تطورات متسارعة تشهدها المنطقة والإقليم، وفى الوقت ذاته لا يُمكن وصفها بالغريبة أو المفاجئة.. فقد كان ذلك متوقعًا منذ 15 عامًا أو يزيد، والتهديدات مُتبادلة بين إسرائيل وإيران، كما الحال مع دولة الكيان وبقية الأطراف فى مربعها، الأولى تقول إنها ستُدمر البرنامج النووي الإيراني، وترد الثانية بأنها ستُزيل تل أبيب من الخريطة، والتراشق الوعيدي بين اللدين غير خافٍ على أحدٍ منذ عقود.
وقد ظهر جليًا تعالي حدة التصريحات فى عهد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، بالتزامن مع مُضي طهران قُدمًا فى برنامجها النووي، وزيادة نسبة تخصيب اليورانيوم عن المطلوب للأغراض السلمية، بالتوازي مع ارتفاع أعداد أجهزة الطرد المركزي، ومنذ ذلك الحين وكل مرة تحاول إسرائيل الحصول على موافقة واشنطن لضرب الجمهورية الإسلامية ولكن دون جدوى، مكتفيةً بخنقها وحصارها اقتصاديًا تارة وخنقها بالعقوبات تارةً أخرى.
أيضًا ليس مُستغربًا على دونالد ترامب لدى تكرار دخوله للبيت الأبيض، أن يأخذ قرارًا مغايرًا للنهج الذى اتبعه أسلافه «باراك وبايدن».. ففي الولاية الأولى ألغى الاتفاق المُبرم من قِبل «أوباما» والقوى الكبرى مع طهران، وفى ولايته الثانية، سمح لـ «نتنياهو» بضرب منشآت إيران النووية وساعده بالعتاد العسكري اللازم دون قيدٍ أو شروط.
والمتابع للمشهد عن كثبٍ لا يُنكر حقيقة أن الرجل البرتقالي خدع إيران بالمفاوضات، وإن كان قد أمهلها شهرين للتوصل لاتفاق.. ولكن وخلال انتظار المرحلة السادسة منها حدثت الضربة التى خالفت التوقعات فى كل شىء، توقيتها، حجمها، حتى رد الفعل الإيراني الذى كان مضاعفًا ومُزلزًا للكيان، رغم أن بوادر الهجوم والنتائج الأولية تقول ليس هناك رفاهية أمام إيران كي تنتفض وستجد نفسها مضطرةً لقبول الضربة دون ردٍّ؛ بسبب كسر شوكتها، واغتيال قيادات عسكريين وعلماء نوويين بارزين فى الحرس الثوري والجيش معًا.
العجيب فى هذه الجولة من المناوشات الصهيو أمريكية - الإيرانية، أن رد طهران كان مدويًا وعلى قدر التهديدات التى أطلقها المرشد خامنئي والرئيس بزشكيان، ورسمت الصواريخ فرط صوتية والباليستية لوحات فنية تُريح عين مشاهد الشاشة البيضاء، وتطرب أُذنه عند سماع صوت سقوطها فوق «حيفا وتل أبيب» وكل المستوطنات الإسرائيلية الأخرى، حتى أن دولة الاحتلال تفاجأت من هول الصدمة، واحتمى نحو 8 ملايين مواطن إسرائيلي بالملاجئ، بما فيهم قيادات الحكومة الذين اجتمعوا فى باطن الأرض، بعدما ضاق عليهم سطحها بما رحبت؛ لكونها أصبحت مُستباحةً عن آخرها أمام الأسلحة الفارسية.
ركَّزت «إيران» ضرباتها على مواقع إستراتيجية ومعامل بحثية مرتبطة بالطاقة النووية مثل «وايزمان»، واستهدفت «ميناء حيفا ومطار بن جوريون»، وهنا ظهرت الأم أمريكا لتعلن على لسان رئيسها عن ضرورة العودة للمفاوضات والتوصل إلى حل بين الطرفين، بعدما أذاقت إيران خصمها إسرائيل مرارة الحروب، حتى وصف الإعلام العبري بيوتهم المُهدّمة بأنها تُشبه غزة.
نعم.. هرول الإسرائيليون فى الشوارع؛ للاحتماء بعيدًا عن مرمى الصواريخ والمسيَّرات كما فعل من قبل اللبنانيون والغزيون والسوريون وهم يبحثون عن بيئة آمنة على حياتهم، بعدما تم إجبارهم على ترك بيوتهم وأراضيهم ومصالحهم وأشغالهم، نجا من نجا، وهلك من هلك دون شفقة أو رحمة، أو الاستماع لصوت العقل، والرضوخ للقوانين الدولية والأعراف الإنسانية، ودون أن ينطق العالم ببنت شفة لإيقاف غطرسة المتجبر فى الأرض.
وبتحليل بسيط، فإن الأطماع الصهيوأمريكية الأوروبية والفارسية لن تنتهى فى ثروات العرب، وإن كنا بين فك الأطراف المتصارعة على حلبة الصراع والأطماع وأيضًا التهديدات، فلا أمريكا وإسرائيل وأوروبا يريدون محو إيران ولا إيران يعنيها مصلحة العرب واللعب بالنار فى مواجهة الطامع الأكبر، ولكنها المائدة، واللئام، وكسر الشوكة لعدم وجود الغريم بالتورتة، فكانت الأذرع المعاونة لطهران بالمنطقة هدفًا، البرنامج النووي هدفًا آخر.
سوف تنتهي الحرب ربما خلال الأيام القادمة، إما بصفقات، أو بتنازلات، أو بتدخلات وسيطة، ولكن تبقى غزة والضفة وسوريا ولبنان والعراق ملاعب للأعداء.
تشفّى العرب والمسلمون ولو قليلًا من المشاهد التى تعرضها الشاشات من الداخل المحتل، ورأوا فيها انتقامًا مما حدث فى غزة وبقية بلادنا التى استباحتها إسرائيل لعقود، وأثبتت «إيران» أن القوة هي أساس الاحترام بين الدول، وأن القوي والعفي من يحمي لقمته وينتزع حقوقه ويرفع رأسه فى وجه أعتى المعتدين.
ختامًا.. فإن الذكي وقت الحروب من يستشرف بوصلة مصالحه، طالما اقتضت المستجدات ، والأمر مشابه بين إسلام أباد وطهران، فبعد أشهر من تبادل الهجمات الحدودية عادت باكستان لتؤكد دعمها وتضامنها مع جارتها وشقيقتها مترفعين عن حدث عارض مر دون أن يترك في سجل العلاقات غصة، لتبقى الدول العربية والإسلامية فى حاجة لمثل هذه الروح متى أرادت أن تحيا حرة كريمة، وأن تحجز لنفسها مكانًا فى النموذج العالمي الجديد.

تحت أول ضوء شمس
تصحيح أفكار خاطئة
عقبال بقية مارينا







