يوسف إدريس بين الاغتراب والأسطورة

يوسف إدريس مع الطيب صالح ورجاء النقاش
يوسف إدريس مع الطيب صالح ورجاء النقاش


د. أحمد يوسف على


قليل من الناس نعيش معهم ويعيشون معنا زمنا قد يطول وقد يقصر، ثم نفترق فى المكان أو فى الزمان أو فى كليهما معا بالرحيل والانتقال من حال التعايش إلى حال التخاطر.

فهم ماتوا وغابوا عن زمننا هذا ولم يغب عنا حضورهم الذى صار أكبر اتساعا وأشد تأثيرا. فهم كالحلم لا ندرى متى يشغل وعينا أو لا وعينا، ولا ندرى كيف يكون شكله وصوره وتجلياته التى تظل منطبعة على مشاعرنا وقائمة فى الذاكرة.

لا ندرى من يخاطب من؟ هل نحن نخاطبهم فنستدعيهم من مكمنهم، أو هل يقفزون هم من حيث يكونون ليخاطبونا أو يناجونا. هكذا كان حالى حين أنعشت ذاكرتى بقليل مما كتبه إدريس، وقليل مما كتبه كبار النقاد عن إدريس.

لم يتركنى يوسف إدريس وشأنى حين فكرت أن أكتب عنه. له تأثير طاغ وحضور بليغ. ففى تقديرى أنه لم يمت، بل انتقل من حال الحيوية والاختلاف والتشاحن والألم والتهادن أحيانا والاقتناص أحيانا أخرى، إلى حال مختلف مبعثه الدهشة والتساؤل والشك الذى لا يصل بك إلى قرار.

فيوسف إدريس لم يعد يخاطبنا كل يوم ولا كل أسبوع، ولم يعد يطل علينا كما كان يطل علينا ليلا ونهارا، ولم يعد يلقى بحممه وبراكينه فوق رؤوسنا لنصحو من سباتنا العميق، ولم يعد يشد الرحال إلى أقوام فى بلاد العلم والنور والحرية، ليأتى لنا بقبس من نورهم ونارهم.

لقد فعل كل ذلك: خاطر وغامر ونزع كل أوراق التوت عن عوراتنا وخطايانا، وتلقى منا كثيرا من حجارة الرجم ونيران إبراهيم عليه السلام، ومضى وفى قلبه غضب من أجلنا، وفى حلقه مرارة لا تمحوها كل المياه العذبة.

ومع أن إدريس يأنف من صورة البطل الذى أنكره قومه ولم يقدروه، ويتعفف عن استجداء العطف والشفقة وأحاديث التأبين والرثاء، فإن مقالته «تعليق على حفلة تجريح» التى كتبها ردا على مقالة رجاء النقاش «حفلة تجريح» تفيض بكثير من الأسى الممزوج بالزهد والسمو والتجرد وتقرأ فى ثناياها ما هو معروف «بالتناقض العاطفى». فلغتها الظاهرة كبرياء وتسام ومقاصدها الباطنة تفيض بالبكاء والحنين إلى التواصل والتقدير الاجتماعى المفقود بين أهله.

وفى حديثنا هذا نقرأ من جديد - بعد تبدل الأوقات وتحولات الرؤى- مقالتين مهمتين الأولى مقالة «تعليق على حفلة تجريح» التى كتبها يوسف إدريس فى نوفمبر عام 1977م. والثانية مقالة شكرى عياد «أسطورة يوسف إدريس» التى كتبها فى أغسطس 1991م.



ومقالة رجاء النقاش، ومقالة شكرى عياد كلتاهما كشفت عن عبقرية إدريس، وعن مغامراته فى آفاق غير معروفة فى كتابة الكلمة سواء أكانت أقصوصة، أم رواية ومسرحية أم غيرها. 

وقد مالت مقالة رجاء إلى التركيز على هذه المفارقة المرة بين النبوغ والتجاهل. ومن هنا كانت خيبة الأمل التى أصابت إدريس لأنه أحس بالغربة بين قومه.

وقد تجلى هذا الإحساس لديه بعد أن تقدم به العمر نحو الخمسين، وبعد أن كتب رجاء النقاش عن هذا التجاهل الذى بلغ إلى حد التجريح.

ونحن إذ نكتب عن هذه المسألة، فإن هدفنا هو التنبيه إلى ضرورة التفات مجتمع الفن والفكر والنقد والصحافة والإعلام إلى النابغين والمجيدين وتقديرهم وإنقاذهم من إحساس مدمر هو الإحساس بالاغتراب الذى يؤدى إلى تفكك عرى التماسك الاجتماعى والانتماء للوطن.

 ومع أن مقالة شكرى عياد جاءت فى وقت حرج هو المرض الأخير الذى أودى بحياة يوسف إدريس، فإنها ركزت على الموهبة الفذة وتجلياتها فى ألوان من الكتابة المتفردة التى ميزته عن غيره، كما ركزت على شخصيته التى تمتعت بقدرة فائقة على التجدد والبعث من جديد وكأنها طائر الفينيق الذى ينهض من رماد النار مجددا دورة الحياة. ولكن هذه الشخصية الفذة تواطأت عليها الجراح، وأسقطتها الهموم وعلى رأسها فقدان الرغبة فى الحياة والأحياء.

وبين المقالتين زمن يصل إلى أربعة عشر عاما. والأهم بعد هذا الزمن هو اختلاف الحال. فرجاء كتب مقالته التى رد عليها إدريس فى مناسبة بلوغ الكاتب عامه الخمسين مبينا تجاهل أهل الفكر والفن والصحافة هذه المناسبة التى لم تجد إلا حملة من حملات التجريح تتويجا لعطاء إدريس وعبقريته.

وفى المقابل أقامت مؤسسة الأهرام العريقة احتفالا مهيبا 1961م بعيد ميلاد نجيب محفوظ الخمسين. 

ولم تكن كتابة رجاء أو كتابة شكرى كتابة عن كاتب عاش فى زمن قديم عادا به إلى ذاكرة القراءة والقراء، ولكنها كانت كتابة نابعة من معين التجربة المشتركة والثقافة المصرية فى زمنها الليبرالى.

فبين رجاء وإدريس ود قديم وتقدير متبادل ومعرفة بقدر كل منهما وجهاد فى سبيل الفكر والفن والنقد والعلم. فهما متجايلان ولهما نسب قوى بأعلام الفكر والنهضة المصرية أمثال العقاد وطه حسين وغيرهما. فرجاء (1934- 2008م) وإدريس يسبقه بسبعة أعوام.

وهما من أبناء جامعة القاهرة فى عصرها الليبرالى المتوهج. درس فيها إدريس الطب، وفتنه عالم الفن والأدب. ودرس فيها رجاء الأدب والنقد والفكر العربى فى قسم اللغة العربية بكلية الآداب، وكلاهما من أبناء الطبقة المصرية الوسطى التى نزحت من الريف وأتاح لهما التعلم الصحيح والفكر الليبرالى أن يتبوآ مكانتهما الاجتماعية وأن يستقرا فى القاهرة. وكلاهما غدا علما من أعلام الأدب والنقد والإبداع. ولذلك كان تبادل الود والاعتراف بقدر كل منهما عند صاحبه أمرا مفهوما.

أما شكرى عياد، فهو رفيق يوسف إدريس منذ البداية فى السنين الأولى من العقد الخامس فى القرن العشرين، وإن كان يكبر يوسف إدريس بخمسة أعوام. وقد كتب مقالته «أسطورة يوسف إدريس» المنشورة فى مجلة الهلال عام 1991م وهو العام الذى رحل فيه الكاتب العظيم. فكانت هذه المقالة «حفلة تكريم» بحق ليوسف إدريس وهو فى مرضه الأخير. 



ولم يكتب شكرى عياد مقالته إشفاقا على صديقه من مصير مؤلم، ولا تنديدا بتجاهل مجتمع النقد والثقافة، ولا دعوة للمفارقة الساخرة، فكتب ما كتب على سبيل المجاملة والتعزية، ولكنه كان واعيا كل الوعى بدقائق وتفاصيل من يكتب عنه.

فقد صحبه منذ بدايته وتعثر أقدامه وتألقه وتربعه على عرش الكتابة، وكان على ذكر عظيم بإبداعه الفريد فى القصص القصيرة جدا، والقصص القصيرة، والروايات، والمسرحيات، والمقالات. وبسبب من كل هذا كتب هذا المقال بحثا عن أسطورة يوسف إدريس كما سوف نبين.

ولعلنا بما قدمنا نكون قد وضحنا السياق التاريخى والاجتماعى لمقالتى رجاء النقاش وشكرى عياد. ولو لم يكتب رجاء النقاش مقالته عن «حفلة تجريح» ما كتب يوسف إدريس مقالته «تعليق على حفلة تجريح» وأعتقد أن رجاء النقاش حين كتب مقالته كان على ذكر بحال إدريس الذى استبد به حال الاغتراب الشديد بعدما رأى أن كتابته صارت سرابا فى صحراء رمضاء.


فقد عاش إدريس هذا الاغتراب، ووصل به الحال إلى قوله الصريح بأن الكتابة لم يعد لها جدوى، وأن المجتمع لم يعد فى حاجة إلى الكتابة والكتاب. وفى ندوة عقدت فى بيروت عام 1974م وكانت تحت عنوان «هل للأديب العربى دور؟» تساءل يوسف إدريس: «ما الذى يحدث إن نهضنا ذات صباح فوجدنا أنه ليس ثمة كتاب ولا مجلة ولا ثقافة؟ أغلب الظن أن أحدا لن يشعر بالخسارة». ثم تساءل عن الكتَّاب الذين أكلهم اليأس، وسفه التجاهل طموحهم وأحلامهم فى خلق «أسطورتهم الشخصية» فى بحيرة الوجود الآسنة. فقد ألقوا كلماتهم برهافة بين الناس، وسرعان ما سحبوها خشية أن تدوسها أقدام قاسية، أو أن تضيع فى الزحام.

ثم طرح سؤاله عن جدوى الكتابة مذكرا بحادثة انتحار الروائى اليابانى يوكيو مشيميا: «لقد انتحر ميشيميا فى اللحظة التى أدرك فيها أن دعوته بلا جدوى وبلا صدى.

وككاتب اكتشف أنه يكتب فى فراغ وبلا صدى». وما جدوى الاعتراف بقدر الكاتب بعد رحيله وقد عاش حياته فى ظمأ عظيم وأورد قول بودلير «كلمة مديح فى حياتى، خير من ألف كتاب يكتب عنى بعد موتى»، فوردة كلمات عطرة فواحة فى الحياة قد تغنينا عن مشاتل الكتب والكلمات بعد الممات، وروح المبدع والفنان شفافة وسهلة الانكسار، لكن سرعان ما تلتئم ويتم وصلها بينابيع الفرح والبهجة، إذا ما أمطرناها بقطرات الحب والاعتراف».

كاتب مثل يوسف إدريس يحق له أن يجأر بهذه الشكوى وهذا الصراخ العالى بعد أن قدم عبر مسيرته فى عالم الكتابة والفكر والفن والمسرح والترحال طلبا للجديد والمدهش، 350 قصة قصيرة صدرت فى 12 مجموعة قصصية، وعشر روايات، وتسع مسرحيات، وثلاثة عشر كتابا هى كل مقالاته التى كتبها فى الهزيع الأخير من العمر دفاعا عن «وجوده اليومى». ولم ينج من أقلام القبح التى اتهمته «بالخيانة العظمى» لتخليه عن كتابة القصة والرواية.

كما قال فى مقدمة كتابه «الإيدز العربى» الصادر عام 1989م «أريد أن أتكلم بصراحة فى موضوع أنا متهم به؛ فمنذ بضع سنوات قامت ضدى حملة، بدأت من بعض كُتابنا وصحفيينا الصغار الذين يراسلون صحفًا ومجلات عربية، ثم أصبحتُ الموضوعَ المفضَّل لصفحات وملاحق الأدب فى تلك الصحف، ثم أصبح أول سؤال أُسأَلُه فى أى حديث صحفى أو أدبى، وأقول سؤالًا، ولكنه فى الواقع يُذكر على هيئة اتهام وكأنه اتهام بالخيانة العظمى: لماذا تركت الأعمال الأدبية، ومنها القصة القصيرة والرواية والمسرح واتجهت للمقالة الصحفية؟

وكنت أجيب إجابات زاهدة أحيانًا، زاعقة أحيانًا أخرى، أقول فيها يا ناس أتريدون من رجل يرى الحريق يلتهم بيته أن يترك إطفاءه للآخرين، وأن ينتحى ركنًا من هذا البيت المحترق ويكتب قصة أو رواية عن هذا الحريق الذى بدأ يمسك بجلبابه؟ إنى إنما أدافع فى مقالاتى تلك، دفاعًا يوميًّا عن وجودى اليومى وعن كل قيمى وكل ما أومن به، وأذود عن عِرضى وعِرضكم وشرفى وشرفكم، ولا أفعل هذا خارج دائرة الكتابة، فأنا لم أنضم إلى حزب ولا كوَّنت تنظيمًا، أو هاجرت إلى فرنسا أو إنجلترا، وإنما أنا قاعد فى دارى القاهرية إلى الأبد أحاول بكل ما أملك من جهد أن أقوم بدورى ككاتب».

وظل يوسف إدريس فى خندق الدفاع عما يؤمن به «وقلت من يدرى عسى يأتى ناقد يومًا يُنصفنى ويُفهم هؤلاء الناس ماهية الكتابة الفنية أصلًا، وأنها فى أحيان لا يمكن أن تندرج تحت عنوان محدد مثل القصة» ومع ذلك ظل يشعر بالغبن حتى آخر مراحل حياته، وهو الذى وهب قلمه للفئات المغبونة والمسحوقة، وعزم على تعرية العوالم السفلية للمجتمع المصرى والأغوار المظلمة للنفس الإنسانية، مؤمنا بأن التغيير قادم لا محالة وأن ندوب المجتمع لن تندمل إلا إذا تركناها عرضة للشمس.

فمقالة رجاء النقاش كانت بمثابة رش الملح على الجرح الذى كان غائرا عميقا فى قلب إدريس قبل عقله ولم يمهل إدريس نفسه وقتا للتأمل يمنحه القدرة على الكتابة المتأنية الهادئة فهو كما يقول عن نفسه فى كتابه المشار إليه آنفا «أنا أكتب كتابة انطباعية، والانطباعية مدرسة حتى فى الفن التشكيلى؛ فأنا أترك الواقع ينطبع على مخيلتى ويرسم صورة قد تكون رهيبة وقد تكون متناقضة ومضحكة، ولكنها تحتوى على كل عناصر العمل الفنى الانطباعى» لذلك جاءت مقالته «تعليق على حفلة تجريح» من هذا النبع الفياض بالتناقض الحاد بين رؤيته الممكنة والواقع القائم.

وقد كلفته هذه الرؤية الممكنة فى البحث عن البطل البسيط فى حياة الناس، والانحياز للمهمشين والمنسيين والضعفاء، والنفور من سجن الأيديولوجيات الجاهزة، وأسوار الأحزاب والأنظمة، نقول كلفته هذه كل هذه الآلام والأوجاع التى صرح بها أكثر من مرة على نحو ما وضحنا.

وجاءت مقالته هذه دفاعا عن بطل جريح أوشك على التداعى والسقوط وكان مستترا وراء قناع الكبرياء والترفع.

ولذلك استهل رده بسخط غير معلن مما كتبه رجاء. يقول: «مع أن المقال من أنقى وأصرح ما كتب عنى إلا أننى أحسست باكتئاب بعد قراءته» وقد رد هذا الإحساس بالاكتئاب إلى طبيعته ووعيه بذاته وموهبة الكتابة.

يقول: «فأنا بطبيعتى لا أحب أن يشفق علىَّ أحد. وبالذات لو جاءت الشفقة من صديق عزيز. وبطبيعتى لا أكتب لأكرم، أو أبجل، أو حتى يقال عنى إنى كاتب. حتى معاناتى لأكتب لا أحس بها مطلقا».

ويكتب فكرته عن نفسه وعن وجوده على نحو يشعرك بأن الحياة والموت سيان، وأن التقدير والإهمال صنوان، وأن رجاء الخير عند الناس أمل بعيد. يقول مخاطبا رجاء: «هون عليك إذن يا صديقى رجاء ولا تحزن.

وانت من أعظم النقاد. فأنت الآخر لم يكرمك أحد. ولم تتلق إلا الصفعات والمنغصات. فلو كنا نحيا حتى فى أرقى الدول التى تفخر بكتابها ونقادها وفنانيها، أكان يهمنا أن يكون هناك فرق أو لا فرق؟ تكريم أو لا تكريم؟ إن الذى يكتب ليكون كاتبا عظيما هو نصاب عظيم.

أما الذى يكتب لأن آخر شىء يريده أن يكون كاتبا وأن يعامله الناس على أنه كاتب فهو إنسان لا حيلة له أن يكون أو لا يكون. يبدع أو لا يبدع. يعيش أبدا أو يموت حالا. فهو ظاهرة طبيعية لا شأن له بها. وإذا كان بعض الناس يعتبرون هذا جنونا أو حافة الجنون، فهنيئا لهم بعقلهم.

فهم المساكين هم المضيعون التائهون الذين عمرهم لحظة فى حساب الزمان» ثم يختم حديثه إلى رجاء بقوله: «إن أعظم تكريم يناله مثلى ألا يكرمنى أحد، ولا ينصب أحد من نفسه ملكا يحاسبنى حساب الملكية عما أقوله وعما أفعله.

وألا يأخذ أحد باله منى. ولأعتبر ذرة رمل على شاطئ مجهول، أو عصفورة تاهت وضلت وضاعت فى الربع الخالى». لقد بلغ حافة اليأس وأشرف على وادى العدم.

إن يوسف إدريس هذا فى عيد ميلاده الخمسين وقد أشرف على الانصهار فى ذرات الكون وارتضى أن يكون ذرة رمل فى شاطئ مهجور، أو عصفورة ضلت طريقها إلى الربع الخالى، ينطوى على أسطورة عظيمة يراها شكرى عياد سر نبوغه وعبقريته.

وبعد أن يتحدث عن الإرهاصات التاريخية والاجتماعية التى مر بها المجتمع المصرى فى بداية الخمسينيات وهى الفترة التى مثلت بداية يوسف إدريس، يخلص شكرى عياد إلى أن يو سف إدريس «ظاهرة شاذة».

فهو يملك لغة قصصية لا يملكها أى قصاص آخر ممن قرأت لهم. إن «السرد» الذى يبدو مشكلة كل كاتب، هو أمام يوسف إدريس مرج أخضر فسيح يمرح فيه ولا يتركك حتى تجد نفسك منطلقا فيه. سرد فيه ما فى كل القصص من جمال.

مزيج ساحر منعش من الوصف والحدث والحوار، لا يتميز فيه عنصر من عنصر. وإن كان يوسف إدريس قادرا على أن يعالج كل عنصر بمفرده دون أن تحس باختلاف فى الأسلوب ولكن المزيج هو عبقرية يوسف إدريس. 

كان أدب إدريس مثل أدب عبدالرحمن الخميسى وعبدالرحمن الشرقاوى أدبا ملتزما، ولكنه كان يصر على أن الفن يأتى أولا. فقد بايع شيطان الفن. وشيطان الفن اسمه «المخالفة».

فقد اختار أن يتحول من الطب إلى الأدب. ولكن الأدب بما هو رسالة ووظيفة فى الحياة، وعنصر متمم لحياة المجتمع يجب أن يكون مخالفا.

ومن ثم انتمى إدريس إلى اليسار وهنا تأتى المخالفة الكبرى. فاليسار ينظر إلى الفن على أنه تابع للأيديولوجيا وولاء إدريس للفن كان معناه مخالفة لولائه لليسار.

فكل كاتب عظيم فى رأى شكرى عياد له أسطورته الخاصة. قد يبحث بعض النقاد عن هذه الأسطورة فى طفولته، وقد يخضعونها لنموذج عام مثل أسطورة أوديب. ولكنى أفضل أن أستقرئها من أعماله الأدبية.

ولذلك راح عياد يستقرئ أسطورة يوسف إدريس من أعماله، وراح يمهد لهذا الاستقراء بقوله: وأسطورة الكاتب ليست عقيدة ولا تجربة ولا رؤيا. أسطورة الكاتب شىء كامن فى أعماق الوعى، قد يشعر به شعورا غامضا منذ طفولته الباكرة.

والكاتب يعيش أسطورته طوال حياته. يعيشها مجددا مع كل تجربة جديدة، وهم جديد، وعصر جديد، يساورها وتساوره. ومن يقرأ يوسف إدريس يحس أسطورته. ويدرك أنها تدور حول معنى البطولة. ولكنها بطولة شديدة الارتباط بالواقع.

بطولة طبيعية إن صح هذا التعبير. أعنى أنها جزء من الطبيعة البشرية. يراها فى «أتفه» الشخصيات على نحو الخادمة الصغيرة فى أقصوصة «نظرة» وعزيزة فى قصة «الحرام» ومن ثم نصل إلى أن إدريس كان الاغتراب يمزقه وينهش وعيه مع أنه ينطوى على أسطورة عظيمة جعلته كاتبا فريدا. وربما كان التفرد سر الابتلاء والاغتراب.