«إسرائيل تستطيع بتفوق السلاح أن تبدأ المعارك وتحتل الأقاليم، لكنها لا تستطيع ولا تمتلك إمكانية النصر النهائى».
سألنى صديقى ذات مساء: هل لديك رقم العرافة اللبنانية الشهيرة ليلى عبد اللطيف تلك التى تُلقب بـ «ملكة التوقعات»؟.. كان قد سمع حديثها بداية العام الجارى عن توقعاتها بنشوب حرب بين إيران وإسرائيل، فقد أصابه الذهول من «دقة نبوءاتها».. ابتسمت وقلت له: حتى لو كان الرقم لدى، فلن أعطيه لك.
لكن لا تغضب. بدلاً من ذلك سأمنحك ما هو أنفع من تكهنات العرافين.. سأعطيك بضع كتب وتسجيلات للكاتب الكبير الراحل محمد حسنين هيكل.. الأستاذ تنبأ قبل ثلاثة عشر عاماً بأن إيران ستكون البلد المحورى فى الصراع العالمى القادم.. هيكل لم يقرأ الفنجان والطالع بل قرأ التاريخ والجغرافيا بمهارة وتحليل الكبار وقال إن إيران فى كل المرجعيات هى البوابة أو دولة المرتكز للصراع الأكبر حيث تتمتع بموقع جغرافى استراتيجى قوى يفرض نفسه. وقد تنبأ الاستاذ بأن إسقاط سوريا سيكون الهدف منه التمهيد لاستهداف إيران وهو ما حدث.
فذلك البلد الفارسى هو هضبة مطلة على الصين وروسيا والهند مما يجعلها بوابة الصراع ومؤخرته ويقول هيكل إن سياسة الولايات المتحدة مع إيران ليست تدميرية كما حدث فى العراق بل تهدف إلى إخضاعها، بينما تختلف سياسة إسرائيل جذرياً لأنها تريد تدمير إيران لكنها لا تستطيع ذلك بمفردها، فيما يحاول الإيرانيون كسب الوقت لإكمال مشروعهم النووي.. ويوضح هيكل أن الاستراتيجية الأمريكية تستهدف فى المقام الأول تغيير النظام وليس تدمير الدولة أو الدخول فى حرب شاملة، لافتا إلى أن التركيز الأمريكى ينصب على استهداف الحرس الثورى الإيرانى وقال أن إحلال نظام مُوالٍ لاسرائيل فى ايران ستكون نتائجه كارثية على العرب حيث وصف إيران وتركيا بأنهما سقف العالم العربى، مؤكدا أن اليمين الاسرائيلى المتطرف يقود تل أبيب الى أزمتها الحقيقية ونهايتها.
وفى كتابه «أزمة العرب ومستقبلهم» الذى كتبه فى عام ١٩٩٥ تحدث هيكل عن استهداف مصر مشيرا إلى أنها ستبقى المنطقة الأكبر والأخطر فى العالم العربى، لذلك فإن من يعكفون على رسم خطوط الخرائط الجديدة لا يريدون مصر بذاتها أو بصفاتها، ولعلهم «حربا أو سلاما» يريدون لها أن تنكفئ على نفسها، وقصارى ما يسمح لها به ضمن ترتیب جدید للمنطقة أن تتحول إلى ورشة للعمالة الرخيصة وسوق لبضائعهم.. وفى كتابه «العربى التائه» يقول الأستاذ إن إسرائيل تستطيع بتفوق السلاح أن تبدأ المعارك والحروب، وتستطيع أن تحتل الأقاليم لكنها لا تستطيع ولا تمتلك إمكانية النصر النهائى لأنه أبعد من حدود التفوق فى السلاح. وأن أمل إسرائيل الحقيقى فى انتصار نهائى معلق بتواضع الإرادة العربية إلى حد يقبل المأذون والمسموح به والمتاح- باسم الواقعية وهى ظاهرة متفشية فى دهاليز وأروقة السياسة العربية المعاصرة.. وبناء على تحليلات الأستاذ استطيع أن أرى الطالع.. اسرائيل فى حربها مع إيران لن تستطيع تحقيق النصر النهائى أو الخروج بمفردها من وحل إيران وهو ما يشير إلى أن الولايات المتحدة ستدخل بقوة لحفظ ماء وجه نتنياهو الذى يتعامل مع العالم وشعبه وكأنه آخر أنبياء بنى اسرائيل وكذلك لا يمكن أن تتلقى تل أبيب كل تلك الصواريخ والصفعات من إيران لأول مرة فى تاريخها دون أن يتم رسم لوحة سينمائية لانتصارها المفبرك.. الرئيس الأمريكى دونالد ترامب قال إنه سيقرر ما إذا كانت الولايات المتحدة ستضرب إيران «فى غضون أسبوعين»، وأعتقد أن التدخل سيكون قبل ذلك وبعد أن تصل الأصول العسكرية الأمريكية المتجهة بالفعل إلى المنطقة.
أرى أننا نحتاج فى إعلامنا بشدة لإعادة قراءة مؤلفات هذا العلامة الكبير، فـ«هيكل» مهما كان اختلافك الشخصى مع آرائه لا يختلف اثنان على كونه عمودا من أهم أعمدة المؤرخين والصحفيين لاعبا وشاهدًا ومحللا.
إعادة القراءة هنا ليست لنشر الذعر، بل للانتباه إلى العاصفة القادمة، ولوضع الأمة فى حالة استعدادٍ ونشر الوعى بدلاً من حالة دهشة حين تقع الكارثة. فالتاريخ لا يرحم الجاهلين.. والمخاطر والتهديدات لا تكشف عن نفسها فى فناجين العرافين.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







