الغربى عمران
يجد القارئ نفسه فى حيرة، وهو يقرأ نصوص الأديب هانى منسى «قرموط الست»، الصادرة عن دار روافد القاهرة، 2025 ، 120 صفحة، توزعتها 17 نصًا سرديًا، جاء أطولها فى 15 صفحة يليها 8 صفحات وأقصرها سطر واحد.
صنف الإصدار على غلافه قصص، وبالفعل إن أردنا قراءتها فسنجد كل نص قصصى قائماً بذاته، فى الوقت الذى يمكن قراءتها كمتوالية لها صلات موضعية ببعضها، إذ تشترك أحداثها فى نفس المكان، وكذلك ثيماتها المتكررة، كما هى الشخصيات تتكرر من نص إلى آخر بمهنها وأعمارها وصلاتها ببعضها البعض، ثم نسج لغتها المتأرجحة بين الفصحى والعامية الصعيدية.
تلك النصوص نسجت بصدق فنى ليصل الكاتب بقارئه إلى الجزم بأن شخصياتها وأحداثها من أرض الواقع، وفى تصورى حين يلتقط الكاتب شخصياته مما يحيطه؛ ليقدمها فى نصوص مشوقة بفضل خيال يمتلكه، فإنه قد أمتلك قدرات فذة لتغليف هموم وتطلعات مجتمع نصوصه بفنية عالية.
تلك الشخصيات: رشيد، كريمة، جابر المزين، هوبا، زاهر، سحر، نرجس... إلخ الأسماء قدمها الكاتب كائنات نابضة بالحيوية والنشاط والأحاسيس الإنسانية الدافئة، إلا أن استمرار ظهورها من نص إلى آخر، وبنفس صفاتها ومهنتها، جعلنا ندرك أن الكاتب يمتلك نفساً روائياً وإن لم يستغله فى هذا العمل، فأنا على يقين من أنه سيكون له بصمته الروائية مستقبلا.
وإذا ما نظرنا إلى تلك العلاقات المتداخلة بين شخصيات الإصدار فإننا نجد أن المواضيع أيضا متصلة ببعضها، وإن اختلفت المعالجات الفنية، مما يجعل القارئ نفسه شريكا للكاتب، وقد جعله يرى بعيون تلك الشخصيات ويعايش ما يدور، وما يوصف، سواء وصف المكان أو الشخصيات.
بل وينصهر بمجتمع نصوصه، متعاطفا معهم، بل وأكثر من ذلك، إذ يحس بأنه أحد شخصيات تلك النصوص، وقد تفنن الكاتب بوصفه للمكان وما يحتويه من مساكن وغيطان وزرائب وترع، مما جعل المكان له نبضه الخاص من خلال وصف التفاصيل متناهية الصغر، وتنوع الراوى بين العليم، وضمير المتكلم بمرونة تغير الأصوات التى زادت من معدل التشويق.
عود على بدء، تمنيت لو أن لوحة الغلاف كانت بثراء محتوى المجموعة، وتجاوز من اختارها إلى ما يعبر عن تلك العوالم المدهشة والصاخبة، أما العنوان فباعث على التساؤل، لافت، دافع لأى قارئ أن يقتنى الإصدار من أول نظرة، والعنوان مستعار من أول نص فى المجموعة وأطولها «قرموط الست» ومن أول سطر نستعير «واللى تتستر على بلوة جوزها متجبش منه عيال».
يصطحب هانى قارئه من الكلمات والسطر والصفحة الأولى إلى عوالمه المشحونة بلغة المكان ومجتمعه، ليجد نفسه مسحورًا بالمختلف، فى التفكير والتصرفات، «مقدرش أحكى لأبونا حكايتى، وبعدين هو صاحب مرض باين بيغسل كلى، وولده «زاعط» مرته.
وبعدين هيعملى إيه، علاجى مش عنده...». هنا يصور الكاتب العلاقة بين رجل الدين وتلك الزوجة الباحثة عن حل.
هنا جمل لاهثة ينسجها منسى بطلاوة لهجة مجتمع نصوصه، ونجد أيضا: «طرف النهار مكفهر بالنهار وموحش بالليل. قاس طوال اليوم. فضاء تنعس فيه القمامة فى سكون، والحيوانات النافقة تهنأ بالراحة...».
يُركِّب منسى نصوصه مشهد تلو آخر، بسلاسة رائعة، ليحرك حواس قارئه، ليسمع ويرى بعيون ومسامع شخصياته، بل وأبعد من ذلك، كما نرى فى الفقرة التالية:
«هنا، تفرخ الظلمة، ليلا، خاف القمر يعدى فيه، أو تاه، يا ولداه، فى العتمة، تتشكل أشباح خيالية، عيون حمراء تتحرك، هناك النهار نهار جدا، زعيق حناجر واهتزازات احبال صوتية، وتنخيم بلغم وبصق، واحتكاك لملابس الشغل بالأجساد. أما الليل فليل جدا، نقيق ضفادع، وفحيح الثعابين وزق الفئران وقويق الثعالب...».
وهكذا يغرق منسى قارئه بتلك المشاهد. ومن خلال هذا النص نجد سحر»ناصحة ولهلوبة، تغزل برجل حمار...» إلى مبروك، والشيخ محروس وسناء، وجعفر البغل، سحر بنت روحية وسميرة وسنية وجابر المزين وأيمن ابن المغربل.
النص التالى «صديق الحفيان» نجد سمر بنت روحية ، وجابر المزين، ورشيد المعتوه، وأسماء أخرى، يدور الحديث عن غياب رشيد بعد حرب الكويت: «من أنت؟ ولماذا أتيت، إلى هنا؟ وما هى بلدك، ومن هو أبوك؟ ولماذا تحتفظ بهذه الشوالات؟ ربما لا يعرف الإجابات...»
لتستمر أسئلة أبناء البلدة حول جامع كسر الزجاج. إلا أن النص التالى والمعنون يـ» تجار البركة» يجد القارئ فيه بعض الأجوبة حول شخصية جامع الزجاج التائه. ولا أحد يعرف من يكون، إلا أن من كانت حبيبته وسمت ابنها رشيد باسمه تحس به وتعرفه.
لتتكرر أسماء: سميحة، كريمة، رشيد بن عيسى، حمدان .. فنقرأ فى النص: «سيقت كريمة إلى حمدان كشاه تساق إلى الذبح، نسب يشرف حمدان ويساعد يعقوب فى الانتقام من رشيد...»، وينهى منسى هذا النص ى «يرحم والديك.. شنو... دوم».
يضع الكاتب إحدى شخصيات القصص الأولى فى الكتاب كعنوان للقصة الخامسة «جعفر البغل»، والبغل إشارة لمتاعه: «تتمناه كل نسوان القرية ويخفنه، ويغار منه رجالتها، وتهمس بسيرته الفتيات، ويقهقه لنوادره الفتيان. لم يلتفت إلى حكايته إلا بعد زواجه وترمله فى نفس اليوم»، وفى هذا النص نجد جابر المزين وشخصيات أخرى من القصص السابقة، ونجد المجتمع يحكم على جعفر بالخصى بعد موت عروسه فى ليلة دخلتها! نص ساخر ويبعث على التأمل.
«هوبا بيضحك ليه؟!» من أروع نصوص المجموعة، حيث جسد الكاتب تلك الشخصية، التى تماثل العديد من شخصيات نصادفها بلا مبالاة فى حياتنا اليومية، غير أن شخصية «هوبا» هانى منسى قربها بفنه إلى قلب وعقل القارئ، ككائن شفاف على عكس ما يوحى مظهره الخارجي.
«لم أدرك سبب ضحكتك، يا هوبا حتى الآن، هل كنت تضحك لنا، أم علينا؟ كيف كنت ترانا؟ هل نحن مضحكين، أم تضحك لتجعلنا نضحك؟. ربما معرفة السبب تفسد النشوة...».
يا لروعتك يا فنان منسي! كم تجعل من يقرأ نصوصك يتغير ليرى من حوله بمفاهيم جديدة وقلب حنون متسامح وعطوف! وفى هذا النص يتجدد المكان وشخصيات النصوص الأخرى.
كما فى نص بعنوان «سيف ووالده زاهر العساس» هذا النص مثل غيره من نصوص المجموع يقدم نفس المجتمع، ونفس البيئة، نجد منسى فى هذه القصة يسلط الضوء على إيقاع حياة المجتمع الريفى المصرى، بداية من العنوان، وتعاقب الأجيال بتطور المهن، من عرف وخبرة عملية، إلى جيل يتسلح بالدراسة النظرية، مقدما الشكل والجوهر.
سى دى هات المواطن: بين إدهاش المتلقى والتأويل المحتمل
صورة مع غرباء من العائلة: سمكة وحيدة فى حوض مزدحم
كتابى تحت سطح العالم.. ستون يومًا فى أستراليا







