رحيق الحياة

الحب الخالد

عاطف النمر
عاطف النمر


يحتفظ التاريخ بأجمل قصة ارتباط روحى بين عبقرى الموسيقى الروسى تشايكوفسكى، والسيدة الأرستقراطية «ناديجدا» المولعة بالموسيقى التى تنسيها ضجيج العالم، استمعت لموسيقاه فأحست أن روحه تناجيها، قررت أن تدعمه بما تملك من ثروة ليتفرغ للإبداع، واستمرت فى مراسلته لأكثر من 13 عامًا، تبادلا خلالها 1200 رسالة تحمل جميعها الاحترام والتقدير، والغريب العجيب أنها اشترطت ألا يلتقيا أبدًا، قالت ذلك فى رسالة تقول فيها «لا أريد أن أراك، ليس خوفًا منك، بل خوفًا على ما بيننا، إن رؤيتك قد تكسر شيئًا مقدسًا فى داخلى، وأنا لا أحتمل ذلك».

استعجب تشايكوفسكى العظيم من الشرط الصعب، لكنه لم يعترض حفاظًا على ما تخفيه عنه، كانا يعيشان فى مدن متقاربة، وأحيانًا فى شارع واحد دون أن يلتقيا، أخبرته أنها أعدت له فيللا صغيرة قرب قصرها، زودتها بكل ما يحتاجه وما يحب، فوجد نفس طراز البيانو الذى يعزف عليه، وأدويته بجوار سريره، والكتب التى يحب قراءتها، والموسيقى التى يحب سماعها، وكتبت له تقول «قربك من دون رؤيتى، يجعلنى أسعد امرأة فى هذا العالم».

وككل القصص التى تلامس الخلود توقفت رسائلها، طلبت من صهرها أن يخبر تشايكوفسكى أنها لم تعد قادرة على الكتابة فحزن حزنًا عظيمًا، وترجم حزنه فى السيمفونية السادسة التى قال النقاد عنها : «كأن الموسيقى نفسها تبكى» وبعدها أصيب بمرض غامض، وكان يردد اسمها فى لحظاته الأخيرة، فتح عينيه للحظة كأنه يبحث عنها بين الغيوم ثم أغمضهما إلى الأبد، ماتت بعده بعامين وكأن روحها رفضت أن تبقى فى عالم لا يضم من أحبته بصدق!