مش كل الموبيليا دمياط

6 محافظات تُبدع فى تصنيع الأثاث.. وأسعار الخامات أهم التحديات

تصنيع الأثاث
تصنيع الأثاث


«الأثاث والموبيليا الدمياطى»، جملة ظلت لسنوات عديدة عالقة وثابتة فى أذهان المصريين، إلا أن محافظات المنيا وسوهاج والقليوبية وأسيوط والغربية وقبلها الإسكندرية اقتحمت الصناعة ببصمة تلائم طبيعة وثقافة ساكنيها، ونجحت فى خلق طبيعة مميزة وسعر ملائم وجودة وذوق وأشكال تتناسب مع ميول مشتريها، حتى أصبح فى كل محافظة منها «دمياط جديدة» إلا أن التكنولوجيا وارتفاع أسعار الأخشاب والمواد الخام وأجرة العمال والحرفيين مع ضعف حركة البيع والشراء أدت إلى عزوف كثيرين عن المهنة والصناعة، كما أصبح «التوك توك» بربحه السريع ومجهود عمله البسيط هو المتهم الأول فى تراجع أعداد العاملين بالمهنة.

«الترك» قلعة الإسكندرية لتجهيز العرائس

بين الأزقة الضيقة فى المنطقة الفاصلة بين المنشية وبحرى، تفوح رائحة الأخشاب ودهاناتها بينما تختلط أصوات دقات الشواكيش مع جلبة «الصنايعية» فى اشارة معروفة بوجود «سوق الترك» أكبر قلعة لصناعة الموبيليا فى الإسكندرية. يقول محمد حنفى أحد أقدم وأشهر صانعى الأثاث بسوق الترك إنه لم يكتفِ بمدرسة الحياة ولكن حصل أيضًا على دبلوم فنى قسم نجارة، لكى يُتقن جميع المهارات حتى أصبح بارعًا فى صنعته، لحظتها عاد إلى والده ليعمل معه فى نفس الورشة لأنه عشق المهنة، وقرر ألا يعيش فى جلباب أبيه بعد أن تجاوزت أحلامه صنع الكراسى والصالونات، لذا قرر الذهاب إلى الورش البعيدة فى السوق الفرنساوى وتعلم فيها نجارة الموبيليا..  يتذكر حنفى هذه القصة التى مرّ عليها أكثر من أربعة عقود، بينما يقف خلف طاولته محاولًا ضبط حليات سرير خشبى يُصنّعه، مشيرًا إلى أنه ورث المهنة عن أبيه التى تعلمّها فى اليونانيين فى الإسكندرية وأصبحت كل شىء ،هنا موجود وتستطيع أن تُصمم أثاث بيتك بالشكل الذى تفضله، فصنايعية السوق لديهم من الخبرة التى تتخطى أعمارهم، فأغلبهم ورثوا هذه المهنة أبا عن جد لكن يُشير حنفى إلى أنّ الأوضاع لم تعد كالسابق ،حيث غلب على السوق طابع مختلف بعد أن انتشرت معارض بيع الأثاث الجاهز بدلاً عن «الصنايعية» الذى يقومون بصناعة القطع بأنفسهم وحتى مع تبدّل الأحوال لازال السوق يحتفظ بطابعه القديم، حيث تنتشر مئات الورش أسفل البنايات العتيقة.

 يوضح حنفى أن السوق يتخطى عمره الـ 80 عامًا وكل نجار يختص بصنعة معينة وقليل منهم من يتقن جميع الأصناف، فنجار الكرسى يختلف عن نجار السرير والاثنان يختلفان عن باقى قطع الأثاث، وفق حديث محمد حنفى.

«طنان» 37 سنة من الأثاث فى القليوبية

منذ أعوام وأصبحت قرية طنان بمحافظة القليوبية اسماً كبيراً مميزاً فى عالم صناعة وتجارة الأثاث وتحولت لأحد أكبر قلاع صناعة الموبيليا خاصة مع تحول معظم المنازل بها إلى ورش مختلفة ومكملة لبعضها من نجارة ودهان وتنجيد وزجاج وغيرها بالإضافة إلى معارض للبيع فأصبحت قبلة للمقبلين على الزواج.. التقت «الأخبار» بعدد من أصحاب الورش والعاملين للتعرف على مراحل الصناعة وما يدور بها.. يقول ممتاز الكمار صاحب ورشة ومعرض للبيع إن صناعة الأثاث بالقرية بدأت منذ أكثر من 37 عاما بجانب شهرتها بزراعة الخضراوات، ويضيف الكمار أن القرية بها ما يقرب من 3 آلاف ورشة تعمل فى صناعة الأثاث بدءا من شراء الخشب حتى تشكيله وتلوينه والانتهاء منه كمنتج نهائى، مضيفا أنه يعمل بها حاليا ما يقارب من 9 آلاف شخص بعد أن كانت تصل إلى 30 ألف صنايعى فى مراحل الصناعة أو التجارة أو الخدمات المرتبطة بها.

يقول محمد نافع 35 سنة نجار بإحدى الورش إن حركة البيع والشراء تشهد حالة من عدم الاستقرار بسبب ركود السوق وارتفاع أسعار الخامات والايجارات بخلاف تحريك أسعار الكهرباء مما أدى إلى قلق عدد من الصنايعية للعمل بالمهنة وعزوف البعض منهم والعمل على مركبة التوك توك بسبب ضعف البيع هذه الأيام، ويضيف أن ارتفاع أسعار التشطيبات من الدهانات والتنجيد والزجاج والأرفف والمقابض والمفصلات وغيرها من مستلزمات الإنتاج بخلاف مصاريف النقل تسبب بشكل كبير فى ركود سوق الأثاث بالقرية. يشير نجم البوهى 45 عاماً استورجى إلى أن تصنيع حجرة النوم بعد أن كان يحتاج 1500 جنيه أجرة صنايعية من « نجار وقشرجى ومكنجى واستورجى ومنجد «أصبح يحتاج إلى 6 آلاف جنيه.

«طهطا».. «دمياط الصعيد» تنتظر التدخل الحكومى

أكثر من ثلاثة آلاف ورشة نجارة تخصصت فى صناعة الأثاث منذ زمن بعيد حتى حظيت طهطا فى محافظة سوهاج بشهرة كبيرة فى إنتاج وتصنيع الموبيليا وأصبحت تنافس دمياط فى الفترة الأخيرة حتى سميت بلقب دمياط الصعيد وتنبهت الحكومة مؤخرا لها وأسست ما يسمى بدعم التكتلات الاقتصادية فى صعيد مصر فى محافظتى سوهاج وقنا.

يقول محمد على صاحب ورشة أثاث، إن تكتل الأثاث أعاد الحياة لصناعة الأثاث بمركز طهطا، والتى تقلصت بشكل كبير نتيجة عدم التجديد والتطوير فى التصميمات، مما دفع المستهلك إلى شراء منتجات الأثاث الدمياطى كما أسهمت الزيارات الميدانية لأكبر مصانع الأثاث فى القاهرة فى التعرف على المواد الخام الجديدة المستخدمة فى صناعة الأثاث المعاصر مثل مادة «الهانى كامب» مما ساعد على رفع القدرة التنافسية لمنتجات الأثاث بطهطا فى الأسواق المحلية والعالمية.. يقول جمال الحلوانى صاحب أحد مصانع الأثاث أن تجميع مصنعى الأثاث بمركز طهطا فى كيان رسمى، يلقى دعماً كبيراً من كافة الجهات الحكومية المعنية بتطوير الحرف والصناعات اليدوية، إلى جانب الجهود الكبيرة التى قام بها التكتل فى تدريب أعضائه على أساليب الإنتاج الحديثة، والمواد الخام الجديدة المستخدمة فى التصنيع، وإتاحة الفرصة للمشاركة فى المعارض الداخلية والخارجية، وزيارة أكبر مصانع الأثاث بالقاهرة ،للتعرف على أحدث ماكينات التصنيع، وأحدث التصميمات التى تناسب متغيرات العصر الحديث.

«كتامة» الحرفة تتوارث بين أبناء الغربية

كتامة.. قرية صغيرة فى محافظة الغربية لكن اسمها تحول لعلامة مسجلة فى صناعة الأثاث لتميزها فى صناعة الأثاث التقليدى واليدوى باستخدام الخشب المحلى والمواد ذات الجودة العالية ،حيث يركز الحرفيون على التصميمات الكلاسيكية والأعمال الفنية المعقدة مما يجعل الأثاث الذى ينتج فريداً ومميزاً مما يسهم فى دعم الاقتصاد الوطنى من خلال التصدير وفرص العمل.. وفى جولة لـ»الأخبار» فى شوارع كتامة التقت الحاج صلاح غلاب صاحب أحد أكبر معارض الأثاث والورش بكتامة وقال:صناعة الأثاث فى كتامة مهنة الجميع هنا وتتوارثها الأجيال أبا عن جد ولا يوجد شاب أو طفل لا يعرف كيف يمسك منشاراً أو ينحت قطعة خشب حيث تشتهر بالأثاث اليدوى والتقليدى ،مضيفا أن العملاء من كل المحافظات وتأتى بعد دمياط فى صناعة الأثاث وتوريده إلى كل المحافظات ليس فقط الغربية.

فى ذات السياق يقول المهندس محمود أبو صيرة صاحب مصانع للأثاث بكتامة إلى أنهم يحافظون على اللمسة التقليدية بشكل مودرن لإرضاء كل الأذواق وعن تحديات الصناعة يقول إنه رغم الأثاث المحلى إلا أن المنافسة شرسة مع الأثاث المستورد الذى لا يصمد كثيراً أمام قطعنا الخشبية المتينة والتجربة خير دليل ،مضيفاً أنه نظرا لارتفاع أسعار المواد الخام ارتفعت أسعار المنتج النهائى وكل الشباب منذ الصغر نشأ على حب المهنة والصناعة ونحت الأخشاب لكننا نحتاج لدعم أكبر من الحكومة فى شكل تمويل وتدريب للحرفيين ودعم صغار المستثمرين ليصمدوا أمام الشغل المستورد كما أن الشباب فتح أسواقاً عبر الإنترنت لتسويق المنتجات للوصول لأسواق جديدة وزيادة الوعى بجودة الأثاث اليدوى.

«المنيا» أفضل الأخشاب فى التجهيز

تعتبر صناعة الأثاث من الخشب رحلة غنية ومتنوعة لا يمكن الاستغناء عنها خاصة فى القرى والنجوع، حيث يشترط أهل العروسة تجهيز أثاث منزلها من الخشب العمولة وليس الخشب الجاهز الذى يتم شراؤه من محافظة دمياط مثل السابق لذا كان التفكير ثم التحول نحو تجمع ورش صناعة الأثاث بمختلف مراحلها ضرورة فى محافظة المنيا حتى أصبحت متواجدة فى أغلب مراكزها وأصبحت رحلة صناعة الأثاث الخشبى لا تقتصر وتنتهى عند تصنيعه، بل تمتد لتشمل حياة جديدة فى بيوت ومنازل الصانع والمشترى.

يقول «محمد اكرم « 22 عاما، ويعمل نجار أثاث ورسام موبيليا « استورجي» ومقيم بمركز بنى مزار محافظة المنيا ،إن حركة الإقبال على شراء الأثاث متوسطة خاصة لدى العرائس والشباب الذين يقدموا على الزواج لاختبار الأثاث من أفضل أنواع الخشب ،مضيفاً أن أغلب العمال الذين يعملون فى ورش الأثاث الخشبية الكبيرة مدربون وصنايعية محترفون المهنة أباً عن جد.

يلفت» أكرم» إلى أن المواطنين بمحافظة المنيا خاصة الأسر الريفية بالقرى تفضل شراء الأثاث المصنوع فى الورش لأنه يكون مصنوعاً من أفخم وأجود الأخشاب مثل الخشب الزان ويكون ثقيلاً فى الوزن والكثافة  ليعيش فترة أكبر . 

يحذر «محمد» استورجى أثاث أن ارتفاع أسعار الخشب والمواد الخام أثر بالسلب على الصناعة خاصة أصحاب الورش الصغيرة لأنهم أصبحوا غير قادرين على شراء الأخشاب بكميات كبيرة لذلك يصنعون عدداً قليلاً ويبيعون أقل مؤكداً على أن أكبر المشاكل التى تواجه الصناعة هى ارتفاع أسعار الأخشاب والمواد الخام بما يوثر على الصناعة كلها وأولها «الحرفيين والعاملين» وبالتالى حركة البيع والشراء.