من الطعن إلى الحظر.. كيف غيرت مأساة مدرسية موقف فرنسا من وسائل التواصل؟

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية


حادثة طعن مأساوية في إحدى المدارس الفرنسية تعيد إشعال الجدل حول حظر وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال، حيث استغل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الحادثة لتجديد دعوته لحظر هذه المنصات على من هم دون 15 عاماً، رغم أن التحقيقات الأولية تشير إلى أن الجاني "استخدم الشبكات الاجتماعية قليلاً جداً".

اقرأ أيضا: فى فرنسا.. جماعات يسارية متطرفة تشعل الفوضى

مأساة مدرسية تعيد فتح ملف الحظر


عادت قضية حظر وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال إلى دائرة الضوء بقوة عقب مأساة وقعت يوم الثلاثاء، عندما قام طالب يبلغ من العمر 14 عاماً بقتل موظف مدرسة يبلغ من العمر 31 عاماً طعناً بالسكين. 


في مقابلة مسائية مباشرة عقب الحادثة، سارع ماكرون إلى توجيه أصابع الاتهام نحو وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكداً أن فرنسا لا تستطيع انتظار تحرك الاتحاد الأوروبي وتعهد بالمضي قدماً منفردة في الأشهر القادمة إذا لم تتحرك بروكسل بالسرعة الكافية، حسبما نقلت "بوليتيكو" عن مصادر مطلعة.


لكن الأمر المثير للجدل أن المدعي العام المحلي في قضية الطعن كشف يوم الأربعاء أن المشتبه به "استخدم الشبكات الاجتماعية قليلاً جداً" وكان بدلاً من ذلك "معجباً بألعاب الفيديو العنيفة"، مما يطرح تساؤلات حول مدى صحة ربط الحادثة بوسائل التواصل الاجتماعي. 


ورغم هذا التناقض، إلا أن الكرة كانت قد تحركت بالفعل في اتجاه إحياء النقاش حول الحظر.

استراتيجية سياسية محسوبة وسط تراجع النفوذ


كشف أحد مستشاري ماكرون السابقين لصحيفة "بوليتيكو" عن الدوافع الحقيقية وراء هذا التوجه، مؤكداً أن طرح هذا الاقتراح "طريقة لإعطاء انطباع بأنه المسؤول". 


وأوضح المستشار، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، أنه إذا فشلت جهود ماكرون، يمكنه ببساطة إلقاء اللوم على البرلمان، وإذا نجحت، فيمكن للرئيس الفرنسي أن يدعي "القدرة على وضع الأجندة السياسية حول القضايا التي تتجاوز السياسات الحزبية".


هذا التوجه يأتي في ظل تراجع نفوذ ماكرون المحلي عقب الانتخابات المفاجئة الكارثية التي أدت إلى برلمان معلق، حيث تعتبر التكنولوجيا من المجالات القليلة التي لا يزال يمارس فيها نفوذاً يتجاوز ما كان لأسلافه، نظراً لجهوده في تحويل فرنسا إلى ما أطلق عليه "دولة الشركات الناشئة"، كما حلل تقرير "بوليتيكو".

شعبية جماهيرية تدعم التوجه الرئاسي


يستند ماكرون في حملته إلى شعبية واسعة لفكرة الحظر بين الفرنسيين، حيث كشف استطلاع أجرته مؤسسة "هاريس إنتراكتيف" العام الماضي أن 73% من الفرنسيين يؤيدون حد العمر لوسائل التواصل الاجتماعي. 
كما تدعم الأبحاث العلمية هذا التوجه، إذ تشير إلى أن الأطفال لا يجب أن يقضوا وقتاً مفرطاً أمام الشاشات، مما يوفر غطاءً علمياً واجتماعياً لمبادرة الرئيس الفرنسي.

انتقادات قطاع التكنولوجيا للنهج الانعكاسي


لكن داخل أروقة شركات التكنولوجيا الكبرى، هناك إحباط متزايد مما وصفه أحد ممثلي الصناعة لصحيفة "بوليتيكو" بأنه "رد فعل انعكاسي" من ماكرون لإلقاء اللوم على وسائل التواصل الاجتماعي كلما تحولت حركات الاحتجاج إلى العنف.


وأشار الممثل إلى أن هذا النمط تكرر خلال احتجاجات السترات الصفراء في 2018 والشغب الذي أعقب مقتل مراهق على يد ضابط شرطة خارج باريس قبل عامين.


وانتقد ممثل الصناعة ماكرون قائلاً: "إنه يغرس السرد القائل بأن العنف يأتي من المنصات"، مضيفاً بنبرة ساخرة: "بالنسبة للرئيس، لا توجد مشاكل في المجتمع؛ كل شيء تفاقمه الشبكات الاجتماعية".

تاريخ من الوعود المتكررة والعقبات التقنية


ليس هذا أول ظهور لهذه الفكرة، إذ ظل ماكرون يروج لحدود عمرية لوسائل التواصل الاجتماعي والشاشات منذ بداية فترة ولايته الثانية. 


وشهد عام 2023 تمرير قانون يحد من استخدام هذه المنصات لمن هم دون 15 عاماً، لكن دون دعم صريح من قصر الإليزيه، قبل أن يدخل القانون في طور الجمود بسبب التعقيدات التقنية المرتبطة بالتحقق من العمر ودخوله في صراع مع القانون الأوروبي، وخاصة قانون الخدمات الرقمية.


كما أن لجنة خبراء نظمها الإليزيه أوصت رسمياً في أبريل 2024 بحد العمر 15 عاماً لوسائل التواصل الاجتماعي، وفي يونيو من نفس العام تعهد ماكرون بوضعها موضع التنفيذ، لكنه فقد أغلبيته البرلمانية بعد ذلك.

تساؤلات حول الجدية والتنفيذ


رغم الإلحاح الذي عبر عنه ماكرون يوم الثلاثاء، فإن قلة هم من يتوقعون إجراءات فورية. 


وفي هذا السياق، قال محامٍ من "مؤسسة الطفولة"، وهي منظمة غير حكومية فرنسية تدافع عن حقوق الأطفال، لصحيفة "بوليتيكو" إن فريق ماكرون غالباً ما ينتهي بـ"إعلانات بدلاً من إجراءات ملموسة".


ومع ذلك، كشف مستشار وزاري لـ"بوليتيكو" أن مكتب ماكرون نظم بالفعل عدة اجتماعات للأسابيع والأشهر القادمة للمضي قدماً بسرعة في تقييد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ووقت الشاشة للأطفال الفرنسيين، مما يشير إلى جدية النوايا هذه المرة أكثر من المرات السابقة.