علاء الدين حافظ يكتب: جمال حمدان والأمن القومي المصري 

علاء الدين حافظ يكتب: جمال حمدان والأمن القومي المصري 
علاء الدين حافظ يكتب: جمال حمدان والأمن القومي المصري 


في خضم الأحداث التي يشهدها الشرق الأوسط، لم تحظَ بعض التصريحات الصادرة عن الدولة المصرية بالاهتمام الكافي. من بين تلك التصريحات، ما صدر عن مسؤولين بشأن رفض مصر وجود أي دول أو قوى في البحر الأحمر بخلاف الدول المشاطئة. في اعتقادي، يندرج هذا التصريح ضمن أهم محددات الأمن القومي المصري، بقدر ما تمتد الذاكرة من سنين، لاسيما وأنه تزامن مع دخول لاعبين جدد إلى منطقة البحر الأحمر، على نحو يهدد سلامة الملاحة في قناة السويس، التي تُعد رافدًا رئيسيًا للاقتصاد المصري.
قبل عقود، نحت المؤرخ المصري جمال حمدان تعريفًا غير تقليدي للأمن القومي، مؤكدًا أنه لا يقف عند تخوم الجغرافيا السياسية، بل يمتد ليتداخل مع مفاهيم الحضارة، والمكان، والوظيفة، والدور. ما يعني أن الأمن القومي لا يُقاس بطول السياج الحدودي، بل بمدى السيطرة على المحيط الحيوي خارج هذه الحدود. وفي كتابه الأشهر شخصية مصر، اعتبر حمدان مصر «دولة حافة» لا تنفصل عن محيطها الإفريقي والعربي والبحري، وأن عبقريتها تكمن في موقعها الجغرافي، الذي فرض عليها قدرًا من الانفتاح الأمني والاستراتيجي. 
هذا ما استوعبته جيدًا مصر، التي كسرت حالة الانغلاق السياسي التي اختزلت الأمن القومي في الدفاع عن العاصمة، وحماية الحدود الصماء، لأن التهديدات تبدأ من نقاط أبعد بكثير.
🔳🔳🔳🔳🔳🔳

من يتأمل خرائط التهديد التي واجهتها مصر تاريخيًا، يدرك أن أغلبها لم يأتِ من الداخل، بل عبر حدود رخوة تُركت دون اهتمام. كلها شواهد على أن مصر لا تُهاجَم من القاهرة، بل من تخومها البعيدة. الأمن القومي لا يُفهم دون إدراك الدور المحوري لقناة السويس في المعادلة الجيوسياسية لمصر. هذا الشريان البحري ليس فقط مصدر دخل سنوي، بل معبر استراتيجي يتحكم في جزء كبير من حركة التجارة والطاقة في العالم. ومن ثم، فإن تأمين القناة لا يعني فقط تأمين ضفتيها، بل تأمين البحر الأحمر بأكمله.
لم يبالغ جمال حمدان حين قال: «قناة السويس جعلت من مصر ممرًا إجباريًا للتاريخ»، لكن هذا الممر لا يُحمى بالقوة العسكرية وحدها، بل بتحقيق الاستقرار السياسي والأمني في مختلف المحيط المؤثر عليه، بدءًا من السودان جنوبًا وحتى اليمن شرقًا. فكل اضطراب في هذه الرقعة الجغرافية يهدد بشكل مباشر أو غير مباشر حرية الملاحة في القناة، وبالتالي أمن مصر الاقتصادي.
من يتتبع تحولات السياسة المصرية في العقد الأخير، يدرك أن القاهرة تنبهت إلى حجم مخاطر محاولات تقويض الدور المصري في محيطها الحيوي. والمفارقة الأبلغ دلالة أن مصر، التي طالما سعى خصومها إلى أن تكون دولة «كبيرة الحجم، خفيفة الوزن» على حد تعبير هنري كيسنجر في مذكراته، لم تعد تقبل بهذا القيد الاستراتيجي الذي أُريد لها أن تذوب فيه كما تذوب الإسفنجة في الماء، دون مقاومة أو تأثير.
كيسنجر، الذي يُلقب بـ«ثعلب الدبلوماسية الأميركية» لم يكن يتحدث من فراغ حين رسم صورة لدولة يُراد لها أن تبدو «كبيرة على الخريطة، لكنها بلا أثر حقيقي في معادلات القوة». كان ذلك جزءًا من منظومة تفكير سادت في العقود التي أعقبت توقيع اتفاقيات كامب ديفيد، حيث تم تفكيك شبكة التأثير المصري في إفريقيا، وتهميش دورها في الصراعات الإقليمية، وحصرها في إطار داخلي ضيق لا يتجاوز حدود النيل أو سواحل المتوسط.
🔳🔳🔳🔳🔳🔳

لكن مصر  في السنوات الأخيرة، أدركت أن الانكفاء عن المجال الحيوي لا يمثل فقط إضعافًا للدور المصري، بل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي بمفهومه الواسع، الذي لا يُقاس بعدد الكيلومترات من الحدود، بل باتساع دوائر المصالح والنفوذ. وعليه، بدأت القاهرة في إعادة رسم خرائط أمنها القومي، ليس على الورق، بل في الميدان وعلى الأرض، بخطوط حمراء لا تقبل الاختراق، بدءًا من ليبيا، مرورًا بالبحر الأحمر، ووصولًا إلى القرن الإفريقي، قلب إفريقيا النابض، حيث أسرار توازنات المستقبل.
هذه التحركات لم تكن انعكاسًا لردّ فعل مؤقت، بل تعبيرًا عن فهم عميق بأن ما يحدث في محيطنا لا يبقى بعيد الصدى، بل يطرق أبوابنا عاجلًا أم آجلًا. ومن هنا، جاء التحول في السياسة المصرية، التي لم تعد تكتفي بردود الأفعال، بل تبنّت نهجًا استباقيًا يستند إلى عمق العلاقات الدولية، وتعدد الأصدقاء، وتنوع أدوات الضغط والتأثير.
في هذا السياق، لا يمكن إغفال التحول الملحوظ في اتجاه البوصلة المصرية شرقًا، نحو موسكو وبكين، في لحظة دولية شديدة الاضطراب، تتراجع فيها الثقة في مواقف الحلفاء التقليديين. وبينما تعيد روسيا والصين صياغة أدوارهما العالمية، رأت القاهرة في تلك الشراكات فرصة لكسر أحادية الاعتماد على الغرب، وبناء شبكة أمان دبلوماسية واقتصادية، تمنحها هامش مناورة أكبر في الملفات الإقليمية الحساسة.
ولا يمكن التعاطي مع ذلك دون استدعاء ما قاله جمال حمدان: إن مصر هي «الواسطة الجغرافية بين ثلاث قارات، والمفتاح الطبيعي للقارة السوداء»، مؤكدًا أن «الأمن القومي لمصر لا يمكن فصله عن محيطها الحيوي في إفريقيا». ما كان ينبه إليه حمدان في سبعينيات القرن الماضي أصبح اليوم ضرورة وجودية، بعد أن أدركت الدولة المصرية أن من يريد الحفاظ على سيادته، يجب أن يمدّ ظله في اتجاه الشمس لا في عكسها، وأن زمن إدارة المصالح من وراء الأبواب المغلقة قد ولّى، لتحل محله معادلة جديدة قائمة على الشفافية، والمبادرة، والوضوح في إعلان الخطوط الحمراء.
🔳🔳🔳🔳🔳🔳

بيت القصيد.. الأمن القومي لا يُرسم داخل الخرائط، بل خارجها. يتوجب ألا نحمي مصر من شرفة العاصمة، بل من قلب القارة السمراء، وسهول ليبيا، وموانئ البحر الأحمر. الخطر لا يطرق أبوابنا فجأة، بل يسكن الهوامش المهملة. فلا أمن لقناة السويس إن فقدنا إفريقيا، ولا سيادة لنا إن نسينا أين تبدأ حدودنا الحقيقية