كتب المؤرخون عن القاهرة زمان وفى عصورها الذهبية كجنة على الأرض.. أشجار ومياه جارية وزهور وريحان وفواكه من كل لون، كانت قادرة على إطعام سكانها والوجه البحرى كله، ولكن العشوائيات خنقتها، والتعديات البشرية قضت على الحدائق والمزارع.. اليوم، القاهرة تخضع لعملية تجميل دقيقة، تُعيد لها رونقها، وتُزيل ما تراكم من تشوهات على مدى عقود، فهل نتعلم من الماضى ونُورث أولادنا الأخلاق قبل الأموال؟ وهل نمنحهم غدًا نظيفًا، نخجل من أننا كدنا نحرمهم منه؟.
■ ■ ■
أتذكر جيدًا جريمة ارتكبتها «البلدوزرات» فى طفولتنا بالستينات، حين اجتاحت مدينتنا بعنف، واقتلعت الأشجار وردمت الترعة التى كانت تروى الحقول وتشطر المدينة بسحرها الأخضر، كل ذلك بذريعة إدخال الكهرباء والمياه، ولم يكن التحديث يعنى الخراب، لكنهم اختاروا الطريق الأسهل، والنتيجة؟ عشوائيات فوق عشوائيات، وتوك توك يزاحمك على الرصيف ويطرد الأشجار.
اليوم، يكلفنا استصلاح فدان فى الصحراء أكثر من ٢٥٠ ألف جنيه، ويستغرق عقدًا ليعطى ثماره، ومع ذلك لم يكن أمام الدولة خيار سوى الاتجاه إلى الصحراء، بعد أن أُهدرت ثروات الدلتا الزراعية بإهمال وهمجية لا تُغتفر.
■ ■ ■
كانوا يلقنوننا فى المدارس أن «مصر دولة زراعية لا تصلح للصناعة»، كذبة زرعها الاحتلال البريطانى، فكرهنا الزراعة، وحين ابتعدنا عنها، تدهورت مواردنا، وصرنا نستورد كل شيء.. من الفول والعدس إلى القمح والفواكه!.. لو حافظنا على الأراضى الزراعية، وبنينا المدن فى الصحراء كما تفعل الدول المحترمة ونفعل نحن الآن لكان لنا شأن آخر، مصر اليوم تتدارك الخطأ، وتمضى فى مشروعات استراتيجية لتحقيق الاكتفاء الذاتى من الغذاء، وهى معركة بقاء لا تحتمل الفشل.
■ ■ ■
فى زمن يختلط فيه بريق المال بأوهام السعادة، تبقى الحقيقة الساطعة أن الثراء الحقيقى لا يُقاس بما فى الجيوب، بل بما فى القلوب، الأخلاق رأس المال الذى لا يخسر، والكلمة الطيبة أكثر وقعًا من ملايين تصرخ بالتعالى والكبر، والتعقل فى تصرفاتنا أثمن من قرارات متهورة قد تزلزل البيوت.
كم من عائلات امتلكت مال قارون، فتركته لأبناء عاقّين أضاعوه فى الملذات والمنكرات؟، وكم من بيوت فقيرة أورثت أبناءها القيم والمبادئ، فصاروا أعمدة فى مجتمعاتهم، يُشار إليهم بالبنان ويُفتخر بهم.. الثروة ليست أرصدة فى البنوك، ولا سيارات فارهة ولا فيلات شاهقة، بل هى فى المبادئ التى نزرعها فى نفوس أولادنا، فتنبت سعادة وطمأنينة وراحة بال.
المحروم يتخيل أن المال مفتاح الجنة، لكنه يجهل أن المال قد يحرم صاحبه من الصحة والسكينة، وأيهما أكرم غنى لا يستطيع أن يبلع لقمته، أم فقير «يهضم الزلط» بابتسامة رضا؟

من رحم «النكسة» وٌلد «العبور»
عمرو الخياط يكتب: المسئولية المجتمعية لوزارة الداخلية
الكونجرس الأمريكى ضد الحرب.. من يؤيدها؟!







