لم يكن سمير صبري مجرد فنان متعدد المواهب، بل كان ظاهرة إعلامية فريدة، تميزت برؤية سباقة ورشاقة فكرية مكنته من إعادة تعريف شكل البرامج التلفزيونية والإذاعية في مصر والعالم العربي، استطاع أن يفرض حضورا مهيبا كمقدم برامج، ليصبح أحد أوائل الإعلاميين الذين قدموا التليفزيون كمنصة للحوار الثقافي والفني، لا مجرد وسيلة ترفيهية عابرة.
بداية باستديوهات لندن وتعلم في مدرسة الكبار
في ستينيات القرن الماضي، كانت محطة الإذاعة البريطانية BBC هي مهد التكوين المهني الأول لسمير صبري، هناك تعلم أصول الإلقاء وضبط الصوت واحترام المستمع، وشكل ذلك الأساس لأسلوبه الخاص الذي تميز بالدقة، واللباقة، والقدرة على بناء جسر من الثقة مع المتلقي، كانت تلك التجربة مختلفة تماما عما كان سائدا في الإعلام المصري حينها، وهو ما ظهر لاحقا في كل خطوة من خطواته المهنية.
العودة إلى القاهرة ومشروع إعلامي متكامل
لم يعد سمير صبري إلى مصر ليكون وجها على الشاشة فقط، بل عاد بمشروع إعلامي متكامل، يقوم على تقديم محتوى يجمع بين الثقافة والفن والترفيه، دون إسفاف أو سطحية، ووجد ضالته في برنامج "النادي الدولي"، الذي شكل علامة فارقة في تاريخ البرامج الحوارية، ففي هذا البرنامج، تجاوز الشكل التقليدي للحوار، لم يكن مذيعا يطرح أسئلة محفوظة، بل صمم البرنامج كمساحة حيوية فيها فقرات متنوعة وضيوف من مختلف المجالات، ومداخلات موسيقية ومقاطع أرشيفية، ليخلق تجربة بصرية وذهنية شاملة.
معادلة الحوار والإخراج
من النادر أن نجد إعلاميا يتقن إدارة الحوار وفي الوقت ذاته يتولى إخراج برنامجه بالكامل، سمير صبري كان يفعل ذلك بامتياز، اختار ديكورات برامجه، أشرف على الإضاءة وحركة الكاميرا، وكان يضع الموسيقى التصويرية بنفسه، هذه السيطرة الكاملة على "الكادر" منحته قدرة على توصيل رسالته كما يتخيلها تماما، وبرنامج "هذا المساء" أيضا كان استمرارا لهذا النهج، حيث قدم فيه توليفة غير مسبوقة من الحوارات الفنية، والتقارير الوثائقية، والعروض الغنائية والاستعراضية، مما جعله سابقا لعصر "برامج التوك شو المتكاملة" بعقود.
سمير صبري "الإعلامي".. ذاكرة الشاشة العربية
ما يميز إرث سمير صبري الإعلامي، ليس فقط جودته العالية، بل قيمته التوثيقية، فقد استضاف عمالقة الفن والثقافة في مصر والعالم العربي، من أم كلثوم وعبد الحليم حافظ إلى وردة وفيروز، ووثق حقبا من التحولات الفنية والاجتماعية عبر حوارات عميقة وإنسانية.
سمير صبري لم يكن مجرد مقدم برامج، بل كان مدرسة متكاملة تمزج بين الإعلام والفن والإنتاج، مدرسة حرصت على تقديم كل ما هو راق ومؤثر، وتجاوزت القيود التقليدية لتفتح آفاقا جديدة للبرامج التلفزيونية، واليوم، لا تزال برامجه صالحة للعرض والدراسة، ليس فقط بوصفها مادة ترفيهية، بل كجزء من ذاكرة مصر الثقافية والإعلامية.
اقرأ أيضا
ننشر الحوار الأخير للفنان الراحل سمير صبري.. «لا أحب السوشيال ميديا»


تامر حسني يطرح ألبومه الجديد "مش هتكرر" كاملا
مصطفى قمر ضيف إسعاد يونس في «صاحبة السعادة».. الأحد المقبل
مصطفى قمر ينضم إلى «عيلة تعمل عمايل».. ضيف شرف ويغني تتر المسلسل






