الهند وباكستان.. كيف تدير الحكومات محتوى الإنترنت خلف الستار؟

علم الهند وباكستان - صورة تعبيرية
علم الهند وباكستان - صورة تعبيرية


في أوروبا، تتبنى بعض الحكومات نهجًا مُتوازنًا نسبيًا في إدارة محتوى الإنترنت، حيث تسعى إلى حماية حُرية التعبير مع فرض قوانين تحمي المُجتمع من خطاب الكراهية والمعلومات المضللة، حيث تشهد قواعد الحوكمة الرقمية تصاعدًا في الصرامة، مع تكثيف الرقابة على المحتوى الذي يُنظر إليه على أنه يؤثر على الأمن القومي أو الاستقرار الاجتماعي.

وفي مناطق أخرى من العالم، مثل جنوب آسيا، تُطبق قوانين صارمة لإدارة المحتوى، خُصوصًا خلال فترات التوترات السياسية أو الأمنية، على سبيل المثال، استخدمت الهند قوانين الحوكمة الرقمية لتوجيه شركات منصات التواصل الاجتماعي لحذف أو حجب محتويات محددة تُعتبر حساسة وفق المعايير الوطنية، مع تأكيد على أهمية الحفاظ على النظام العام.

وفي ظل هذا الواقع، تُعطي هذه القوانين الحكومات صلاحيات واسعة في التحكم بالمحتوى، بينما تسعى شركات التكنولوجيا إلى الموازنة بين متطلبات الحكومات وتوقعات المستخدمين بحرية التعبير.

وفي ظل التحولات المتسارعة في عالم التكنولوجيا الرقمية، تستعرض «بوابة أخبار اليوم» في هذا التقرير تحليلاً شاملاً لكيفية إدارة بعض الحكومات حول العالم والمصادر الرقمية للمحتوى عبر الإنترنت، ونتناول كيف يتعامل المستخدمون مع قيود الرقابة، وكيف تتوازن الشركات بين متطلبات السلطات وحقوق المستخدمين، خاصة في دول الجنوب العالمي.

اقرأ أيضًا| تاريخ التوترات بين الهند وباكستان.. تسلسل زمني للنزاعات حول «كشمير»

 

رقابة على الأصوات السياسية في الجنوب العالمي

شهدت السنوات الأخيرة تشريع قوانين جديدة في دول مثل الهند وباكستان وإندونيسيا وكينيا والبرازيل وأوروبا، تمنح السلطات الحكومية وأجهزة إنفاذ القانون والمحاكم صلاحيات أوسع لطلب حذف منشورات أو أنواع معينة من المحتوى عبر الإنترنت، بحسب مجلة «ذا أتلانتيك» الأمريكية.

وتزايدت هذه الطلبات بشكل كبير؛ ففيسبوك سجل زيادة هائلة في طلبات الحكومات بين 2023 و2024، بينما تلقت جوجل طلبات لإزالة محتوى بنسبة 87% بين 2021 و2023، وعلى سبيل المثال، لائحة MR5 في إندونيسيا وحدها أصدرت أكثر من 140 مليون أمر حجب جغرافي لمحتويات متنوعة، من بينها المنشورات المرتبطة بالمقامرة أو الخطاب السياسي.

فيما تتعامل الشركات الرقمية مع كميات هائلة من طلبات الحذف، وغالبًا ما تتجه إلى الامتثال العام لهذه الطلبات بدلًا من التمييز بين الطلبات المشروعة وغير المشروعة.

فالضغوط المستمرة، وتسريح موظفي السلامة، وكثرة الطلبات، تدفع الشركات لاعتماد نهج الامتثال الشامل، ما يقلل فرص مراجعة القرارات بدقة، إضافة لذلك، قد تتحقق مكاسب سياسية بتلبية طلبات الحكومات، مما يعزز هذا الاتجاه.

 

كيف تؤثر بعض الحكومات على سياسات المحتوى

تتجاوز تأثيرات بعض الحكومات حول العالم الطلبات الرسمية لتشمل تغييرات استراتيجية في سياسات منصات التواصل الاجتماعي، إذ تقوم فرق الإشراف بتعديل قواعد المحتوى لتتماشى مع تفضيلات الحكومات، وإزالة المحتوى استباقيًا لتفادي النزاعات.

كما تستخدم هيئات إنفاذ القانون آليات بلاغات داخلية غير شفافة لإبلاغ عن المحتوى المثير للجدل، في حين تُفعّل "إجراءات الطوارئ" عند ضغوط شديدة، ما يخلق آليات إشراف غير موثقة، ويترك فرق السياسات أحيانًا في غموض كامل.

وعلى مدار العقد الماضي، كانت منصات التواصل الاجتماعي تشيد بدورها في حماية حرية التعبير وتعزيز الشفافية، حيث كانت تنشر طلبات الحذف الرسمية وتمكّن المستخدمين من فهم تأثير بعض الحكومات على المحتوى.

لكن الواقع الحالي يشير إلى تعاون مباشر مع حكومات حول العالم في حذف المنشورات وتسليم البيانات، لكن غالبًا دون إعلام المستخدمين، ليتزايد اتهام المستخدمين للشركات بأنها أصبحت أدوات للرقابة الحكومية، مما يثير تساؤلات حول جدوى استخدام هذه الخدمات في القضايا الحساسة، بحسب مجلة «ذا أتلانتيك» الأمريكية.

 

تحايل المستخدمين على الرقابة

نتيجة للرقابة المتزايدة، يلجأ المستخدمون إلى أساليب ذكية لتجنب الحجب، مثل تعديل النصوص، واستخدام تعابير بديلة، وأحيانًا نشر المحتوى عبر "لغة خوارزمية" تحاكي المصطلحات المحظورة، وهذا التحدي يعقّد مهمة الإشراف ويفتح مجالًا واسعًا لعدم وضوح المعايير، خاصة مع تفاوت تطبيق السياسات عبر مناطق مختلفة.

لكن، تتضرر سُمعة بعض الشركات حول العالم وتخسر جُزءًا من مستخدميها ومعلنيها إذا بدت متساهلة مع الرقابة الحكومية بشكل مبالغ فيه، وعلاوة على ذلك، يتحتم على الشركات أن توازن بين متطلبات الحكومات وحقوق المستخدمين للحفاظ على بيئة رقمية حرة وآمنة.

وبحسب مجلة «ذا أتلانتيك» الأمريكية، يمكن لمنصات التواصل الاجتماعي، اتخاذ خطوات مُهمة لاستعادة ثقة المستخدمين، منها نشر أوامر الحذف الحكومية بشكل دوري، وإبلاغ المستخدمين عند حذف محتوياتهم بناءً على أوامر رسمية، ومقاومة الطلبات التي تنتهك حقوق الإنسان، بالإضافة إلى ذلك، يجب تعزيز تواصل واضح مع المستخدمين حول قواعد المحتوى ومراقبة الكلام، لتمكينهم من اتخاذ قرارات واعية بشأن سلامتهم الرقمية.

ومع تراجع التزامات بعض هذه الحكومات والشركات تجاه الحريات الرقمية، يظل المُستخدمون هم العنصر الأهم في نجاح المنصات الرقمية.

اقرأ أيضًا| خبراء يحذرون: إدارة ترامب تُضعف القاعدة الصناعية وتُشعل صراعات داخلية.. ما القصة؟