إنها مصر

السر وراء تسريب عبدالناصر والقذافى!

كرم جبر
كرم جبر


الأرجح أن التسجيل الصوتى للرئيس جمال عبدالناصر مع العقيد معمر القذافى صحيح، وليس مزيفاً أو بالذكاء الإصطناعي، لأن مرارة الهزيمة فى حرب ١٩٦٧كانت صدمة إفاقة عنيفة وموتاً إكلينيكياً، ولكن لماذا التسريب الآن بعد ٥٥ سنة؟
لم يعشق أحد العروبة مثل عبد الناصر، ولم يكتوِ أحد بنار العروبة مثل عبد الناصر، لم يكن يريد الحرب مع إسرائيل، ولكن تم توريطه من لوبى الشعارات الكاذبة، ولو عدنا لمذكرات رئيس الأركان المرحوم الفريق أول محمد فوزى، يؤكد أن عبدالناصر أرسله لسوريا قبل الحرب بأيام لدراسة الموقف، بعد الغارات الإسرائيلية على دمشق.
أكد فوزى فى تقريره أن البعث السورى ضخّم فى خسائر لم تحدث، ورغم ذلك انطلقت مظاهراتهم فى سوريا والعراق وفلسطين تسب عبدالناصر بأبشع العبارات، وأنه خائن للعروبة وللقضية الفلسطينية، ولا يصلح أن يكون زعيماً للعرب، واكتملت «مؤامرة الكماشة»، لإدخال مصر حرباً لم تكن تريدها ولا مستعدة لها.
عبدالناصر لم تكسره الهزيمة فقط، بل الشماتة والتشفى، وأماتت بداخله الحلم القومى الكبير، وجعلته لا يبتسم ويعمل ليل نهار، لاسترداد الكرامة والكبرياء والتصدى للطيران الإسرائيلى الذى كان يعربد فى الأجواء المصرية شمالاً وجنوباً، ولم يكن أمامه إلا أن يقبل مبادرة روجرز لالتقاط الأنفاس، والإعداد للحرب.
كان عبدالناصر ينزف دماً وأحزاناً، فى الوقت الذى زاد فيه هجوم الشامتين العرب، والزعم بأن تحرير فلسطين مهمة مصر، هم أنفسهم البعث السورى والعراقى وفتح والصاعقة، متهمين عبدالناصر بأنه استدرج العرب لهزيمة مدوية، وأنه مسئول عن ضياع الضفة الغربية والقدس.
ليس معنى التسريب الذى أعتقد صحته أن عبدالناصر كان مناضلاً فى الخطابات العلنية، ومهادناً فى اللقاءات السرية، ولكنه أراد أن يقدم النصح والمشورة للعقيد القذافى، الذى امتطى هو الآخر خيول القوة الزائفة، مطالباً مصر بتحرير فلسطين دون أن يتحمل مثل غيره شيئاً، ولو استوعب القذافى ما قاله عبد الناصر، لكانت نهايته أفضل بكثير.
عبدالناصر أدرك متأخراً أن أوراق اللعبة سلماً وحرباً فى يد أمريكا، وأنه تسرع فى الوقوع فى المصيدة وإعطاء إسرائيل الذرائع للعدوان، بعد إغلاق مضيق تيران وطرد قوات الطوارئ الدولية، وفاض به الكيل وهو ينصح القذافى: «يا معمر، اللى عايز يحارب، أنا مستعد أدى له فلوس وأدى له سلاح وأبعته يحارب، إنما مش كل واحد يقعد يزعق ويقول: حنحرر فلسطين، الكلام سهل، اللى عايز يحارب يتفضل».
اعتراف ناصر جاء بعد فوات الأوان، وهو ما أدركه الرئيس السادات، فلم يتراجع أو يهتز عندما اتهموه هو الآخر بما هو أبشع من العمالة والخيانة، وأنشأوا ضد مصر جبهة الصمود والتصدى، من سوريا والعراق، وليبيا والجزائر واليمن وفتح، لعزل مصر سياسياً، وقطعوا العلاقات، وحاولوا تجويع شعبها.. وهو ما لم يفعلوه مع إسرائيل.
غداً: النكسة وتهجير أهالى مدن القناة.