يواصل الشيخ الشعراوى خواطره حول الآية 254 من سورة البقرة : «ياأيها الذين آمنوا أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم» بقوله: أى أنا لا أطلب منكم أن تنفقوا علي، ولكن أنفقوا من رزقى عليكم؛ لأن الرزق يأتى من حركة الإنسان، وحركة الإنسان تحتاج طاقة تتحرك فى شيء أو مادة، وهذه الحركة تأتى على ترتيب فكر، وهذا الفكر رتبه من خلقه، والجوارح التى تنفعل، واليد التى تتحرك، والرِّجل التى تمشى خلقها الله، والمادة التى تفعل بها مخلوقة لله. وسنأخذ الزارع نموذجا، نجد أن الأرض التى فيها العناصر مخلوقة لله، إذن فالإنسان يعمل بالعقل الذى خلقه الله، ويخطط بالجوارح التى خلقها الله لتأتى له بالطاقة التى يعمل بها فى المادة التى خلقها الله لتعطى للإنسان خيرها. . فأى شيء للإنسان إذن؟
ومع ذلك إن حصل للإنسان خير من هذا كله فهو سبحانه لا يقول: «إنه لي» بل أمنحه لك أيها الإنسان، ولكن أعطنى حقى فيه، وحقى لن آخذه لى ولكن هو لأخيك المسكين، والحق يقول: «مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ» «الذاريات: ٥٧».. وإياك أن تقول: ما دخلى أنا بالمسكين؟ عليك أن تعلم أنّ المسكنة عَرَض، والعرض من الممكن أن يلحق بك أنت.فلا تُقدِّر أنك معطٍ دائما، ولكن قدر أنك ربما حدث لك ما يجعلك تأخذ لاَ أنْ تعطي. الحق يقول لك: أعط المسكين وأنت غني؛ لأنه سبحانه سيقول للناس: أن يعطوك وأنت فقير، فقدِّر حكم الله ساعة يُطلب منك، ليحميك ساعة أن يُطلب لك، وبذلك تتوازن المسألة.
ومع أنه سبحانه هو الذى يرزق، فهو يريد منكم أيها العباد أن تتعاونوا وأن يحب بعضكم بعضا، حتى تُمحى الضغائن من قلوبكم؛ لأن الإنسان الضعيف ضعفا طبيعيًا وليس ضعف التسول أو الكسل أو الاحتراف، بل ضعف عدم القدرة على العمل هو مسئولية المؤمنين، فسبحانه وتعالى يجعل القوى مسئولا أن يساعدك وأنت ضعيف.. وأنت حين ترى وأنت ضعيف لا تقدر الأقوياء الذين قدروا لم ينسوك، وذكروك بما عندهم، عندئذ تعلم أنك فى بيئة متساندة تحب لك الخير، فإن رأيت نعمة تنالك إن عجزت فأنت لا تحسدها أبدًا، ولا تحقد على معطيها، بل تتمنى من حلاوة وقعها فى نفسك لأنها جاءتك عن حاجة تتمنى لو أن الله قدرك لتردها، فيكون المجتمع مجتمعًا متكافلًا متضامنًا.
فحين يقول الله تعالى: «أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم» فأنتم لا تتبرعون لذات الله بل تنفقون مما رزقكم، ومن فضل الله عليكم أنه احترم أثر عملكم ونسبه لكم حتى وإن احتاج أخوك، فهو سبحانه يقول: «مَّن ذَا الذى يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً والله يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» «البقرة: ٢٤٥».
إن الحق سبحانه قد اعتبر النفقة فى سبيل الله هى قرض من العبد للرب الخالق الوهاب لكل رزق. وحتى نفهم معنى النفقة أقول: قد قلنا من قبل: إن الكلمة مأخوذة من مادة «النون والفاء والقاف»، ويقال: نفقت السوق أى انتهت بسرعة وتم تبادل البضائع فيها بالأثمان المقررة لها، ونحن نعرف أن التجارة تعنى مقايضة بين سلع وأثمان.
والسلعة هى ما يستفاد بها مباشرة. والثمن ما لا يستفاد به مباشرة.فعندما تكون جائعا أيغنيك أن يكون عندك جبل من ذهب؟ إن هذا الجبل من الذهب أنت لا تستفيد منه مباشرة، أما فائدتك من رغيف الخبز فهى استفادة مباشرة، وكذلك كوب الماء الممتلئ، تستفيد منه مباشرة، والملابس التى ترتديها أنت تستفيد منها مباشرة. إذن فالذى يستفاد منه مباشرة اسمه سلعة، والذى لا يستفاد منه مباشرة نسميه ثمنًا.
تقـاليـع زمـن التـرنـد| العلماء: ليس كل مشهور قدوة.. والوعى ضرورة لحماية الشباب
سماعات الغش.. محرمة شرعًا وبيعها إعانة على الإثم
جدل كلاب الشوارع| كريمة: مقاصد الشرع تجمع بين دفع الضرر والرفق بالمخلوقات






