فى تاريخنا المعاصر شخصيات مهمة ترتبط بأحداث كبيرة تجعل اسم صاحبها فى بؤرة الحدث ذاته، فبعد أحداث 23 يوليو 1952 وتوقيع الملك فاروق الأول على وثيقة التنازل عن عرش مصر لصالح ابنه الأمير أحمد فؤاد، تحددت الساعة السادسة يوم ٢٦ يوليو كموعد لمغادرة الملك وأسرته إلى خارج البلاد على يخت «محروسة»، وطلب الملك شخصياً أن يقوم الأميرالاى جلال علوبة بقيادة اليخت لثقته التامة به، ووافق قادة حركة الجيش المباركة على طلب الملك لثقتهم بالأميرالاى جلال علوبة الذى تلقى التكليف من اللواء محمد نجيب فطلب أن ترافق اليخت سفينتان حربيتان للحراسة وفقاً للتقاليد البحرية المعمول بها فى حال سفر الملك فى مهمة رسمية، خاصة وإنه سيكون على اليخت الملك الجديد أحمد فؤاد الثانى، وترجع الأهمية لأسم الأميرلاى جلال علوبة إلى إنه الشخص الموثوق فيه من الملك المنفى فاروق وقادة حركة الجيش المباركة الذين كلفوه بالسفر بالملك لمنفاه والعودة بيخت «محروسة» مرة أخرى لأرض الوطن، فكان الكابتن الذى خرج بفاروق وأسرته لآخر مرة من مصر.
اقرأ أيضًا| فلسطين تحتفل بالعيد وسط الركام
ولهذا نضيء للأميرالاى جلال علوبة الشمعة 115 لأنه من مواليد ٣ يونيو عام 1910 فى أسرة صعيدية تنتمى لقرية جهينة بمديرية أسيوط، ووالده محمد على باشا علوبه كان عضواً بارزاً فى حزب الوفد برئاسة سعد باشا زغلول، وتقلد والده منصب وزير الأوقاف.
بدأت رحلة الأميرالاى جلال علوبة مع البحر عام ١٩٢٢، حينما أرسل فى بعثه دراسية إلى إنجلترا لدراسة علوم وفنون البحرية، وكان عمره وقتها لا يتجاوز الثانية عشرة حسب اشتراطات الحكومة المصرية لمن يتم اختيارهم للبعثة، واستطاع أن يقنع والده بالسماح له بالسفر ضمن العشرة الذين تم قبولهم، والذين أصبحوا الرعيل الأول للبحرية المصرية، وعند انتهاء الفترة الدراسية لطلاب البعثة طلبت الحكومة تدريبهم على سفن الأسطول التجارى لاكتساب الخبرة البحرية، واستمرت فترة التدريب ثلاث سنوات قررت بعدها الحكومة إلحاق طلاب البعثة بإحدى الكليات البحرية العسكرية ليتم تدريبهم على الأسلحة البحرية، وعاد جلال علوبة مع بقية طلاب البعثة إلى مصر ليبدأ مشواره البحرى وهو لا يعلم ما تخبئه له الأقدار.
تم تعيينه ضابطاً على السفينة «نفتس» التابعة لمصلحة خفر السواحل التى تقوم بنقل وتموين قوة الجيش المتمركزة فى السلوم، ولم يكن علوبة راضياً بالعمل على هذه السفينة ويرغب العمل على السفن الضخمة الحديثة التى يستطيع من خلالها تطبيق ما درسه فى الخارج، فحصل على إجازة من خفر السواحل للعمل على إحدى السفن العالمية لحصوله على شهادة تسمح له بالعمل على السفن التجارية، وقطع الإجازة وعاد لمصلحة خفر السواحل لمكافحة تهريب المخدرات لداخل البلاد، والتحق بدورة دراسية لتعيينه قائداً ثانياً للطوافة «الأمير فاروق» التى تكافح تهريب المخدرات، وذات يوم شاهد اليخت الملكى «محروسة» تسحبه خمس لنشات ما جعله يتساءل عن كفاءة قائد اليخت وضباطه الذين يلجأون إلى جره بخمس قاطرات بدلاً من استخدام ماكينات اليخت الذاتية، فقام بإرسال خطاب إلى أحمد حسنين باشا رئيس الديوان الملكى الذى كان يعرفه شخصياً بما رآه وملحوظاته على ذلك من واقع ما درسه فى الخارج، وبعد أيام فوجئ جلال علوبة بترشيحه ضمن ثلاثة ضباط للعمل على اليخت «محروسة» ورقى لرتبة «رائد».
وحدث اللقاء الأول بين الملك فاروق وجلال علوبة، عندما كان الأخير ضابطاً مناوباً على اليخت الملكى « قاصد خير» الذى كان يعمل فى النيل ونقل لقيادته جلال علوبة عندما تم إرسال اليخت «محروسة» من الإسكندرية للإسماعيلية أثناء الحرب العالمية الثانية خوفاً عليه من القنابل الإيطالية والألمانية على الإسكندرية، وفى ذلك اليوم وقفت سيارة سوداء أمام المرسى ونزل منها الملك والملكة فريدة التى ارتبطت بصداقة مع زوجة جلال علوبة، وتنقل جلال علوبة ما بين اليخت النيلى واليخت البحرى أتاح له رؤية الملك كثيراً فى فصل الصيف، وبعد فترة تم تعيين جلال علوبة قائداً ثانياً لليخت الملكى «محروسة»، وقد بدأ التقارب بين جلال علوبة وجلالة الملك فاروق عندما صدرت الأوامر بتجهيز اليخت الملكى «فخر البحار» للقيام برحلة ملكية إلى جزيرة قبرص، وكان الملك يزور اليخت ويوجه أسئلته عن تجهيزاته، وكان جلال علوبة يجيب جلالته بإجابات وافية جعلته مع الوقت موضع ثقة الملك الذى كان يدعوه إلى السباحة معه من اليخت حتى منطقة الرملة البيضاء عند ملتقى حاجز ميناء الإسكندرية الغربى بمنطقة رأس التين بجوار الفنار.
اقرأ أيضًا| عيد سعيد مع خراف نجوم الزمن الجميل
ومما يذكر أن الملك فاروق المنفى من مصر حاول أن يقنع الأميرالاى جلال علوبة بالبقاء معه فى منفاه عند توصيله باليخت «محروسة»، إلا أنه اعتذر للملك لإحساسه بالمسئوليه تجاه وطنه، والتزامه تجاه أسرته، وعرض الملك عليه مليون جنيه فى حال البقاء معه، لكن العرض لم يكن له تأثير على قرار الأميرالاى جلال علوبة المكلف من القيادة الجديدة لحركة الضباط فى 23 يوليو 1952 التى وثقت فيه، وبوصول الملك لمنفاه انتهت العلاقة مع الأميرالاى جلال علوبة الذى تلقى أمراً بعد عودته ينص على قيامه بإجازة إجبارية، وبعدها بثلاثة شهور صدرت النشرة العسكرية التى أحيل فيها إلى التقاعد، وقد توفى فى 18 مايو ١٩٩٩ بالإسكندرية ودفن بمدافن بالقاهرة، رحم الله أمير البحار جلال بك علوبة قائد اليخوت الملكية وياور الملك السابق فاروق.
حكاية الأميرة نـازلى صاحبة أول صالون ثقافى فى مصر
فى عام 1853 جاءت إلى الدنيا الأميرة نازلى فاضل ابنة الأمير مصطفى فاضل باشا ابن الوالى إبراهيم باشا ابن الوالى محمد على باشا مؤسس مصر الحديثة والأسرة العلوية، ليكتب القدر فيما بعد أن تكون الأميرة هى أول صاحبة صالون ثقافى فى مصر كان يسعى إليه كبار المفكرين والأدباء والعلماء والشخصيات العامة المرموقة فى ذلك الوقت، وقبل أن نتطرق لتفاصيل صالونها الثقافى لابد أن نعرف ما مر بحياتها من تقلبات قدرية غريبة.

قلنا انها ابنة الأمير مصطفى بهجت فاضل ابن إبراهيم باشا، وأمها هى «دل زاد هانم»، ووالدها الأمير مصطفى هو الأخ غير الشقيق للخديو إسماعيل باشا، وكان كلاهما يحمل العداوة والبغضاء للآخر لأن إسماعيل استأثر بالعرش، وجعل انتقال العرش بالوراثة حتى يؤول لأبنائه من بعده، فقرر أخوه مصطفى فاضل أن يغادر مصر بأسرته للإقامة الدائمة فى الخارج ما بين الأستانة وأوروبا، وأثر ذلك على حياة الأميرة التى كانت فى الثالثة عشرة من عمرها، فاحتفظت بالعادات الشرقية من إقامتها فى مصر والعادات التى اكتسبتها من إقامتها لفترة فى الأستانة، وامتزجت فى داخلها العادات الشرقية بالثقافة الغربية التى نهلت منها فى تلك المرحلة عندما عادت للإقامة فى باريس مع زوجها خليل باشا شريف وزير خارجية الدولة العليا الذى كان سفيراً للدولة العثمانية فى باريس.
واختلفت المراجع فى سبب انفصالها عن زوجها، المهم أنها عادت من باريس لمصر فور الانفصال، كانت سيدة مثقفة ثقافة واسعة الاطلاع وتجيد العربية والتركية والإنجليزية والفرنسية بطلاقة وتتحدث الإيطالية والألمانية أيضاً، وحبها لمصر كان يحركها دوماً، فقررت أن تنقل كل ما تعلمته إلى مصر المحروسة، وأقامت أول صالون ثقافى فى تاريخ مصر المعاصر بقصرها الذى كان يقع خلف قصر عابدين فى شارع كان يسمى بشارع «لا كامبانى»، واستقطب هذا الصالون الفكرى صفوة المفكرين فكان من رواده الشيخ جمال الدين الأفغانى والشيخ محمد عبده وسعد زعلول باشا، وقاسم أمين وغيرهم، ولم يقتصر دور الأميرة على إقامة الصالون والمشاركة فى فعالياته، بل وضح تأثيرها فى التطور الفكرى لرواده مع ما لهم من ثقل ثقافى وثراء ذهنى واسع، فأصبح لها دور فى حياة الامام محمد عبده الذى حثته على ضرورة دراسة اللغة الفرنسية وآدابها دراسة متعمقة.
اقرأ أيضًا| كنوز| استقبال رسمى وشعبى لعميد الأدب العربى فى الحج
وقدم لها الإمام محمد عبده اثنين من تلاميذه هما سعد باشا زغلول الذى توثقت صلتها به فعينته محايا لها، وهى التى رشحته للزواج من صفية هانم ابنة مصطفى باشا فهمى رئيس الوزراء آنذاك، وقدم الإمام محمد عبده للأميرة تلميذه الثانى قاسم أمين الذى بهر بشخصية الأميرة المصرية المثقفة المستنيرة، وحرص على حضور صالونها الثقافى بانتظام، ولم يكن الصالون منبراً ثقافياً فحسب، لأنه اتسع ليكون جبهة فكرية تفند مزاعم المستشرقين الذين دأبوا فى ذلك الوقت نشر الكتب التى تنال من مصر وتهاجم شعبها وتصوره بمجتمع جاهل متخلف، ومن أهم الكتب التى تصدى لها صالون الأميرة نازلى «سر تأخر المصريين» الذى كتبه قاضٍ فرنسى يدعى «داركور»، فشجعت الأميرة قاسم أمين للرد على هذه الافتراءات بأسلوب عصرى يفهمه الغرب بالحجة والمنطق والتوثيق الحقيقى للأحداث التى يتناولها، وبالفعل صدر لقاسم أمين فى عام 1894 كتاب «المصريون» الذى انفقت الأميرة نازلى على طباعته وترجمته وتوزيعه، فعلاً كان فى مصر وقتها من يحب مصر وحضارتها ويجل تاريخها وعظمتها ومن المحبين الأميرة نازلى فاضل صاحبة أول صالون ثقافى فى مصر.
من كتاب «مصر المحروسة»
السينما تنقذ جميلة الجميلات من السجن !
حادثتان لا أنساهما أبداً، التقيت بالموت فى إحداهما وأنقذنى منه الحظ وحده، وفى الثانية أنقذنى النسيان من قبضة البوليس ومتاعب السجن، كنا نسكن فى شبرا، وعلى مقربة منا أسرة صديقة لى، كنا نتزاور كثيراً.

وفى كل مرة زرت فيها صديقتى أحس بقلق غامض ورهبة وخوف، ولكنى لم ألتفت أبداً إلى هذه الإحساسات إلا فى هذا اليوم، كانت الأسرة تقطن منزلاً قديماً، تحيط به حديقة كبيرة، وعندما تنظر إلى المنزل تتأكد أنه من مخلفات العصور القديمة، وأفراد الأسرة - ما شاء الله - يكونون مدينة كبيرة، وفى المرات العديدة لزياراتى كنت أجد بعضهم فى البيت دائماً، ومع ذلك خرجوا جميعاً فى هذه المرة، وكأنما كان القدر يدير الأمر لى ولصديقتى فقط، اجتزت باب البيت القديم، تضاربت مشاعرى كالعادة، وكتمت مخاوفى وسرت إلى الداخل، وصل لسمعی صوت آهة متألمة ثم تعالت الآهات وعرفت فيها صوت صديقتى وسررت لأننى كنت أعلم أنها تنتظر حادثاً سعيداً، أسرعت إليها فوجدتها تتلوى من آلام الوضع فأخذت أشجعها، وبعد فترة أبدت الصديقة رغبتها فى أن تتناول مشروباً ساخناً فقمت إلى المطبخ ألبى رغبتها، فتعالى صوتها وأنا فى المطبخ فقد فقدت قدرتها على تحمل الآلام، فأسرعت إلى الخارج لاستدعاء طبيب يشرف على عملية الولادة، عدت من العيادة فوجدت شيئاً غريباً، كان الناس يتكاثرون على البيت ويتصايحون وهم يروون مأساة، سألت صديقتى فقالت إن ما حدث فى بيت قريب، ولما أعدت السؤال عما جرى قالوا إن جانباً من البيت يحتوى على المطبخ وبعض الحجرات قد تهدم وذهلت فلو أننى تأخرت فى المطبخ لحظات لكنت الآن تحت الأنقاض!.
والحادثة الثانية وقعت عندما كنت على موعد مع صديقة متزوجة من محامٍ لمشاهدة فيلم سينمائى أعجبنا إعلانه، وكان موعدنا فى الخامسة مساء، وفى نفس اليوم التقيت بعض صديقاتى الأخريات وجلسنا نتجاذب الحديث عن السينما والأفلام والموسيقى، فاقترحت إحداهن أن نذهب لمشاهدة فيلم أخذت تعدد فى محاسنه من حيث القصة والتمثيل، ووافقت مع بقية الصديقات، ونسيت وقتها أننى على موعد مع صديقتى وزوجها المحامى، توجهت مع صديقاتى للسينما ودخلنا دار العرض وكانت زميلة تتحدث عن الاضطرابات السياسية التى سيطرت على البلاد فى هذا الوقت، عندها تذكرت صديقتى التى نسيت موعدى معها لأن زوجها المحامى الشاب كان يعتنق بعض المبادئ التى تناهض سياسة الحكومة وكان له نشاط معروف أو هكذا كانوا يتهمونه، فأستأذنت من زميلاتى فى السينما واتجهت مسرعة إلى حيث تقطن صديقتى مع زوجها فوجدت الخادمة تبكى وجندى البوليس يمنع الناس من دخول البيت واستطعت أن أعرف من الخادمة التى كانت شهقات بكائها متلاحقة أن البوليس فتش شقة صديقتى وقاد كل من كان فى بيت المحامى إلى قسم البوليس، ورنت فى أذنى كلمات الخادمة التى أكدت على القبض على كل من كان داخل الشقة، ولو كنت ذهبت لصديقتى وزوجها المحامى فى الموعد لكنت أنا الأخرى فى طريقى إلى السجن، لكن الله سلم.
ليلى فوزى «الكواكب» 3 يونيو 1958
حلاق القرية
بقلم: إبراهيم عبد القادر المازنى
وقعت لى هذه الحادثة فى الريف منذ سنوات، وكنت الجانى على نفسى فيها، فقد عرض عليَّ مضيفى أن أستعمل موساه فأبيت، وقلت «ما دام للقرية حلاق فأتنى به»، فحذَّرنى مضيفى لكننى ركبت رأسى وأصررت أن يجيء الحلاق، الذى جاء بعد ساعات بما ظننته «مخلاة شعير»، شرع يحيينى ويحادثنى حتى شككت فى أمره واعتقدت أن الحلاق شخص آخر، وأن هذا الجالس أمامى ليس سوى طلائعه، سألته عن حلاق القرية، فابتسم ومشَّط لحيته بكفِّه وأنبأنى أنه الحلاق، فلعنته فى سرى وسألته متى ينوى أن يحلق لى لحيتى؟، أولانى صدغًا كث الشعر وقال «هيَّا» فظننته أصم وصحت به «أريد أن أﺣﻟﻖ»، فسرَّه صياحى وضحك، وأقبل على مخلاته فأخرج منها مقصًّا كبيرًا جدًّا، فدنوتُ من أذنه وسألته «هل فى القرية فيل؟».

فقال «فيل؟ لماذا؟» فأشرت إلى المقص، فضحك وقال «هذا مقص حمير ولا مؤاخذة»، فقلت «ولماذا تجيئنى بمقص الحمير؟ أحِمارًا ترانى؟»، ويظهر أن معاشرة الحمير بلَّدت إحساسه فلم يعتذر لى ولا عبئ بسؤالى، ثم أخرج موسى من طراز المقص و«مكنة» من هذا القبيل، فعجبت له لماذا يجيء إليَّ بكل أدوات الحمير؟ وسألته عن ذلك فقال «إن الله مع الصابرين»، وبعد أن أفرغ مخلاته كلها انتقى أصغر الأدوات، وأصغرها أكبر ما رأيت فى حياتى، ثم أقبل عليَّ وقال «تفضل».
قلت «ماذا تعنى؟»، قال «اجلس على الأرض»، قلت «لماذا؟»، قال «ألا تريد أن تحلق؟»، قلت «ألا يمكن أن أحلق وأنا قاعد على الكرسى؟»، قال «وأنا؟»، قلت فى سرى «أنت تذهب إلى جهنم وبئس المصير»، وهبطت إلى الأرض كما أمر، ففتح موسى كالمِبرَد، فقلت «إن وجهى ليس حديدًا يا هذا»، فقال «لا تخف إن شاء الله»، ولكنى خفت بإذن الله ولا سيما حين شرع يقول «باسم الله، الله أكبر»، كأنما كنت خروفًا.
أخذ يبصق فى كفه ويشحذ الموسى على بطن راحته، ثم جذب رأسى، فذعرتُ ونفرتُ ووليتُ هاربًا إلى أقصى الغرفة، فقال «ماذا ؟»، قلت «أتريد أن تحلق لى بمِبرد، ومن غير صابون؟»، قال «ماذا يخيفك؟»، قلت «لقد دعوتك لتحلق لى لحيتى لا لتَبرُد لى شعرها»، قال «يا فندى لا تخف».
أسلمت أمرى لله وعدتُ فقعدت أمامه، فنهض على ركبتيه وتناول رأسى بين كفيه وأمال صدغى إليه، ثم وضع ركبته على فخذى ولفَّ ذراعه حول عنقى، فصار فمى مدفونًا فى صدره فصِحتُ أو على الأصح جاهدت لعل أحدًا يسمعنى فينجدنى، غير أن طيات ثوبه كانت فى فمى، أما رائحة الثوب فقد أفقدتنى الوعى!.
وهوى الرجل بموساه على وجهى فسلخ قطعة من جلدى فردنى الألم إلى الحياة، وواتتنى القوة الكافية للصراخ على الرغم من الكمامة، ووثبت أريد الباب، لكنه كان على كبر سنه أسرع منى، والمران علَّمه أن يكون يقظًا لمثل هذه المحاورات، فردَّنى بقوة ساعده فتشهدتُ وتذكرتُ قول المتنبى «وإذا لم يكن من الموت بدٌّ فمن العجز أن تموت جبانَا».
كلَّا سأسدل الستارَ على هذا المنظر الذى يقشعر منه جلدى على الرغم من كر السنين الطويلة، ثم جاء هذا السفَّاح بطشتٍ يغرق فيه كبش، ووضعه تحت ذقنى وصب ماءه على وجهى وفى صدرى وعلى ظهرى، ليغسل الدم الزكى الذى أراقه، وأخرج من مخلاته «منشفة» أشبه بممسحة الأرض، فأخرجت منديلى وسبقته به إلى وجهى، فهى معركة لا تزال بجِلدى منها ندوب وآثار.
من كتاب «صندوق الدنيا»

كنوز| حكايات سيدة الشاشة مع عملاق الصحافة فى ذكرى ميلادها الـ 95
كنوز| مستقبل مصر فى عقلها
كنوز| قصة «ثومة» مع الشريف فى «مسامرات الجيب» !







