«الأصفر» في حياة المصريين القدماء.. رمز الخلود والشمس والذهب

الفن المصري القديم اللون الأصفر
الفن المصري القديم اللون الأصفر


لم يكن استخدام الألوان في الفن المصري القديم مجرد وسيلة للزينة، بل كل درجة لونية تحمل معاني رمزية وروحية عميقة تعكس العقيدة والفكر المصري القديم. وكان اللون الأصفر، على وجه الخصوص، يحتل مكانة مميزة، إذ ارتبط بالخلود والشمس والذهب، وظهر بقوة في النقوش واللوحات الجدارية منذ عصور ما قبل الأسرات وحتى نهاية الدولة الحديثة.

** اللون الأصفر عند المصريين القدماء

عرف المصري القديم اللون الأصفر باسم "كنجت" (khenet)، وكان يرمز للشمس في ساعة الشروق، وللذهب النقي الذي لا يصدأ، مما جعله رمزًا خالدًا للبعث والأبدية. كما لونت به بشرة النساء في الجداريات كدلالة على الجمال والرقة، وأحيانًا جسد الآلهة والملوك للدلالة على طابعهم الإلهي.

** الاستخدام الفني والرمزي

بدأ استخدام اللون الأصفر منذ عصر ما قبل الأسرات، وبلغ ذروته في عصر الدولة الحديثة، حيث استخدم بشكل واسع في الزخارف، والنقوش الجدارية، والتماثيل، والأثاث الملكي.

وقد استُخدم إما بشكله النقي لإبراز عناصر معينة كالشمس أو التاج الملكي، أو مخففًا كبطانة أساسية تُمزج فوقها ألوان أخرى، أو لخلق طبقات لونية متدرجة.

** مصادر اللون الأصفر:

★ أولًا: المغرة الصفراء

الأصل: من أكثر المصادر استخدامًا، وتتكون من معدن الجوثيت، مع السيلكيات، معادن الطفلة، الليمونيت، الكالسيت، الكوارتز، والطين.

المكان: توجد بكثرة في الصخور الرملية بالصحراء الغربية، وفي مناجم الحديد بالواحات البحرية، وبعض الصخور الغطائية بالصحراء الشرقية.

الخصائص:

مقاومة للأحماض والقلويات.

تتحول للّون الأحمر عند تعرضها لدرجات حرارة مرتفعة.

★ ثانيًا: الأوربمنت (الرهج الأصفر)

يُعرف باسم الأصفر الملكي أو الأصفر الذهبي.

بداية استخدامه: في الأسرة الثامنة عشرة، وانتشر لارتباطه بالمظاهر الملكية والإلهية.

دليل أثري: تم العثور على كيس من الأوربمنت في مقبرة الملك توت عنخ آمون، مما يدل على قيمته العالية ومكانته المميزة في الطقوس الجنائزية والتصوير الملكي.

★ ثالثًا: الصخور الغطائية في الصحراء الشرقية

مصدر طبيعي آخر للون الأصفر، يحتوي على معادن تمنح درجات لونية ذهبية مستوحاة من البيئة المصرية.

اللون الأصفر في الحضارة المصرية القديمة لم يكن مجرد اختيار جمالي، بل كان يحمل رمزية خالدة تمزج بين العقيدة والفن والطبيعة. فكان لون الشمس المشرقة، والذهب الخالد، وجمال النساء، وكلها عناصر شكّلت حجر الأساس للفكر المصري الذي سعى دومًا للخلود والبعث والنقاء.

وبذلك يظل اللون الأصفر شاهداً ناطقًا على فلسفة المصريين القدماء في استخدام الرموز البصرية للتعبير عن أسمى القيم والمعاني.