بئر العبد.. قرى طورت الحرفة

الحرفة إرث الأجيال حكايات «ورش» تخطت قرن من الزمان | اليخوت عاشقة البحر

اليخت
اليخت


> صالح العلاقمى - محمد قورة - حسام صالح - فايزة الجنبيهى - أشرف شرف - إبراهيم الشاذلى - ضياء أبو كيلة

وقف تراخيص مراكب الصيد، تسبب فى تراجع الطلب بنسبة 80%، ودفع كثيرًا من الحرفيين لترك مهنة متوارثة من الأجداد إلى الأحفاد، وتعود إلى أزمنة بعيدة، لكنها باقية مع الزمن بفضل تمسك الأجيال مما جعلها عاصية على الاندثار، بل تطورت بأساليب جديدة فى العمل فغزت أسواق العالم بمهارة وحرفة آياد مصرية.. حيث تمتلك المحروسة تاريخا طويلا فى تلك المهنة. صناعة المراكب واليخوت والقوارب فى المحافظات الساحلية نموذجاً حياً لإبداع الحرفيين الذين جمعوا بين المهارة التقليدية والتقنيات الحديثة ليصنعوا وحدات بحرية ونهرية تلبى حاجات الصيد والسياحة والنقل، من برج البرلس على ساحل البحر المتوسط إلى دسوق على ضفاف نهر النيل، وفى البحر الأحمر من الغردقة حتى ميناء الإتكة بالسويس تنتشر ترسانات متخصصة تجمع بين دقة الصناعة وروح التعاون العائلى، حيث تواصل أجيال من العمال بناء مراكب تتراوح بين الفلوكات الخشبية الصغيرة واليخوت الفاخرة، هذا القطاع لا يقتصر على الإنتاج فحسب، بل يخلق فرص عمل وينعش الاقتصاد المحلى، خاصة مع تزايد الطلب على المراكب السياحية التى تجمع بين الأصالة والحداثة.

يعتمد قطاع واسع من أهالى شمال سيناء على مهنة الصيد كمصدر رئيسى للدخل، مما ساهم فى انتشار صناعة المراكب بين الشباب خاصة مع وفرة المسطحات المائية فى المنطقة. ازدهرت هذه الصناعة بفضل توجه كثير من الشباب الباحثين عن فرص عمل إلى البحر وبحيرة البردويل للعمل كصيادين.. برع صانعو المراكب فى قرى بئر العبد فى صناعة مراكب خشبية صغيرة الحجم، حيث طوروا أجسام القوارب التى كانت تعتمد على الأخشاب فقط، بإضافة مادة الفايبر جلاس التى تتميز بصلابتها وقوتها فى مواجهة المياه مقارنة بالخشب الذى يتلف مع مرور الزمن.. يقول الحاج سلمى سليم نغيمش، صاحب ورشة تصنيع المراكب فى قرية النجاح، إنه يمارس هذه المهنة منذ ثلاثين عامًا، متوارثة عن أجداده، وهو يعمل جنبًا إلى جنب مع والده وأخيه الأصغر.

أوضح أن المراكب تتنوع فى الأحجام بين الصغيرة والمتوسطة التى تعمل فى بحيرة البردويل، بينما تستخدم اللنشات الكبيرة فى البحر، وكلها مصنوعة يدويًا.. وأكد أن الخشب السويدى يُستخدم فى بناء الهيكل الخارجى للمركب، أما خشب التوت فيُخصص للعواميد الرئيسية داخله، إلى جانب استخدام أنواع خاصة من الدهانات لتغطية جسم المركب، فضلاً عن طبقة الفايبر جلاس التى تساهم فى حماية المركب، وأضاف أن مدة تصنيع المركب الواحد لا تتجاوز 45 يومًا.

تبدأ عملية التصنيع بتجهيز الهيكل الأساسى، ثم تثبيت الألواح الخشبية المناسبة بإحكام على الهيكل، مع تجهيز مقاعد خشبية داخل المركب حسب الرغبة، ويتم تثبيتها بطريقة ملائمة، وفى حال تحضير المجاديف، يتم رسمها على ألواح خشبية عريضة. سليم سالم سليم أوضح أن صناعة المراكب مكلفة للغاية بسبب ارتفاع أسعار الخشب وتكاليف تغليف الأرضية والجوانب الداخلية بلفائف الفايبر جلاس، بالإضافة إلى الدهانات الخارجية التى تمنع تسرب المياه، يبلغ طول المركب حوالى 11 مترًا وعرضه نحو 3 أمتار، مما يؤهله للعمل بكفاءة فى المياه.

عزبة البرج.. عاصمة الصنعة

تُعرف عزبة البرج بمحافظة دمياط بأنها عاصمة صناعة السفن فى مصر، إذ تحتضن أكثر من 65% من أسطول الصيد على مستوى الجمهورية، يعمل معظم سكانها فى مهنة الصيد، لكن التميز لم يتوقف عند حدود البحر، بل امتد إلى البر، حيث تجرى ملحمة فنية فى أحواض بناء المراكب، تجعل من هذه المدينة الصغيرة نقطة إشعاع لصناعة السفن واليخوت محليًا ودوليًا.

يقول صلاح السمبسكانى، أحد أقدم صنّاع المراكب بعزبة البرج، إنه ورث المهنة أبًا عن جد منذ أكثر من مائة عام، بدأ رحلته حين كانت المراكب تُبنى بطريقة بدائية وتعتمد على الشراع والمجداف، ولم تكن تتجاوز عشرة أمتار ، يتذكر أن جده كان يصدّر هذه المراكب إلى فلسطين قبل الحرب العالمية الثانية، حيث لم تكن هناك أرصفة بحرية، وكانت المراكب تنقل البضائع مباشرة إلى الشاطئ.

مع تطور الزمن، بدأت شركات المحركات فى التعاون مع جمعية الصيادين بالمدينة، ووفرت المحركات بالتقسيط، فبدأ الصيادون فى تطوير مراكبهم، ازداد الطول من 15 إلى 24 ثم 32 مترًا، وتنوعت أغراض الاستخدام بين صيد السمك ونقل البضائع والركاب.. تمر صناعة المركب الخشبى بعدة مراحل، تبدأ بتشكيل الضلوع من أخشاب محلية مثل التوت والسنط والكافور، ثم تغليفها بأخشاب سويدية من الدرجة الأولى، أما المراكب الحديدية فتصنع من زوايا حديدية وتُجلّد بألواح صاج يُختار سمكها حسب حجم المركب، تُقسم المساحة الداخلية إلى طابقين؛ الأول يحتوى عنبر الأمان، وثلاجة لحفظ أو تجميد الأسماك (خاصة لمراكب صيد الجمبري)، إلى جانب حجرة المحرك وخزانات السولار، وعنبر لتخزين الشباك، أما الطابق الثانى فيضم غرفة القيادة «البرتش»، وسكنًا للبحارة يتسع بين 6 و8 أسرّة، بالإضافة إلى دورة مياه، مطبخ، وصالة أدوات.. تتراوح مدة تصنيع المركب بين 6 إلى 8 أشهر إذا توفرت الإمكانيات المادية، أما فى حال التعثر المالى فقد تمتد عملية التصنيع لسنوات، ويؤكد السمبسكانى أن المراكب المخصصة للبحر الأحمر تُصنع من الحديد لقوة الأمواج هناك، بينما يفضل استخدام الخشب فى المراكب التى تعمل داخل المياه الإقليمية أو البحر الأبيض المتوسط.

تميز عزبة البرج فى صناعة السفن لم يقتصر على الاستخدام المحلى، بل تخطى الحدود، فقد صدّر السمبسكانى مراكبه إلى ليبيا قبل الثورة، ويواصل حاليًا التصدير إلى دول مثل الكونغو كينشاسا واليونان، التى تستورد سفن صيد ويخوت، إلى جانب أسواق الخليج، خصوصًا السعودية والكويت والإمارات، كل يخت يُصنع حسب رغبة الزبون وطبيعة استخدامه، ما يمنح الصناعة طابعًا شخصيًا وفنيًا راقيًا، وقد اختارته هيئة قناة السويس لتصنيع ثلاث مراكب شاركت فى احتفالات افتتاح القناة الجديدة بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسى.

يرى أحمد يوسف، أحد الحرفيين الشباب، أن هذه الصناعة توفر فرص عمل لكثير من الفئات، وتشكل مصدر رزق لعدد كبير من العائلات، تبدأ مراحل البناء من تشكيل الهيكل، ثم تغليفه، وتتنوع أطوال المراكب من 16 حتى 33 مترًا، بحسب الطلب.

اقرأ أيضًا | مصر تستعد لتكون وجهة سياحية لليخوت العالمية


الأتكة.. العمرة إجبارية قبل الموسم

مع توقف عائمات الصيد داخل وخارج خليج السويس استعدادًا لموسم الصيد الصيفى المنتظر فى منتصف سبتمبر، يستغل أصحاب المراكب هذه الفترة لإجراء أعمال الصيانة اللازمة على مراكبهم، تختلف حاجة المراكب بين صيانة بسيطة وأخرى قد تصل تكلفتها إلى أكثر من مليونى جنيه.. فى أقصى جنوب ميناء الأتكة، المخصص للصيد بالسويس، تقع «قزق الشركة العالمية»، أكبر ورشة لبناء وإصلاح سفن الصيد وبناء القاطرات فى المدينة، معظم العائمات هناك هى مراكب ولنشات الصيد التى تستخدم حرفة الجر والشانشولا، ويُعد رفع المركب للصيانة أمرًا إجباريًا لتجنب تعطلها أثناء الصيد. 

يشرح الحاج عامر سعد، تاجر قطع الغيار ومخلفات السفن، أن تكلفة بناء مركب صيد حديثة تصل إلى 16 مليون جنيه، تبدأ صناعة المركب باستخدام الحديد لتشكيل بدن السفينة والأجزاء الأساسية، حيث يبلغ سعر طن الحديد حوالى 45 ألف جنيه، يفضل الحرفيون استخدام حديد تانكات المواد البترولية لتغطية الهيكل المعدنى، يليها استخدام الأخشاب المقاومة للماء ومادة الفايبر جلاس. 

يراقب عمار مكى، رئيس العمال فى ورشة القزق، عملية تغيير اتجاهات بسطات خشبية طويلة مدهنة بالزيت المحروق، تستخدم هذه الألواح للحفاظ على توازن المركب أثناء سحبه من البحر على البر، عبر واير معدنى مثبت فى منتصف مقدمة المركب. كما تستخدم سلاسل حديدية مثبتة بكتل خرسانية نقاط ارتكاز لضبط مسار المركب وتحريكها بحرفية عالية حتى الوصول إلى موقع الإصلاح، حيث توضع المركب على جذوع خشبية طوال مدة الصيانة. 

يقول عمار مكى، الذى تعود أصوله إلى الأقصر، إنه تعلم المهنة سريعًا رغم مخاطرها، وهو يدرك كيفية التعامل مع الأزمات، يشير إلى أن جميع المراكب تأتى بشكل دورى إلى الورشة لأعمال الصيانة، وقد تصل تكلفة «عمرة» المركب إلى 2 مليون جنيه إذا شملت تغييرات كبيرة فى بدن المركب. 

تبدأ بنود الصيانة عادة بعمرة الموتور، حيث تختلف تكلفتها حسب حالة المحرك ومدة تشغيله، وقد تتجاوز 200 ألف جنيه، أما صيانة البدن والأجزاء الحديدية فتتم عبر إزالة الأجزاء المتضررة بالصدأ واستبدالها بأخرى جديدة. 

تتبع عملية العزل بعد ذلك، باستخدام مادة الإيبوكسى لمنع تسرب المياه إلى الحديد، حيث تُستهلك جالونين من المادة تكلفتهما حوالى 70 ألف جنيه، فى بعض الحالات تقتصر الصيانة على هذه الخطوة فقط، خصوصًا إذا كانت المركب قد خضعت لعمرة شاملة خلال أقل من ثلاث سنوات.

على جانبى المركب توجد قطع معدنية فضية اللون تُعرف باسم «التوتيا»، وهى ضرورية لتفريغ الكهرباء الساكنة الناتجة عن تشغيل المحرك وحركة الأمواج، حيث تتآكل هذه القطع أثناء الاستخدام، وإذا لم تتآكل فهذا يعنى وجود فائض من الحديد فى السبائك مما يقلل من فاعلية تفريغ الكهرباء.

مع اقتراب موسم الصيد، تنتهى أعمال الصيانة، ليبدأ رفع المراكب إلى البحر، وهى عملية تحتاج إلى حوالى 20 عاملاً وتتم بنفس الطريقة التى رفع بها المركب، مع مراعاة مواعيد المد والجزر لضمان السلامة.

رشيد..ميلاد جديد مع افتتاح ميناء الصيد 

مدينة رشيد لا تُعرف فقط بتاريخها ومآذنها العالية، بل بقلوب رجالها التى اعتادت البحر، وسواعدهم التى صنعت المجد على ظهر السفن، هنا، تتحول الأخشاب والحديد إلى حكايات عائمة، وتُبعث الصناعة من عمق التراث كل يوم من جديد، فلم تكن مهنة صناعة السفن غريبة على أهل المدينة، بل نبضًا يسرى فى عروقها منذ قرون، ساعدت مهنة الصيد التى تشتهر بها رشيد فى الحفاظ على هذه الحرفة وتطويرها، حتى أصبحت ورش صناعة السفن واليخوت ركنًا أساسيًا فى المشهد البحرى للمدينة، هذا الإرث لم يتوقف عند الماضى، بل يستعد لميلاد جديد مع قرب افتتاح ميناء الصيد البحرى الحديث، الذى يُعد إضافة استراتيجية تفتح أفقًا واسعًا أمام صناعة السفن فى المدينة.

الحاج محمد لحمة، أقدم صانع مراكب فى رشيد وصاحب إحدى ورش التصنيع، يجلس بين أدواته كحارس زمن، ويروى كيف ورث المهنة عن والده، ثم طوّرها ووسع شهرتها إلى مختلف المدن المطلة على البحر المتوسط، يشير إلى أن السفن الخشبية لم تعد الخيار الوحيد، بل دخل الحديد على الخط لما يتميز به من صلابة وطول عمر داخل المياه، حيث لا تحتاج السفينة المصنوعة من الحديد إلى تجديد مستمر أو «عمرة» كل فترة. 

عملية التصنيع تبدأ بهيكلة البدن والأطراف، ثم تثبيت العيدان، وتتباين تفاصيل كل مركب بحسب رغبة صاحبه ونوع النشاط الذى صُممت لأجله، يُستخدم فى بناء المركب الواحد ما بين 30 إلى 75 طنًا من الحديد، حسب الحجم والمهنة، وتستغرق فترة البناء من عامين إلى أربعة أعوام، تتوقف خلالها وتيرته على الحالة المادية لصاحب المركب، وبعد إتمام التصنيع، يتم رفع المركب على فلنكات داخل الورشة، ثم يُنقل إلى البحر ليبدأ رحلته. 

السيد حميدة، شيخ صيادى برج رشيد، يُسلط الضوء على أهمية هذه الصناعة التى تحتضنها المدينة، يوضح أن هناك أكثر من ألف مركب، تتنوع بين صغيرة ومتوسطة وكبيرة، جميعها صُنعت داخل ورش رشيد، ويعمل عليها ما يزيد على ألفى صياد، يؤكد أن هذه الورش تُعد من الأقوى فى مصر، بل تتفوق على نظيراتها فى المدن الساحلية، ليس فقط بحكم الخبرة، بل لأن المهنة ضاربة بجذورها فى وجدان المدينة.

ميناء الصيد الجديد، كما يراه شيخ الصيادين، لن يكون مجرد مشروع خدمى، بل رافعة اقتصادية تعيد للمدينة أمجادها البحرية، وتُنعش صناعة السفن بمختلف أنواعها، من مراكب الصيد حتى اليخوت الحديثة، ليبقى البحر شاهدًا على ولادة مركب جديد من قلب رشيد.



الأنفوشى.. مهنة عمرها 150 عامًا

تتشبث ملامح الزمن القديم بجدران الأخشاب وسواعد الرجال فى قلب الأنفوشى العتيقة، حيث لا تزال ورش صناعة المراكب واليخوت تحكى قصة صمود نادرة، تحميها المهارة اليدوية والخبرة المتوارثة جيلاً بعد جيل، وتمنحها الأرواح التى سكبت فيها من العرق أكثر مما سكبت من الماء فى البحر.

يؤكد الحاج صبرى مسعود، أحد أقدم صناع المراكب فى الإسكندرية، أن هذه الحرفة الممتدة عبر 150 عامًا لم تكن مجرد مهنة لعائلته، بل ميراثًا عائليًا متينًا؛ بدأ بجوار قصر رأس التين، قبل أن تُنقل الورشة بأمر من الملك فاروق إلى منطقة الأنفوشى، لتصبح ركنًا أصيلًا من معمار المدينة البحرى، جنبًا إلى جنب مع 45 ورشة لا تزال قائمة، رغم ما طرأ من تبدلات.

الورش، التى بُنيت أغلبها من الأخشاب، تحتاج اليوم إلى إنقاذ يليق بقيمتها التراثية، ومع ذلك لا تزال تخرج من بين أيدى الحرفيين قطعًا فنية متقنة، من زوارق صيد صغيرة لا تتجاوز أربعة أمتار، إلى يخوت مترفة تُصنع حسب الطلب لعشاق البحر، يخوت مزودة بكبائن وصالونات، وقد تصل إلى طابقين أو أكثر، تمخر البحر كأنها قصور عائمة.

ويشرح الحاج صبرى أن الخشب هو روح المركب، ويُنتقى بعناية فائقة من بين أنواع مصرية مثل التوت والكافور والسنط، أو أخشاب السويد المستوردة من فنلندا لقدرتها على مقاومة الملوحة والبقاء طويلًا فى البحر..  بينما يؤكد الأسطى طارق «فريرة»، صاحب ورشة مجاورة، أن هناك أنواعًا أكثر صلابة مثل «التك» و»الموجنو» و»السويد» تُستخدم فى أرضيات اليخوت الفاخرة وهياكل السفن الكبيرة، لجمالها ومتانتها.

ويشارك الحدادون بدور أساسى فى الورش، يشكلون الحديد بإتقان لتدعيم هياكل السفن الكبيرة التى يتجاوز طولها 60 مترًا، فيما تُنحت الكبائن الداخلية من الخشب، وتُصمم كل التفاصيل بعناية يدوية تامة، بحسب الرسومات الهندسية. 


يقول «فريرة» إن مرحلة تصنيع المركب تبدأ برسمه، ثم تُشكّل ألواح الخشب وفق المقاسات، فتولد من هذه الخطوات مراكب صغيرة تُنجز خلال عشرين إلى خمسة وعشرين يومًا، بينما اليخوت العملاقة قد تمتد صناعتها لعامين كاملين، وتتخطى تكلفتها ملايين الجنيهات، وتستوعب أحيانًا خمسين راكبًا.

محمد طلبة، صاحب ورشة أخرى مجاورة، يشير إلى أن فترة التسعينيات كانت العصر الذهبى للورش، حين كانت تُصنع اليخوت لفنادق الغردقة وشرم الشيخ، لكن رياح ما بعد يناير 2011 جاءت محملة بالتحديات، أبرزها وقف تراخيص مراكب الصيد، مما تسبب فى تراجع الطلب بنسبة 80%، ودفع كثيرًا من الحرفيين لترك المهنة والعمل فى مجالات البناء، حتى الورش المتبقية لم تعد تملك طاقمها المعتاد، بل تستقدم صنايعية بنظام اليومية أو القطعة، بينما تغزو السوق مراكب صينية رخيصة الثمن تضع الورش فى منافسة غير متكافئة.. يحذر الحاج صبرى من أن المهنة، رغم عظمتها، باتت مهددة بالزوال، ويؤكد أنها أصبحت على حافة الانقراض، داعيًا إلى تدخل حكومى عاجل لحمايتها من التلاشى، ووضع خطط للتسويق والتدريب وإحياء الرابطة التى تم تأسيسها من أجل إنقاذ ما تبقى.. ويطالب القائمون على ورشة «أولاد الستوسي» بدورهم بالحفاظ على الورش الباقية وتنشيط الحرف المرتبطة بها، مؤكدين أن معظم نشاط الورش حاليًا يتركز على الصيانة لا التصنيع. 

خلال جولة «الأخبار» بالمكان، رُصد تحول عدد من الورش القديمة إلى «كافيهات» أو بازارات تبيع نماذج خشبية صغيرة لمراكب ديكورية، فى تلك المنطقة القريبة من قصر رأس التين وقلعة قايتباى، يبدع شباب مستأجرى الورش فى صناعة قطع فنية تتراوح أسعارها من 25 جنيهًا إلى آلاف الجنيهات، تُهدى فى سبوع المواليد أو تُستخدم للزينة فى البيوت والفنادق، وتشهد رواجًا من جانب المصطافين والسياح.

رغم التحولات، لا تزال الورش تنبض بروح البحر، تقاوم الموت البطيء بروح مشبعة بالخشب والزمن والملح، وتبقى الأمل الأخير فى نجاة حرفة كانت يومًا قلب الإسكندرية النابض.

أذق الغردقة.. حدوتة مصرية بين الإنسان والبحر

هدوء البحر الأحمر لا يخفى خلفه فقط مياهًا صافية وأسماكًا ملونة، بل يخفى أيضًا نبضًا صناعيًا عريقًا، يُجسّده مركز «أذق الغردقة»، الذى تحوّل من ورشة صغيرة إلى قلعة لصناعة السفن واليخوت، يروى هذا المكان سيرة أجيال سكنت الحرفة وأعادت صقلها، فبات الحرفى فيه فنانًا، والخشب فيه تاريخًا، والمطرقة فيه نشيدًا بحريًا لا ينتهى.

عند بوابة المركز، يستقبلك صوت الطرق على الخشب مختلطًا برائحة البحر والنشارة، فيما تقف المراكب كأنها تنتظر موعد انطلاقها إلى المغامرة، هنا تبدأ الحكاية التى تعود إلى ثمانينيات القرن الماضى، حين قرر الحاج زكريا، مؤسس «أذق الغردقة»، أن يبنى حلمه بلوح خشب ومسمار، مستندًا إلى شغف لا يخفت، وصبر لا يُقهَر، توسعت الورشة عامًا بعد آخر، وصارت تضم عشرات الحرفيين، لتصبح واحدة من أبرز معالم المدينة، ومحطة لا غنى عنها فى جولات «السيتى تور» التى تقدم للسياح وجهًا آخر من وجوه الغردقة، وجهًا لا تقل فيه الحِرفة عن السحر.

هذه القلعة البحرية ليست مجرد ورشة، بل حاضنة للمهارات أشرف النجار، أحد أقدم صنّاع الخشب يتعامل مع أخشاب يزيد عمرها على مائة عام، يستخدم خشب التوت لبناء الجسد، والكافور لتدعيم القاعدة، بينما يُخصّص الخشب الحديث للنقوش والزخارف، فى مزج ساحر بين العراقة والجمال.

محمود على، من فريق الإدارة، يشرح أن كل مركب يخرج من البحر للصيانة يمر بعملية معقدة ودقيقة، تبدأ بإخراجه عبر معدات جر متطورة، وتنتهى بلمسات الحرفيين الذين يعيدون له الحياة، وتعد هذه الصيانة الدورية أمرًا جوهريًا لتجديد الترخيص البحرى، بل لضمان الأمان فى كل رحلة جديدة. 

التحول من المحلية إلى العالمية لم يكن بعيد المنال، فقد افتتح محافظ البحر الأحمر، اللواء عمرو حنفى، مصنعًا بمدينة الغردقة هو الأكبر من نوعه فى مصر لتصنيع اليخوت والمراكب الفايبر جلاس والمطاطية وكان من أبرز إنجازاته إنتاج أول مركب غير قابل للغرق بمعايير مطابقة للاتحاد الأوروبى، ولكن بتكلفة مصرية تقل كثيرًا عن مثيلاتها الأجنبية، ما يمثل دفعة قوية للمنتج المحلى فى السوق العالمية. 

الخطط المستقبلية لا تقف عند الغردقة، إذ يجرى العمل على مشروع ضخم جنوب سفاجا، حيث يُنشأ مصنع متكامل لبناء القاطرات البحرية، بشراكة بين هيئة قناة السويس وشركة ترسانة جنوب البحر الأحمر، وهو ما يعكس توجه الدولة نحو توطين الصناعات الاستراتيجية وتحديث البنية التحتية البحرية.

صناعة اليخوت، كما يصفها أحمد يحيى، من مسئولى «أذق الغردقة»، أشبه بعملية جراحية دقيقة، كل تفصيلة تُحسب بالمللى، وكل خطوة تحتاج إلى فريق متخصص فى النجارة، والميكانيكا، والهندسة، والديكور الداخلى، قد يستغرق صنع يخت واحد أكثر من ستة أشهر، لكنها شهور تُبنى فيها أحلام بأيدٍ مصرية تُجيد تطويع البحر والخشب والنور.

ما يحدث فى «أذق الغردقة» ليس فقط بناءً لمراكب ويخوت، بل بناء لقصة مصرية تُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والبحر، بين الحرفة والحداثة، وبين الحلم والحقيقة.

البرلس ودسوق.. قلاع العائمات

تتمتع محافظة كفر الشيخ بترسانات متميزة لصناعة المراكب والقوارب واليخوت البحرية والنهرية بمختلف أنواعها، حيث تتركز صناعة الوحدات البحرية فى مدينة برج البرلس المطلة على البحر المتوسط، بينما تتركز صناعة الوحدات النهرية فى مدينة دسوق.

يشرح الحاج محمد شرابى، نقيب الصيادين بالبرلس، أن مدينة برج البرلس تشتهر بالإتقان العالى فى صناعة المراكب والقوارب واليخوت، وتُعد من أكبر مراكز صناعة مراكب الصيد البحرية بأنواعها المختلفة، ويوضح أن هناك أربعة أنواع رئيسية لمراكب الصيد تُصنع فى البرلس، وهي: الجر، الشنشولا، السنار، والكنار، يصل طول مركب الجر إلى أكثر من 30 مترًا وتكلفة صناعتها تصل إلى حوالى 8 ملايين جنيه، وتعمل فى المياه المفتوحة للبحر، حيث تصيد أنواعًا متعددة من الأسماك أشهرها الجمبرى والبربون، أما مراكب الشنشولا، فطولها قد يزيد على 30 مترًا أيضًا وتكلفتها قريبة من 8 ملايين جنيه، فى حين يبلغ طول مراكب الكنار نحو 13 مترًا وتكلفة صناعتها حوالى مليونى جنيه، ومراكب السنار يصل طولها إلى حوالى 16 مترًا بتكلفة تقدر بحوالى 3 ملايين جنيه.. يضيف شرابى أن صناعة اليخوت أيضًا من الأنشطة الهامة فى ترسانات البرلس، حيث يُصنع نوعان رئيسيان هما يخوت «السفاري» التى يصل طولها لأكثر من 30 مترًا، ويخوت «الديلي» التى يتراوح طولها بين 15 و20 مترًا، ومع ذلك، يشير إلى أن الإقبال الأكبر يظل على صناعة مراكب الصيد، وأن معظم الهيكل الأساسى لهذه الوحدات البحرية يصنع من الحديد، بينما تصنع مراكب الصيد الصغيرة، المعروفة باسم «الفلوكة»، من الخشب. 

أما فى مجال صناعة الوحدات النهرية، فيقول على الشافعى، مالك ترسانة نهرية بمدينة دسوق، إن غالبية العاملين فى هذا القطاع يتوارثون المهنة، حيث عملت أسرته فى هذا المجال لأربعة أجيال، ويوضح أن صناعة الوحدات النهرية تعتمد بشكل رئيسى على قطاعى السياحة أولًا، ثم النقل ثانيًا. أما مراكب الصيد النهرية فهى مطلوبة بشكل ضعيف مقارنة بمراكب الصيد البحرية التى تتركز صناعتها فى برج البرلس.

يشير الشافعى إلى أن الطلب جيد على صناعة المراكب السياحية، وعلى رأسها «الدهبية»، وهى مركب شراعى ذو قيمة عالية يُشبه القصر الصغير المتحرك فى مياه النيل، ويقبل عليه السائحون، تصل تكلفة صناعة الدهبية إلى حوالى 8 ملايين جنيه نظرًا لتجهيزها بخامات عالية الجودة، ويأتى بعدها المراكب النيلية التقليدية التى تقوم برحلات قصيرة فى نهر النيل، وهى تحظى بشعبية كبيرة بين المصريين، خصوصًا فى الأعياد. 

وفى قطاع النقل النهرى، يوضح الشافعى أن مراكب الشحن والتفريغ تُعد الوسيلة الأساسية لنقل البضائع والمواد الخام على طول نهر النيل، حيث تصل حمولتها إلى حوالى 500 طن ويبلغ طولها 50 مترًا، وتنقل البضائع من أسوان حتى الإسكندرية. ويُصنع بدن هذه المراكب الخارجى من الحديد المحلى الصنع.

ويشير الشافعى إلى أن صناعة الوحدات النهرية توفر فرص عمل مهمة للشباب، حيث يعمل فى صناعة مركب واحد حوالى 50 فردًا بأجور تبدأ من 350 جنيهًا يوميًا، يشارك فى العملية عدة تخصصات، تبدأ بالحدادين وفنيى اللحام، ثم السباكين والنجارين والكهربائيين، وأخيرًا النقاشين وصانعى الأثاث، ليُسهم كل منهم فى مراحل تصنيع المركب المختلفة.