لا يعيش القطاع العقارى المصرى أزمة نمو، بل أزمة إدارة هذا النمو فى بلد ينمو عمرانيًا بوتيرة غير مسبوقة، حيث تُدشّن المدن الجديدة فى الصحراء وتُعاد هيكلة قلب العاصمة، يبدو السؤال اليوم أكثر إلحاحًا من أى وقت مضى: هل ما نملكه من أدوات تنظيم وتمويل وحوكمة يليق بما نطمح إليه من تصدير للعقار المصرى كمشروع اقتصادى متكامل؟ أم أننا نغرس ناطحات السحاب فوق رمال تنظيم هش، سيعجز يومًا عن حملها؟
من يراقب تطورات السوق فى السنوات الأخيرة، سيكتشف أن التوسع العمرانى سبق التشريع، وأن الطموح فى التصدير العقارى لم يُصاحبه حتى الآن جهاز تنفيذى يُحسن إدارة هذا الملف الاستراتيجى السوق ضخم، صحيح، والمطورون يمتلكون رأس المال والخبرة، صحيح أيضًا، لكن ما يزال ينقصنا عقل مركزى يدير الكتلة، ويحوّل الفُرص إلى واقع، ويضمن أن تتحول الشقق إلى استثمارات، لا مجرد وحدات معلقة فى الهواء.
أخبار اليوم فى مؤتمرها العقارى الأخير، الذى عقد الإثنين الماضى طرح الحضور من المطورين أفكاراً ورؤى أكدت أن الخلل ليس فى الإمكانيات بل فى الربط بينها فجاءت التوصيات لتعكس تحولًا فى العقل التنظيمي: من إدارة السوق بمنطق «الاستجابة المتأخرة»، إلى محاولة بناء أدوات استباقية، تنظم قبل أن تُنذر، وتستبق ولا تطفئ الحرائق وبقراءة لهذه التوصيات تكتشف: إنها تضع يدها على مفاصل الاختلال العميق داخل السوق، خصوصًا فى مسألة التنظيم، التمويل، والتكنولوجيا، والتشريع المؤسسي.. أبرز ما يواجه السوق الآن هو غياب آلية تمويل عقارى منتظمة، قادرة على الفصل بين ما هو آمن للمشترى وما هو مربك للاقتصاد فالتمويل العقارى للوحدات تحت الإنشاء، مثلًا، يُعد قنبلة مؤجلة، ما لم يخضع لضوابط صارمة، تمنع تكرار التمويل لنفس الوحدة من أكثر من جهة، وتُدخل نظامًا رقابيًا شفافًا يربط بين البنوك والمطورين والجهات السيادية فالوحدة العقارية، قبل أن تكون منتجًا يُسوّق، يجب أن تكون مُسجلة وقابلة للتتبع والتقييم لحظة بلحظة.
التمويل وحده لا يكفى فحتى فى أكثر الأسواق العقارية انضباطًا، لا يمكن تحقيق الاستقرار دون بنية رقمية تُغنى السوق عن الشك وهنا تظهر إشكالية التحول الرقمى فى السوق المصري، الذى لا يزال يعانى من غياب قواعد بيانات مركزية موحدة، وضعف فى تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وسوء فى توظيف المنصات الإلكترونية للبيع والشراء والتوثيق التوصية الصادرة حول «تنظيم سوق البيع الجزئي» عبر المنصات الإلكترونية لا تعنى فقط وضع ضوابط قانونية، بل تمثل اعترافًا بأن كثيرًا من وحدات السوق باتت تُباع وتُموَّل وتُتداول فى فراغ رقمى بلا هوية واضحة.
ثمّة خلل مؤسسى أكثر عمقًا: المطورون العقاريون، وهم الفاعلون الحقيقيون فى هذا السوق، لا يملكون حتى اليوم كيانًا جامعًا يحمى مصالحهم، ويُعبّر عنهم أمام الدولة، ويُصنّفهم وفق معايير الجودة والخبرة ورأس المال فغياب اتحاد رسمى للمطورين العقاريين حرم السوق من صوت توازني، وحوّل العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص إلى حوار فردى بين وزارة وشركات، بدلًا من أن تكون شراكة مؤسسية قادرة على وضع السياسات لا فقط تنفيذها إنشاء هذا الاتحاد ضرورة، كى لا يظل السوق حبيس اجتهادات فردية، وتوازنات مؤقتة.
التحول الأهم فى التفكير العقارى الآن، كما تشير توصيات المؤتمر، هو ضرورة الخروج من عباءة «التوسع المحلي» إلى فضاء «التصدير المنظم» فليس من المنطقى أن نتحدث عن تصدير العقار فى ظل غياب جهة رسمية واحدة تدير هذا الملف، وتربط بين التسجيل، والتوثيق، والتسويق، والتشريع. إن إنشاء جهاز يتبع رئاسة مجلس الوزراء، معنيّ حصريًا بإدارة ملف التصدير العقاري، هو فى جوهره نقلة استراتيجية تجعل من العقار مشروع دولة، لا مشروع مطور.
فكل وحدة تُباع لمستثمر أجنبى ليست فقط عائدًا بالعملة الصعبة، بل شهادة ثقة فى السوق المصري، ومؤشر على نضج البيئة الاستثمارية، وامتداد لسيادة الدولة نفسها خارج حدودها ومن هنا، يجب أن يُدار الملف بمنطق السيادة، لا بمنطق السوق فقط فالمشترى الأجنبى لا يريد فقط شقة، بل يريد عقارًا موثقًا، فى بيئة قانونية مستقرة، ومناخ اقتصادى قابل للتوقع.. ما لم يحدث ذلك، سنظل ندور فى حلقة مفرغة: توسّع عمرانى بلا تنظيم مؤسسي، وكتل خرسانية مبهرة بلا قدرة على التصدير أو التسييل.
العقار المصرى اليوم يقف بين طريقين: إما أن يظل منتجًا محليًا محدود الأفق، تديره شركات تسابق التضخم وتراهن على الطلب الداخلي، وإما أن يتحول إلى أداة استراتيجية شاملة تُدار بمنطق الدولة وتُصدَّر بمنطق السوق العالمي.

فى الخامس من يونيو
إدانة.. ولكن «2»
الذكاء الاصطناعى سفينة نوح







