عاجلاً أم آجلاً.
وأضاف أنه من ضمن هذه المجموعة أيضًا، قيام المالك الأصلي للعقار بزيادة عدد الأدوار على المبنى دون الحصول على التراخيص اللازمة أو دون استشارة مهندس متخصص، مما يزيد الأحمال على الهيكل الإنشائي الأصلي الذي لم يُصمم لتحمل هذه الأحمال الإضافية.
◄ التقادم والظروف الطبيعية
وأشار إلى أن المجموعة الثانية هى «التقادم والظروف الطبيعية»، ويقصد بالتقادم هي العقارات القديمة حيث تتعرض، بشكل خاص لخطر الانهيار بسبب التقادم والعوامل الطبيعية، على الرغم من أن معظم الانهيارات تحدث في المباني القديمة، إلا أن الظروف المناخية المتغيرة، مثل الأمطار الشديدة والزلازل المتكررة، تلعب دورًا محوريًا في تسريع تدهور هذه المباني، بحيث يحدث يوميًا مئات الهزات الأرضية، ومعظمها يسجل أقل من 2 أو 3 درجات على مقياس ريختر لا نشعر بها، لكنها تُحدث اهتزازات مستمرة تؤثر على استقرار العقارات القديمة.
وشدد على أنه لا توجد آلية فعالة لتقييم حالة المباني القديمة بشكل دوري لتحديد مدى صلاحيتها للسكن، وتُسجل بعض المباني أنها آيلة للسقوط، وتصدر لها قرارات إزالة، ولكنها تظل مأهولة بالسكان، وتُسند بأخشاب، كما حدث في بعض العقارات التي انهارت في شبرا.
◄ رصد دوري للمباني القديمة
شدد المهندس ماير جرجس على ضرورة إجراء رصد دوري للمباني القديمة، على غرار ما يحدث في ترميم الآثار، حيث يتم رصد الحركة الأفقية والرأسية للمعابد الأثرية بشكل يومي لمدة ثلاث سنوات. ورغم أن هذا المستوى من الرصد قد يكون صعب التطبيق على جميع المباني السكنية، إلا أنه يجب على الأقل إجراء تقييم شامل لحالة المنشآت القديمة مرة واحدة سنويًا أو كل ستة أشهر لتحديد مدى صلاحيتها.
◄ غياب القوانين الواضحة والدور الهندسي الفعال
وأوضح أن المجموعة الثالثة تكمن في غياب القوانين الواضحة والدور الهندسي الفعال، حيث تعد من العوامل الرئيسية التي تؤدي إلى البناء المخالف، والذي يتم بسرعة ودون مراعاة معايير الجودة لتجنب الكشف عن مدى المخالفات المُرتكبة، وهو ما يؤدي حتمًا إلى كوارث في المستقبل بسبب رداءة التنفيذ.
بالإضافة إلى ذلك، فإن تطبيق قانون التصالح، الذي كان يهدف في جوهره إلى التأكد من السلامة الإنشائية للعقارات، قد تحول إلى مجرد «تستيف ورق» بسبب بعض الثغرات، فقد سمح القانون لمهندسين معماريين حديثي التخرج «سنتين خبرة» بإعداد رسومات وتقارير للتصالح، وهو ما يتناقض مع قانون البناء 119 الذي يشترط أن يكون من يقوم بإصدار رخصة تعلية أو ترميم مهندسًا استشاريًا مدنيًا أو استشاري تصميم منشآت خرسانية، وهي درجة لا يحصل عليها المهندس إلا بعد 15 عامًا من الخبرة.
اقرأ أيضا| انهيار عقار في شبرا وجاري البحث عن مفقودين تحت الأنقاض | فيديو
وأكد أن هذا التناقض يؤدي إلى تولي غير المتخصصين إعداد ملفات التصالح، مما يحوّل الهدف الأساسي من ضمان سلامة المنشآت وحماية الأرواح والممتلكات إلى مجرد إجراءات ورقية، ومع زيادة عدد المهندسين المخول لهم إعداد هذه الملفات، انخفضت أسعار الخدمات، مما أدى إلى تراجع الجودة، حيث أصبح بعض المهندسين لا يحرصون على إجراء المعاينات اللازمة أو رفض الملفات غير المطابقة، خشية أن يلجأ المالك إلى مهندس آخر يقدم الخدمة بسعر أقل ودون تدقيق، موضحا أن هذا الوضع أدى إلى ختم الأوراق على بياض، وتناقص الاهتمام بجودة المنتج النهائي للعقار.
◄ الكود الزلزالي للمباني الحديثة
أشار المهندس ماير جرجس إلى أن الكود الزلزالي المصري، الذي تم إعداده بعد زلزال 1992، يُعد جزءًا من تطور عالمي في تصميم المباني المقاومة للزلازل، فابتداءً من الثمانينات، تم إضافة تفاصيل تصميمية محددة في الأعمدة والكمرات لزيادة مقاومة المباني للزلازل، لذا يُفترض أن المنشآت الحديثة تراعى فيها متطلبات الكود الزلزالي، موضخا أنه طرأ تطور كبير على الأكواد الهندسية فيما يتعلق بمقاومة الزلازل، حيث جرى تصنيفها إلى فئتين رئيسيتين: الأكواد القديمة (Old Codes) والأكواد الحديثة (Modern Codes).
◄ الفرق بين الأكواد القديمة والحديثة
وأكد عضو مجلس نقابة المهندسين بالقاهرة أن «الأكواد القديمة» هي تلك التي سبقت حقبة الثمانينات من القرن الماضي، ولم تتضمن أي تفاصيل تصميمية خاصة بمقاومة الزلازل، أما «الأكواد الحديثة»، فهي التي ظهرت بعد الثمانينات، واشتملت على تفصيلات دقيقة لمقاومة الزلازل، مثل كيفية وضع الكانات في الأعمدة بطريقة معينة، وتحديد أبعاد معينة للأعمدة بحيث يكون طولها أكبر من خمسة أضعاف عرضها لمقاومة الزلازل في اتجاهات محددة، موضحا أن هذه التفاصيل جرى إدراجها في الأكواد الحديثة لضمان سلامة المنشآت.

وأشار إلى أنه على الرغم من وجود هذه الأكواد المحدثة، فإن تطبيقها يواجه تحديات كبيرة في الواقع العملي. ففي حين يلتزم بعض المهندسين بهذه الاشتراطات الصارمة، لا يزال البعض الآخر يفتقر إلى المعرفة الكافية بمقاومة الزلازل. ومن جانب الملاك، قد يلجأ البعض إلى مقاولين لديهم خبرة في بناء المحال الصغيرة «الأكشاك»، ولكنهم يفتقرون إلى الخبرة في بناء الأبراج الشاهقة.
◄ دور الجهات الرقابية
وأكد أن هناك عدة جهات معنية بالرقابة فـ الحي مسؤول عن الجوانب التنظيمية والمعمارية للمباني، مثل مساحة «المنور»، وعرض السلم، وبروز الشرفات، ونسبة البناء المسموح بها، ولكنه لا يراجع التفاصيل الإنشائية للمباني، ولا يطلع على تصميم الأسقف أو الأساسات. فاهتمام الحي ينصب على الجوانب التنظيمية والمعمارية للمنشآت.
وتابع: «أما بالنسبة للمباني التي تقل عن ستة أدوار، تكون مسؤولية مراجعة التفاصيل الإنشائية منوطة بالاستشاري الهندسي، وذلك ضمن الملفات المقدمة للحي. أما المباني التي تزيد عن ثلاثة أدوار، أو التي تبلغ قيمتها الإنشائية مليون جنيه مصري أو أكثر (حتى لو دور أرضي فقط)، أو التي تتجاوز قيمة تعليتها الأولى نصف مليون جنيه مصري، فإنها تخضع لمراجعة "المجمعة العشرية»، موضحاً أن المجمعة العشرية هي جهة تابعة لوزارة الإسكان، تتولى مراجعة التصميمات الإنشائية للمنشآت. وتدخل المباني المجمعة العشرية في حالات معينة، مثل:
- إذا كان ارتفاع المبنى أكثر من ثلاثة أدوار (أرضي وثلاثة أدوار أو أكثر).
- في حالة التعلية الثانية للمبنى، حتى لو كان قد تم بناؤه بتراخيص سابقة لم تقتضِ دخول المجمعة.
- إذا تجاوزت قيمة الإنشاء مليون جنيه مصري حتى لو كان دورًا أرضيًا فقط.
- إذا تجاوزت قيمة التعلية الأولى نصف مليون جنيه مصري.

ومع ذلك، تواجه المجمعة العشرية تحديًا كبيرًا، حيث يميل الملاك والمهندسون إلى إعداد رسومات تصميمية للمجمعة العشرية تختلف عن الرسومات الفعلية التي يتم تنفيذها على أرض الواقع، وذلك بهدف استيفاء المتطلبات الشكلية للمراجعة، مما يحول الرسومات المقدمة إلى مجرد "رسومات على ورق" لا يعكس حقيقة التنفيذ.
◄ غياب الرقابة الفعلية
وشدد على أن الواقع يؤكد وجود فجوة كبيرة في الرقابة على التنفيذ الفعلي للمشاريع. ففي كثير من الأحيان، يكتفي المالك بتقديم «شهادة إشراف» من أي مهندس، وهي مجرد ورقة إثبات لا تعكس إشرافًا حقيقيًا على الموقع. هذا الغياب للرقابة الفعالة يؤدي إلى تراجع جودة التنفيذ، ويترك الأمر برمته للمقاول وتقدير المالك، مما يؤثر سلبًا على جودة البناء وسلامة المنشآت.
◄ مقترحات لتحسين المنظومة البنائية
وقدم مقرر لجنة المدن الذكية بالنقابة العامة للمهندسين، مقترحات لإعادة ضبط المنظومة البنائية وضمان جودة وسلامة المنشآت، من خلال اتباع المقترحات التالية:
1. إنشاء لجنة متخصصة لإدارة أزمة الإسكان: يجب تشكيل لجنة متخصصة تكون مسؤولة عن متابعة المباني والبنية التحتية والمنشآت القومية والعامة بشكل دوري (كل ستة أشهر على الأكثر)، أو بعد أي ظاهرة طبيعية، وذلك لرصد أي مشكلات قد تظهر على هذه المنشآت.

2. تفعيل التعاون بين الجهات المعنية: ينبغي أن تعمل الجهات المعنية على طاولة واحدة، وتشمل هذه الجهات (وزارة الإسكان، وزارة التنمية المحلية، نقابة المهندسين، ولجنة الإسكان بمجلس النواب). يجب أن يتم التنسيق والتعاون بشكل جدي وفعال بين هذه الجهات، بدلاً من العمل في جزر منعزلة، وذلك لضمان تطبيق القوانين واللوائح بشكل موحد وفعال. فالاختلاف في تطبيق القوانين بين هذه الجهات يؤدي إلى إضعاف المنظومة بأكملها.
3. تفعيل الإشراف الهندسي الفعلي: يجب تفعيل دور الإشراف الهندسي على التنفيذ، بحيث يكون الإشراف حقيقيًا ومستمرًا طوال فترة البناء، وليس مجرد إجراء شكلي. يمكن تحقيق ذلك من خلال آليات أكثر صرامة لضمان حضور المهندس المشرف ومتابعته للموقع بشكل دوري ومنتظم.
من جانبه، أكد الدكتور حمدي عرفة أستاذ الإدارة المحلية والحكومية وخبير استشاري البلديات الدولية، أن سبب انهيار العقارات هو سوء إدارة ملف العقارات المخالفة من قبل أغلبية المحافظين السابقين والعاملين في المحليات بمختلف المحافظات، حيث أثر ملف تراخيص البناء من حيث البيروقراطية بطريقة واضحة على زيادة المباني المخالفة وانهيار العقارات وزيادة عدد الأدوار غير المرخصة.
وأشار «عرفة» إلى وجود علاقة قوية جدا بين ملف البناء المخالف وزيادة العشوائيات معبرا عن تحمل المسؤولية العظمى من قيادات الإدارات المحلية في المحافظات لزيادة البناء المخالف بسبب عدم فهم الملف إداريا وقانونيا وعدم وجود متابعه دقيقة وفعالة.
◄ مقترحات لمواجهة الأزمة
واقترح «عرفة» عدة استراتيجيات تنفيذية لتطوير عمل الإدارات المحلية في 27 محافظة والمديريات التابعة لها تجاه ملف البناء لعدم انهيار المباني أو زيادة العقارات المخالفة كذلك القضاء على العشوائيات قائلاً: «يجب تعديل قانون البناء الموحد رقم 119 لسنة 2008 م»، هذا القانون يزيد من حدة العقارات المخالفة بطريقة غير مباشرة، كما أن القانون يؤدي إلى تدهور التخطيط العمراني في البلاد حيث يصل إجمالي المخالفات لـ3 ملاين و240 ألف عقار مخالف في 27 محافظة بعد ثورة يناير، ومليون و900 ألف حالة تعدي على الأراضي الزراعية - حسب إحصائيات رسمية صادرة من وزارة الزراعة والتنمية المحليه معا.

وحسب إحصائيات المركز القومي للبناء، أكد وجود 121 ألف عقار في خطر متوقع انهيارهم في أي لحظة وعدد العقارات الآيلة للسقوط يصل لـ 98 ألف عقار في المحافظات حسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء .
وطالب من المحافظين الجدد والقدامى، تطهير الأحياء والمدن والمراكز والوحدات القروية من بعض الفاسدين في الادارات الهندسية وإلغاء ندب الحاصلين على المؤهلات المتوسطة كمرحلة مؤقتة لحين نقل الإدارات الهندسية إلى وزارة الإسكان.
واكد أنه للخروج من الأزمة يجب أيضاً تعديل قانون الإدارة المحلية رقم 43 لسنة 1979م لوجود مواد مشتركة بين وزارة التنمية المحلية ووزارة الإسكان تتعلق بصفة مباشرة بمشكلة العشوائيات والبناء المخالف، وهو ما لم تفعله وزارة الإسكان حتى الآن، كذلك لا بد من سرعة تعديل قانون المجتمعات العمرانية الجديد رقم 58 لسنة 1979م الذي له علاقة مباشرة بتقسيم المحافظات ، لتحقيق انخفاض فى عدد المناطق العشوائية التي تتزايد يوما بعد يوم .
وتابع: «لا يعقل أن يتم العمل بقانون أكثر من 44 عاما حتى الآن ولابد من سرعة نقل جميع الإدارات الهندسية التابعة لـ 184 مركزًا و92 حي و1211 وحدة محلية قروية و214 مدينة تتبع الإدارات المحلية إلى مديريات الإسكان المنتشرة في المحافظات البالغ عددها 27 محافظة لأنها هي المختصة».

«التلمذة الصناعية».. تصحيح مسار أم مغامرة محفوفة بالمخاطر؟
الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟







