شيرين مرسى
لم تكن هناك حدود واضحة بين الحياة والفن فى منزلنا. لم يكن المرسم كيانًا منفصلًا، بل كان جزءًا من البيت، ونتاجه يتسلل بطبيعته إلى كل غرفة من غرف المنزل: اللوحات غطّت الجدران، والمطبوعات والرسومات زيّنت الرفوف، وأبيات الشعر المدوّنة على الصحف أو على قصاصات ورقية مهملة وجدت غايات جديدة، كانت تملأ معظم الأسطح الأفقية. كان والدي، أحمد مرسي، يعيش معظم الوقت فى عوالمه الفكرية، وكل لوحة أو قصيدة كانت بمثابة دعوة للدخول إلى فضائه الخاص. لقد شيّد عالمًا فريدًا، يتقاطع فيه الخيال بالحضور المادي، عالمًا يتقاسمه مع عائلته، إلى أن تماهى الاثنان فى بعضهما البعض. هذا العالم الخاص، الذى ابتكره لنا، أصبح هو بيتنا.
لم أنشأ فقط بين اللوحات وأنابيب الألوان والمقاطع الشعرية، بل نشأت داخلها. لم يكن المرسم غرفة محاطة بجدران؛ بل كان مساحة حيّة، كانت طفولتي، حيث قضيت أنا وأختى ساعات ما بعد المدرسة، فى انتظار عودة والدتنا من العمل. هناك تناولنا وجبات الغداء، أنجزنا واجباتنا المدرسية، وملأنا أوقات فراغنا بينما كان والدى يعمل أو يراقبنا بحب وصمت.

كان ذلك الفضاء ممتلئًا بالجمال والاحتمالات – موسيقى كلاسيكية وأوبرات، أفكار، صمت، ضحك، دفء وسخاء. كنت كثيرًا ما أرسم، وإذا لم يكن هناك ورق أبيض متاح وسط فوضى المرسم، كنت أتلقى الجهة الخلفية من لوحاته لأرسم عليها.
كنّا متساويتين فى تلك المساحة؛ وكانت رسوماتى تحظى باهتمامه الكامل. لم تكن هناك حدود: كانت أشجارنا زرقاء اليوم، وربما بنفسجية غدًا، والألوان نادرًا ما التزمت بالخطوط. فى بيتنا، لم يكن الفن مجرّد ما يفعله والدي؛ بل كان اللغة التى يتحدث بها، العدسة التى يرى بها العالم، والإيقاع الصامت الذى شكّل تفاصيل كل يوم فى حياتي.
كثيرًا ما يسألنى الناس: كيف تكون النشأة فى بيت فنان؟ وبجواره؟
ولكن بالنسبة لى، لم يكن مجرد فنان – بل كان والدي، أولًا ودائمًا. الألقاب التى أطلقها الآخرون – رسام، شاعر، مفكر – كانت تحيط به كأنها ملصقات متحفية أو أحكام نقدية محدودة، أما فى منزلنا، فكان مراقبًا هادئًا، صاحب ابتسامة معدية، بحس فكاهى ذكي، وتعاطف نادر، ورجلًا شديد الخصوصية.
كان يقضى ساعات فى المرسم، أحيانًا مستمعًا للموسيقى أو منغمسًا فى القراءة، أو يتأمل صورًا ورسومات قديمة، يلفّه الحنين بشجن حلو.
تعلّمت مبكرًا أن الإبداع لا يُفتعل ولا يُمارس كما يُروّج له فى هذا العصر؛ بالنسبة له، كان الإبداع نعمة، رحلة لا يملك فيها إلا حضوره الكامل.
كنت أراقب، وأصغي، وأمتصّ كل ما حولى – دون أن أدرك حينها إلى أى مدى كنتُ أتشكل بكل ما كان يميز بيتنا، ودون أن أعى بعد كيف سيحاول العالم الخارجى تفكيك تلك القيم، وذلك السحر.
ولا تزال المعركة قائمة، حتى بعد كل هذه السنوات، للحفاظ على المساحات المقدسة للجمال، للصمت، للابتسامات الهادئة، للتعاطف العميق، للحضور الحقيقي، وللحرية غير المحدودة فى كل ما هو فكرى وإنساني. هذا هو إرث والدى لنا، ولجميع من تأثر به، سواء عن قرب أو من خلال فنه.
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







