ضد التعتيم .. كتاب يدون آخر ما كتب أدباء من غزة قبل أن تقتلهم إسرائيل

كتاب يدون آخر ما كتب أدباء من غزة قبل أن تقتلهم إسرائيل
كتاب يدون آخر ما كتب أدباء من غزة قبل أن تقتلهم إسرائيل


سانتياجو ايراثو
ترجمة: مها عبد الرءوف


كل شيء مصنوع من السواد..الغيوم والشوارع وداخل البيوت والمبانى والملاجئ.. الأفق أسود وكذلك أشجار التين والزيتون والبحر والصحراء برمالها وكثبانها.. الحدقات المفتوحة على اتساعها..والقبضات المشدودة والأحضان وسط الانفجارات كلها مغموسة فى السواد.

منذ تصاعدت الحرب على غزة، أصبحت الليالى أكثر ظلمة من المعتاد بسبب الانقطاعات العديدة والممنهجة للكهرباء. بالكاد كانت ومضات الصواريخ تضئ السماء للحظات قبل أن تعود العتمة التى يرزح تحتها الغزاويون حتى بزوغ الفجر. حينها فقط تتكشف المجازر ويبدأ الناس ينعون أحباءهم الذين راحوا فى الظلام.

هذه وغيرها شهادات قدمها العديد من الكتاب والشعراء الفلسطينيين، مثل هبة أبوندى ، نور الدين حيّاوي، مريم حيازي، وحسام معروف.

صاغوها فى قصائدهم الأخيرة على حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعى المختلفة قبل اغتيالهم ضمن عمليات الإبادة الجماعية التى تتعرض لها غزة، وهى الشهادات التى قرر المترجم الفلسطينى شادى روحانا أن ينقلها إلى الاسبانية فى كتاب تحت عنوان «ضد التعتيم: أصوات من غزة خلال الإبادة» وقد صدر الكتاب، الذى يلقى الضوء على المقاومة الثقافية فى أوقات الإبادة، فى المكسيك وصدرت منه طبعات لاحقة فى عدد من الدول اللاتينية. 

حول هذا الكتاب أجرت مجلة «رايا» الثقافية هذا الحوار مع المترجم الفلسطينى.

على مدار عملك كمترجم قمت بترجمة العديد من الأعمال مثل «معارك الصحراء» لخوسيه إميليو باتشيكو، بالاضافة إلى مقابلات مع عدد من كتاب جيل البوم، ومن بينها المقابلة مع خوليو كورتاثر حول الثورة الفلسطينية. فهل شعرت بفرق بين ترجمة هذه الأعمال وترجمة «ضد التعتيم» خاصة أن هناك جانباً عاطفياً وراء هذا الكتاب؟



بالتأكيد..فى المشروعات السابقة التى اضطلعت بها كمترجم كان هناك نوع من الإلحاح، ولكن فى هذا الكتاب الذى يحمل نصوصا أدبية من غزة، فإن هناك شكلاً مختلفاً من الالحاح.. بالنسبة لى عندما أترجم فإن ذلك يكون نابعا من الشعور بالحاجة، فلم يحدث قط أن ترجمت بناء على طلب أو تكليف.
 

وخلال الترجمة يجد المترجم نفسه محملا بالعديد من المسئوليات، إضافة إلى الترجمة فى حد ذاتها، فهناك التحرير والترويج للكتاب وغالبا ما يتم ذلك فى صمت وبإيقاع هادئ.

ولكن الأدب القادم من غزة كان من المهم والعاجل ترجمته فورا.. كان من المهم الاستماع لهؤلاء الناس وإيصال رسالتهم فى الوقت الذى تحاول فيه إسرائيل وحلفاؤها إخماد أصواتهم. 

نعرف أن «ضد التعتيم» يتكون من شهادات وقصائد للعديد من الكتاب والشعراء الفلسطينيين التى تركوها على صفحاتهم الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعى قبل اغتيالهم على يد إسرائيل.. كيف ظهرت فكرة تحويل هذه الترجمات إلى كتاب؟

- الفكرة فى البداية لم تكن إصدار كتاب.. مع اندلاع الحرب - التى تحولت إلى إبادة جماعية - انتابنى شعور بأنه مع مرور الوقت أصبح كل شيء معتادا وأصبحت هناك لامبالاة إزاء الفظائع التى ترتكب بشكل يومى.. وبالتالى كان لابد أن نحتج ونرفع أصواتنا. بالطبع فى السنوات الماضية وقبل هذه الحرب، كانت هناك محاولات للقيام بخطوات أكثر مباشرة، مثل أسطول الحرية الذى حاول إيصال المساعدات إلى غزة لكسر الحصار، إلا أن الجيش الاسرائيلى هاجمه وقتل عددا من النشطاء.

وبالنسبة لى عندما أشعر بمثل هذا العجز فإننى أبدأ فى الترجمة..لقد فعلت ذلك أيضا أثناء العدوان الاسرائيلى على غزة فى عام 2014. وهذه المرة بدأت فى ترجمة شهادات الأدباء الفلسطينين التى يكتبونها على مواقع التواصل الاجتماعي، أما فكرة الكتاب فقد ظهرت خلال معرض بورتريكو للكتاب حيث تمت دعوتى بصفتى مترجما. فى النهاية فإن نشر الكتاب يعد أمرا رمزيا إذ شعرنا برغبة فى رؤية هذه النصوص مطبوعة. بالاضافة إلى ذلك فقد قررت أنا وزوجتى مارسيلا لاندازبال مورا- التى قامت برسم الصور المصاحبة للنصوص - أن نتبرع بجميع عائدات الكتاب لصالح صندوق المشروعات المحلية فى غزة. 

فى مقدمة الكتاب أشرت إلى العلاقة بين الغرب وفلسطين.. وقلت تحديدا «لقد وصل بهم القلق لدرجة أن حولوا الشعب الفلسطينى إلى شعب غير قابل للترجمة» ماذا تقصد بذلك؟

عدم القابلية للترجمة التى تحدثت عنها فى الكتاب تتعلق بالطريقة والنظرة التى فرضت للحديث عن فلسطين أو ما يسمى بالشرق بصفة عامة، خصوصا منذ مولد مصطلح الاستشراق الذى حلله إدوارد سعيد فى السبعينيات.

سعيد على وجه التحديد استطاع أن يبرز أمثلة عن كيف يمكن لبيت شعر واحد لشاعر عربى أن يعمم على ملايين البشر.الكثيرون يعتقدون أن بيت شعر واحد يكفى لفهم حضارة بأكملها واختزالها إلى مجموعة من الأفكار النمطية والصور الذهنية المسبقة.

من بين القصص المضحكة التى تشير إلى هذه الصور النمطية يحكى سعيد عن تلك الصحفية الأوروبية التى أرادت أن تجرى حوارا معه، وفى البداية اعتذرت له لأنها لم تقرأ القرآن فطمأنها قائلا إنه شخصيا لم يقرأه.

وبالإضافة إلى هذه الصور النمطية فإن إسرائيل- بكل ما تملكه من هيئات ومؤسسات فى الداخل والخارج - عملت بشكل ممنهج على شيطنة الشعب الفلسطيني. على مدار سنوات شاهدت كيف تعمل آلة الدعاية الاسرائيلية وكيف تنتشـر بلغــات مختلفـة.

شـاهـدتهــا باللغة الاسبانية بشكل خاص فى المؤتمرات التى تتحدث عن الشعوب الأصلية وعلاقتهم بالشعب اليهودي. إنهم يرغبون فى التأكيد على أن هناك شعب أصلى واحد فى فلسطين هو الشعب اليهودى باعتباره المالك الحقيقى للأرض بينما - اللايهود، الفلسطينيون (على الرغم من أنه دوما كان هناك فلسطينيون يهود) هم من من غزوا الأرض. وهم يسعون إلى ربط ذلك بنضال الشعوب الأصلية فى أمريكا اللاتينية.

 كلامى هذا لا يعنى أننى أريد أن انتقص من الهوية اليهودية أو مكانتها التاريخية فى فلسطين، هذا موضوع آخر، ولكن القول بأن ما تقوم به إسرائيل فى فلسطين مماثل لنضال السكان الأصليين فى أمريكا اللاتينية وربطه بمسألة سلب الأراضى والعنصرية والتمييز الذى تعانيه الشعوب الأصلية هو أمر خاطى تماما ومقارنة ملتبسة بين واقعين مختلفين وسياقين تاريخيين لا علاقة لهما ببعض.

ومن بين آليات التضليل الأخرى مثلا ما يقوم به المتحدث باسم الجيش الاسرائيلى عندما يتحدث عن الفلسطينيين فى المؤتمرات الصحفية باللغة الانجليزية زاعما أنه يريد إنقاذهم من حماس فى الوقت الذى يقف فيه بجواره «المؤثرون» الإسرائيليون وهم يتحدثون بالعربية وينعتون الفلسطينيين بأنهم فئران وصراصير ويهينونهم ويحتقرونهم.. إن فى ذلك وغيره فرض لرواية بعينها. 

عندما نتحدث عن استخدام اللغة بشكل خاص،بالنسبة للفلسطينيين، وهم شعب ناضل لسنوات طويلة من أجل أرضه، إلى أى مدى يمكن أن تمثل اللغة جزءا من الوطن..كيف نفعتهم اللغة والأدب من أجل المقاومة والصمود؟ أقول ذلك لأن فكرة اللغة باعتبارها وطنًا ظهرت كثيرا فى الأدب العالمى فى أعمال كتاب مثل جارثيا ماركيز وخوان خيلمان وفرناندو بيسوا، ولكن الثقافة الفلسطينية المعتادة على النضال والمقاومة هى أقل اعتمادا على الجماليات وأكثر حيوية وجمالية.

حسنا.. فى فلسطين أن تكون حيا هو فى حد ذاته نوع من المقاومة، مجرد أن تكتب الأدب، مجرد التطريز والاحتفال، مجرد الغناء، مجرد الابتسام، مجرد أن تكتب بنوع من الفكاهة وهو عنصر منتشر فى الأدب الفلسطيني.

كل هذا هو نضال ومقاومة.ولكن عندما نتحدث تحديدا عن الأدب الفلسطينى فيمكن القول إنه لوقت طويل كان الوسيلة الوحيدة للتعبير والتواصل مع العالم المحيط، بل وبين الناس بعضهم البعض لأن ما أدى إلى إنشاء دولة إسرائيل، كما يقول محمود درويش فى قصيدته «خطاب الهندى الأحمر» هو أن يُستبدل عالم بعالم آخر وهذا التغيير يبدأ بالأمور المادية، بالبيئة المحيطة بك: فهم يسلبونك المشهد الطبيعي، يحرمونك من الوصول إلى البحر، يسرقون منك الأشجار، ولذلك عندما تدمر الحرب فى فلسطين المشهد الطبيعى تبقى الكلمة ويبقى الأدب وجميع أشكال التعبير الأدبى التى من الممكن أن تنتقل بطريقة أو بأخرى، وعلى هذا فإن الأدب والكلمة هما كالهواء الذى يتنفسه الفلسطينيون.عندما نتكلم عن الحالة الفلسطينية بالتحديد فإن الجغرافيا السياسية لا تكفى لفهم ما يحدث هناك، فأنا مثلا أحيانا عندما أرغب فى فهم فترات تاريخية معينة فى فلسطين فإننى ألجأ إلى الأدب المكتوب فى تلك الفترة.

ومن ناحية أخرى، الأدب يمكن أن يجعلك غير مرئى للسلطات، وللغرباء، كما أنه وسيلة لفهم بعضنا البعض دون أن ننكشف.

وهذا نوع آخر من «عدم القابلية للترجمة»، حين يقرر الشخص نفسه ألا يُترجم. عندما سمعت المقولة الايطالية الشهيرة «المترجم خائن» ظننت للوهلة الأولى كغيرى من المترجمين أنها تشير إلى وقوع المترجم فى أخطاء فى الترجمة ولكن أدركت فى ما بعد أن العبارة تعنى أنك أثناء الترجمة قد تخون شعبك لأنك تقدم معلومات قد تُستخدم ضده للسيطرة عليه.