أما قبل

المصريون.. يأكلوها بالملح

داليا جمال
داليا جمال


على ناصية شارعنا اعتاد الجميع انتظار أم مصطفى بائعة الزبد والبيض والجبن الفلاحى التى تأتى صباح الثلاثاء من كل أسبوع من قرية صغيرة فى محافظة بنى سويف، وهى سيدة مصريه تعول أسرة كبيرة بعد أن فقد زوجها صحته جراء سقوطه من فوق سقالة البناء، ترفض السيدة الريفية أن تمد يدها طلبًا للمساعدة، وتأبى إلا أن تكد وتتعب متحملة مسئولية ينوء بحملها الرجال.

وفى الشارع هناك عشرات الشباب يقودون الدراجات النارية، وخلف كل منهم صندوق يحمل فيه، ما يقوم بتوصيله من طعام أو شراب أو دواء، والمهنة "عامل دليفرى" يسابق كل منهم الوقت ويتحدى الزحام ويجاهد حرارة الشمس الساخنة، وأمطار الشتاء الباردة ليصل إليك فى أسرع وقت، منهم طلاب فى الجامعات وأغلبهم  خريجون لم يحالفهم الحظ فى الحصول على وظيفة تناسب مؤهلهم بعد التخرج، ومنهم رجال يعملون فى توصيل الطلبات كعمل إضافى ليؤمن لأسرته احتياجاتها دون أن يمد يده لأحد طالبًا المساعدة.

وأمام أحد محال الحلويات تقابلك فتاة عشرينية بنظارة طبية وعلى ظهرها حقيبة كبيرة تنقل فيها الطلبات فوق دراجتها، فلا تندهش إذا عرفت أنها أيضا تقوم بتوصيل الطلبات للمنازل، سعيًا وراء لقمة العيش، وتوفيرًا لنفقات دراستها الجامعية، لشعورها بالمسؤولية، تبتسم بثقة وتقود دراجتها بثبات وجدية تامة.. تتعب وتتحمل المضايقات. لكنها لا تتسول ولا تمد يدها طلبًا للمساعدة.

ورغم تجاوز سنه الستين عامًا إلا أن عم عوض يقوم بحمل مواد البناء والنزول بها طوابق متعددة، منذ الثامنة صباحًا وحتى الرابعة عصرًا، ولا يتناول طوال يومه إلا الجبن ورقائق الشيبسى فى رغيف عيش فينو طوال اليوم، مقابل أجر يوم عمل كامل، لكنه ورغم مشقة العمل وضعف الصحه لا يتسول، ولا يمد يده طلبًا للمساعدة..

هؤلاء هم المصريون..الذين يصنعون تفاصيل الحياة، والذين يبحثون عن الستر والصحة ويشكرون الله على نعمه. لا يتسولون..ولا يطلبون إحسانًا من أحد..  وشعارهم فى الحياة (أكلها بملح وأبات متهنى...ولا حمامك اللى قتلنى)