◄ أهمية جهاز الاستطلاع تضاعفت بعد حرب أكتوبر في ظل التحديات الأمنية الجديدة
◄ الجهاز رصد التحركات المشبوهة ومناطق التوتر في سيناء وهدفه ردع التهديدات
◄ الرئيس السيسي وجه بتطوير الجهاز بأحدث التقنيات دون المساس بالعنصر البشري
◄ إعمار سيناء قرار استيراتيجي يمنع اختراق الأمن القومي المصري ويبدد مخططات أمريكا وإسرائيل
◄ الرئيس السادات اتخذ القرار السياسي الصعب بوقف القتال لعدم الاصطدام بأمريكا
◄ السادات قال للأسد "الجولان قبل سيناء" ولكن سوريا وفلسطين رفضتا الجلوس على طاولة المفاوضات
◄ قرار وقف إطلاق النار يوم 22 أكتوبر 73 لم يكن فقط لحماية مكاسب مصر بل جاء استجابة لاستغاثات سوريا
◄ مخطط تهجير الفلسطينيين طُرح خلال حكم الجماعة الإرهابية وقوبل برفض قاطع من الرئيس الفلسطيني
◄ محور صلاح الدين لا يوجد داخل الأراضي المصرية والعدوان الإسرائيلي عليه يُعد خرقا لاتفاقية السلام
◄ مصر تسعى إلى الحفاظ على الزخم الدولي والضغط السياسي لصالح فلسطين والدخول في معركة مع إسرائيل ليس في صالح القضية
◄ زيارة ماكرون للعريش كافية لنقل الصورة الحقيقية للاتحاد الأوروبي عن حجم الكارثة الإنسانية
◄ سيناء تدار بفكر «أمني تنموي» يجعلها امتدادًا طبيعيًا لبقية الأراضي المصرية
عيد تحرير سيناء، مناسبة وطنية غالية على قلوب المصريين، حيث تُحيي ذكرى استعادة آخر شبر من أرض سيناء الحبيبة في 25 أبريل 1982، بعد سنوات طويلة من الاحتلال الإسرائيلي، الذي بدأ عقب نكسة يونيو 1967، يمثل هذا اليوم تتويجًا لنضال دبلوماسي وعسكري طويل خاضته مصر، بدءًا من حرب الاستنزاف، مرورًا بانتصار أكتوبر المجيد عام 1973، ثم المعركة القانونية والدبلوماسية التي توجت بحكم محكمة العدل الدولية بعودة طابا، ورفرف العلم المصري عاليًا على كامل تراب سيناء.
وفي الذكرى الثالثة والأربعين لتحرير سيناء، يتجدد الحديث حول الدور البارز الذي لعبه جهاز الاستطلاع المصري في حماية هذه البقعة الغالية من تراب الوطن. وكشف اللواء أركان حرب نصر سالم، رئيس جهاز الاستطلاع المصري الأسبق، في حواره لـ«بوابة أخبار اليوم»، عن أن أهمية هذا الجهاز لا تقتصر على فترة الحرب، بل تمتد إلى حماية الأمن القومي المصري في السلم والحرب.. وإلى نص الحوار:
- ما هي أهمية جهاز الاستطلاع ودوره في انتصار الجيش المصري عام 73؟
الاستطلاع كان أول من ثبت على الأرض بعد نكسة يونيو 1967، وبقيت عناصره خلف خطوط العدو الإسرائيلي في سيناء، تنقل المعلومات الدقيقة لحظة بلحظة، مما مكّن الجيش من التخطيط لتحرير الأرض.
وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق بعد حرب أكتوبر 1973 وصف هذه العناصر بالرادارات البشرية. جهاز الاستطلاع المصري كان يرى كل ما يحدث داخل سيناء، ويحلله بدقة. وبفضل تلك المعلومات، تم وضع خطة الاقتحام وعبور قناة السويس، وهو ما ساهم في أحد أعظم الانتصارات في التاريخ العسكري الحديث.
- في خضم التكنولوجيا التي باتت تسيطر على مختلف المجالات، هل تم تطوير جهاز الاستطلاع؟
أهمية جهاز الاستطلاع لم تنتهِ بعد الحرب، بل أصبحت مضاعفة في ظل التحديات الأمنية الجديدة. فاليوم، تبقى عيون الاستطلاع تراقب، وتجمع المعلومات، وتكشف التحركات المشبوهة، خاصة في مناطق التوتر شمال ووسط سيناء. ويُعد الجهاز هو الدرع الذي لا ينام، وهو ما يجعل الدولة قادرة على التصدي لأي تهديد قبل وقوعه.
تتكامل الأدوار بين الأجهزة السيادية لتحقيق التنمية والأمن في سيناء، وبفضل الرئيس عبد الفتاح السيسي، يتم دعم جهاز الاستطلاع بأحدث تقنيات المراقبة والتجسس الإلكتروني، التكنولوجيا اليوم تُسند الدور البشري، دون أن تستبدله، حفاظًا على الفاعلية على الأرض.
- رغم النجاحات العسكرية الساحقة التي حققها الجيش المصري في حرب أكتوبر 1973، يتساءل كثيرون: لماذا تم وقف الحرب ونحن في موقع المنتصر؟
الإجابة لا تتعلق فقط بالوضع الميداني، بل بعوامل سياسية وعسكرية إقليمية ودولية شديدة التعقيد. الرئيس الراحل أنور السادات تلقى تحذيرًا مباشرًا من وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر خلال زيارته للقاهرة، مفاده أن الولايات المتحدة ستتدخل عسكريًا إذا قررت مصر استكمال الهجوم وتدمير القوات الإسرائيلية غرب القناة. وأمام تهديد بحرب مباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية، اتخذ السادات القرار السياسي الصعب بوقف القتال.
- حدثنا عن مكاسب مصر بعد وقف إطلاق النار؟
قرار وقف إطلاق النار يوم 22 أكتوبر لم يكن فقط لحماية مكاسب مصر، بل جاء استجابة لاستغاثات سوريا، لأن القوات الإسرائيلية كانت على وشك اجتياح دمشق.
والرئيس السادات قرر تنفيذ عمليات عسكرية خاطفة لتخفيف الضغط على الجبهة السورية، رغم ما ترتب عليها من خسائر ميدانية محدودة.
- هل كانت اتفاقية السلام على حساب الأشقاء؟
اتفاقية السلام لم تكن على حساب سوريا أو فلسطين، والسادات زار الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد قبل التفاوض مع إسرائيل، ووعده بأن تكون الجولان أولوية قبل سيناء، كما تم تجهيز مائدة مفاوضات ضمت العلم الفلسطيني بجانب العلم المصري، في محاولة لإشراك الفلسطينيين، لكنهم رفضوا الحضور.
الرئيس السادات بذل كل ما في وسعه لجعل الاتفاق جماعيًا، لكن القيادة الفلسطينية آنذاك قررت الانفصال عن المسار المصري. ومصر عرضت التفاوض المشترك، بل ورفعت العلم الفلسطيني في قاعة المفاوضات، لكن الانقسام العربي حال دون تحقيق الوحدة المطلوبة.
في ظل الأحداث المشتعلة في قطاع غزة، تعود إلى الواجهة مجددًا دعوات التهجير القسري للفلسطينيين إلى مناطق من شمال سيناء. ورغم أن الخطاب يبدو حديثًا، إلا أن الحقيقة تؤكد أن هذه الأفكار ليست وليدة اليوم، بل تعود إلى ما قبل عام 2010، عندما طُرحت لأول مرة على الرئيس الراحل حسني مبارك من قبل مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين بهدف إنشاء وطن بديل للفلسطينيين في سيناء. وقد رفضها مبارك بشكل قاطع.
- هل كان مخطط تهجير الفلسطينيين من غزة مرتبط بالحرب القائمة حاليا أم له ترتيبات سابقة؟
هذه الخطة أعيد طرحها لاحقًا خلال حكم جماعة الإخوان، ضمن ما عُرف بخطة جيورا آيلاند التي كانت تهدف لمنح إسرائيل أراضٍ مصرية مقابل أراضٍ في صحراء النقب، وهو ما رفضه الرئيس الفلسطيني محمود عباس وأعلنه في تسجيلات رسمية.
أما عن محور صلاح الدين، هو ممر حدودي يقع بين مصر وقطاع غزة، ويخضع لسيادة فلسطينية لأنه يقع داخل حدود الأراضي المحتلة، وتؤكد اتفاقية السلام المصرية – الإسرائيلية أن مصر ليست مسؤولة عن ما يجري داخل الأراضي الفلسطينية، وأي تحرك إسرائيلي فيه يُعد خرقًا يجب أن يُحاسب عليه قانونيًا دوليًا وليس مصريًا.
أكدت مصر مرارًا رفضها لجرائم الإبادة التي ترتكبها إسرائيل في قطاع غزة، كما عملت على إيصال المساعدات الإنسانية والطبية إلى أهالي غزة رغم العراقيل، ودعت إلى وقف فوري لإطلاق النار وحماية المدنيين، ورفضت التهجير تمامًا، واعتبرته خطًا أحمر.
- لماذا لا تدخل مصر الحرب؟
الدخول في حرب مع إسرائيل الآن يعني صدامًا مباشرًا مع الولايات المتحدة الأمريكية، كما حدث في 1973، حين هدد وزير الخارجية الأمريكي السادات بالتدخل العسكري المباشر. الحرب الآن ستُغيّب القضية الفلسطينية وتحولها إلى صراع مصري إسرائيلي. لذلك، تسعى مصر إلى الحفاظ على الزخم الدولي والضغط السياسي لصالح فلسطين، لا تفجيره في معركة غير متكافئة.
استراتيجية الردع ليست مجرد استعراض للقوة، بل هي منظومة دفاع متكاملة تهدف إلى حماية الأمن القومي دون الدخول في صراعات مباشرة. تتبنى مصر هذه الاستراتيجية بشكل متوازن يدمج بين امتلاك السلاح، وبناء القدرات البشرية، والتفوق الاستخباراتي، مع الحفاظ على سياسة عقلانية تردع أي تهديد دون إشعال حرب.
الردع هو الطريقة الأذكى لحماية الدولة دون استنزاف مواردها. وتكلفة يوم قتال تعادل ميزانية تسليح دولة لعام كامل، ولهذا تسعى مصر إلى ردع العدو من خلال إظهار القوة لا استخدامها. وامتلاك الرافال والمسترال والغواصات الحديثة ليس ترفًا، بل رسالة استراتيجية موجهة لكل من تسوّل له نفسه المساس بالأمن القومي المصري.
- كيف ترى أهمية المناورات العسكرية التي تجريها مصر مع مختلف الدول؟
المناورات العسكرية ليست فقط تدريبات قتالية، بل أدوات سياسية لعرض القدرات، وتأكيد التحالفات، واكتساب الخبرات حيث تُجري مصر مناورات مشتركة مع الولايات المتحدة الأمريكية "النجم الساطع"، ومع روسيا، والصين، وفرنسا، وغيرها من الدول الكبرى. هذه التدريبات تؤكد جاهزية الجيش المصري، وتكشف للعالم أن مصر تملك قوة قادرة على الردع في البر والبحر والجو.
استراتيجية الردع المصرية مدروسة بعناية، فهي لا تهدف لإثارة القلق الإقليمي، بل لحماية المصالح الوطنية. هذه المناورات ترسل رسالة مفادها: مصر قوية ومستعدة، دون الحاجة إلى الدخول في نزاع مباشر، ما يجعلها تحقق توازنًا بين الأمن والتنمية.
لطالما أثارت فترات الانسحاب المصري من سيناء عامي 1956 و1967 تساؤلات كثيرة حول الأسباب الحقيقية وراء تلك القرارات المصيرية.
ورغم الاختلاف الكبير في السياقات، إلا أن كلا الانسحابين جاء نتيجة اعتبارات سياسية وعسكرية معقدة، تجاوزت أحيانًا موازين القوى الميدانية.
- ما هي أسباب الانسحاب المصري من سيناء عامي 1956 و1967؟
انسحاب عام 1956 خلال العدوان الثلاثي "الفرنسي – البريطاني – الإسرائيلي"، جاء بعد دراسة موقف ميداني شديد الحساسية. حينها، بعد أن هاجمت إسرائيل سيناء يوم 29 أكتوبر، بدأت بريطانيا وفرنسا في قصف قناة السويس من الغرب، ما وضع الجيش المصري في وضع ميداني حرج بين جبهتين. ونتيجة لذلك، صدرت الأوامر بانسحاب القوات من سيناء للدفاع عن القناة، والتي كانت هدف العدوان الرئيسي.
في نكسة يونيو 1967، كان الانسحاب المصري مأساويًا بكل المقاييس. فقد صدرت أوامر انسحاب مبكرة للجيش المصري قبل أن يرى الجنود العدو وجهًا لوجه، ما اعتُبر أكبر خطأ استراتيجي في تاريخ العسكرية الحديثة. الانسحاب السريع أدى إلى فقدان كامل سيناء خلال أيام معدودة، وسط ظروف صعبة وقرارات سياسية غير مدروسة.
- هل كانت دروس الماضي أساس التخطيط العسكري الحديث؟
هذه التجارب القاسية شكّلت وعيًا جديدًا لدى المؤسسة العسكرية المصرية، وأدت إلى بناء عقيدة قتالية جديدة ترتكز على الثبات والردع، وهي ما مهدت لاحقًا لانتصار أكتوبر 1973 واستعادة الأرض بالدم والتخطيط.
في ظل تصاعد الأحداث في قطاع غزة، برز الدور المصري السياسي والإنساني بقوة، خاصة مع لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي لنظيره الرئيس الفلسطيني محمود عباس. وجاءت هذه الزيارة في توقيت بالغ الحساسية، لتؤكد مجددًا أن القضية الفلسطينية لا تزال في صدارة أولويات السياسة المصرية، وأن مصر تقف بثبات ضد أي محاولات تهجير أو تصفية.
- كيف ترى الدوري المصري في حرب غزة، وما هي دلالات لقاء الرئيس السيسي لنظيره الفلسطيني محمود عباس؟
لقاء الرئيس السيسي مع الرئيس عباس في القاهرة يوم 4 مارس 2025 لم تكن زيارة بروتوكولية، بل تحمل رسائل سياسية مباشرة إلى الداخل الفلسطيني والمجتمع الدولي. الرئيس السيسي أطلع نظيره الفلسطيني على حجم المساعدات المصرية لغزة، وعلى الجهود الدبلوماسية التي تقودها القاهرة في المنظمات الدولية للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني.
من جهة أخرى، أحدثت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للعريش تأثيرًا كبيرًا على الموقف الأوروبي. زيارة ميدانية على بُعد كيلومترات من قطاع غزة كانت كافية لنقل الصورة الحقيقية إلى الاتحاد الأوروبي حيث رأى ماكرون بعينه حجم الكارثة الإنسانية، وشاهد المساعدات المصرية التي تُمنع من الدخول، ليعود بعدها بحراك سياسي أوسع في المحافل الأوروبية.
- كيف ترى التحركات المصرية على المستوى السياسي؟
زيارة السيسي أكدت الالتزام السياسي، وزيارة ماكرون كشفت زيف الروايات الإسرائيلية. وفي المحصلة، ساهمت الزيارتان في تشكيل رأي عام دولي ضاغط يرفض الإبادة الجماعية، ويدعو لحل دائم للقضية الفلسطينية، قائم على العدالة وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة.
منذ تحريرها في عام 1982، كانت سيناء دائمًا في قلب الاستراتيجية الوطنية المصرية، لكن التحدي الأكبر لم يكن فقط في استعادتها، بل في ضمان عدم فقدانها مجددًا. ومن هنا، برزت رؤية مصرية شاملة عنوانها: زراعة سيناء بالبشر قبل الشجر. رؤية تعتبرها القيادة العسكرية المصرية حائط الصد الأول ضد الأطماع والمخاطر الأمنية.
- هل ترى جهود إعمار سيناء في حماية الأمن القومي المصري؟
قرار إعمار سيناء وزرعها بالبشر يُعد ثاني أعظم قرار استراتيجي بعد عبور قناة السويس في أكتوبر 1973. والتحدي الحقيقي ليس فقط في حماية الأرض عسكريًا، بل في ملء الفراغ السكاني الذي لطالما اعتبرته إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية فرصة لاختراق الأمن القومي المصري.
الدولة المصرية وضعت خطة ضخمة لإعمار سيناء بقيمة 700 مليار جنيه، تشمل إنشاء بنية تحتية، مدن مليونية، جامعات، مزارع، مصانع، وأنفاق تربط سيناء بالوادي. هذا الربط أنهى حالة العزلة التاريخية، وجعل من سيناء امتدادًا طبيعيًا لبقية الأراضي المصرية. سيناء اليوم تُدار بفكر أمني تنموي. فبدلاً من تكثيف التواجد العسكري فقط، يتم زراعة البشر كمجتمعات مستقرة، تخلق واقعًا ديموغرافيًا يُصعّب على أي جهة التفكير في فصلها أو زعزعتها. سيناء لن تكون فريسة لأطماع الماضي. كل حبة رمل فيها أغلى من دمنا.

«التلمذة الصناعية».. تصحيح مسار أم مغامرة محفوفة بالمخاطر؟
الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟







