أيها السائر في دروب الحياة، إن بين يديك كتابًا سماويًا، يهديك سواء السبيل، ويقودك إلى بر الأمان، من تمسّك به نجا، ومن أعرض عنه هوى في مهاوي الضلال، إنه القرآن العظيم، خريطة النجاة، ومنهج الفلاح، الذي رسمه الله لعباده بميزان العدل والرحمة، ليكونوا شهداء على أنفسهم وأعمالهم، فمن سلك سبيله نال الخلود، ومن تنكب عنه خسر الدنيا والآخرة ، فاسمع نداء الرحمن الرحيم ، قبل أن يغلق باب الرحمة، وتندم حين لا ينفع الندم.
لقد أودع الله عز وجل في كتابه العزيز خريطةً ربانيةً، تهدي الحائر، وتقود السائر، وتضمن لمن التزم بها النجاة في الدنيا والفوز في الآخرة ، خريطة متكاملة ترسم للإنسان مسارًا متوازنًا بين عبادة الخالق، والسعي في مناكب الأرض، بلا تصادم بين الروح والمادة، بل انسجام يحقق للإنسان سعادته في الدارين .
وما خلق الله الناس شعوبًا وقبائل إلا لحكمة سامية، أن يتعارفوا ويتآلفوا ويتعاونوا، لا أن يتفاخروا أو يتنازعوا ، فلا فضل لعربي على أعجمي، ولا لقوم على قوم، إلا بتقوى الله والعمل الصالح ، المعيار في ميزان الحق هو الصدق مع الله والسعي في مرضاته، فالكل عند الله سواء، ولا ينجو يوم الفصل إلا من حمل عملًا طاهرًا وقلبًا سليمًا .
جاء القرآن العظيم ليقيم التوازن في النفس الإنسانية، إذ يدعو إلى طلب الآخرة والسعي لها سعيها، دون أن يفرّط الإنسان في نصيبه من متاع الدنيا الحلال، فقال تعالى: " وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ " ـــ [القصص: 77] ، هكذا يرسم القرآن دربًا متزنًا، لا رهبانية فيه، ولا إسراف ولا تبذير، بل عبادة ترتقي بالروح، وسعي يُعمر الأرض بالخير والصلاح .
إن اختلاف الأمم وتباين القبائل إنما هو دعوة صريحة إلى التواصل والتكامل، لا إلى التحزب والتناحر ، أراد الله أن تتلاقى الثقافات، وتتبادل الشعوب العلوم والخبرات، ويتآزر البشر في رحاب البر والتقوى، فيتحقق لهم الخير، ويعلو بنيان الحضارة الإنسانية على أسس من التعارف والتعاون .
عند الله، لا تخفى خافية، ولا يضيع مثقال ذرة، ولا يظلم ربك أحدًا ، كل عمل محفوظ، وكل نية مرصودة، كما قال سبحانه : " يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ " ـــ [الزلزلة: 6-8] ، هو العدل المطلق، لا يشفع نسب، ولا تنفع مع الله مظاهر ولا ادعاءات، بل العمل وحده هو الفيصل .
وفي مشهد الحساب العظيم، تتساقط كل الألقاب، وتتهاوى كل الحصانات، فلا عصبية لقوم ولا شفاعة لدين من غير استقامة على الحق ، يقول الله تعالى:
" إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ " ـــ [الحج: 17] ، إنه يوم الفصل بين الخلائق، يوم لا يُنصر فيه إلا من آمن بالله حق الإيمان، وأدى الأمانة التي حملها، والتزم صراط الله المستقيم .
فيا من وهبك الله العقل والبصيرة، لا تضيّع العمر غافلًا عن نداء الحق، ولا تغرنك زخارف الدنيا وزيفها، فإن الميزان عند الله لا يحابي أحدًا، والنجاة لمن آمن وعمل صالحًا والتزم طريق الهدى ، تمسّك بالكتاب، وسر على نور الوحي، قبل أن يحل الندم وتطوى الصحف، وينادي المنادي : لا رجعة ولا مهرب ، فالفرصة اليوم ماثلة، والغد لا يضمنه أحد .. اللهم إني قد بلغت .. اللهم فاشهد .
كاتب المقال : رئيس ديوان رئاسة دولة الإمارات العربية سابقاً .

تحت أول ضوء شمس
تصحيح أفكار خاطئة
عقبال بقية مارينا







