محمد الشماع يكتب: على باب «تياترو» جورج أبيض

محمد الشماع
محمد الشماع


الجو العام في شارع 26 يوليو أوائل القرن الماضي كان مبهجاً. أنوار المسارح تُضاء ليلاً، وحركة البيع والشراء في أشهر محلات الأزياء المصرية مستمرة حتى يمر النهار. ولكن في لحظة توقف فيها الزمن عند شاب قاهري، أنهى دراسته الثانوية عام 1914، وقرر أن يكون محامياً، فدرس في مدرسة الحقوق تمهيداً لذلك، لكن وفاة أبيه جعلته يذهب إلى محافظة (البحيرة) يراعي أرضاً ورثها عن الأب الراحل.

 
كانت أحلام هذا الشاب تتجاوز بكثير قطعة الأرض وبيع وشراء المحاصيل التي تنتجها. جاء إلى القاهرة مجدداً، وسار في شارع 26 يوليو قبل غروب يوم ما، وجد رجلاً انتصفت به الثلاثينيات، وقوراً زحف اللون الأبيض على رأسه في عز شبابه، يجلس على كرسي خشبي أمام "تياترو" في منتصف الشارع بالضبط، سأله لو هناك فرصة لوظيفة شاغرة، ففاجئه الرجل الوقور بقوله: هل تحفظ شيئاً من الشعر أو ممن ألقاه ظرفاء العرب أو سياسييهم؟. أسقط الشاب في يده، لكنه كان يحفظ مشهداً تاريخياً مهماً، وهو مشهد دخول الحجاج بن يوسف الثقفي إلى الكوفة والياً على العراق. فأبدى الوقور استعداداً للسماع، وبدأ الشاب الصغير يلقي الخطبة.
عاد الشاب إلى سنة 75 هجرية، ارتدى في داخله عباءة وعمامة الحجاج بن يوسف، تخيل أنه يدخل المسجد الجامع بالكوفة، فيرى في عيون الناس نظرة غضب من الوالي الجديد، ممزوجة بتساؤل عن تولية رجل من بني أمية للعراق، صاحبة عهد آل البيت وورثته من العباسيين الذين سيأتون بعد ذلك بسنوات قليلة. تخيل نفسه يتجه إلى منبر الجامع ويقول: يا أهل الكوفة، أما والله إني أحمل الشر بحمله، وأخذوه بنعله، وأجزيه بمثله، وإني أرى لأرى أبصاراً طامحة، وأعناقاً متطاولة، ورؤوسا قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها.


انتهى الشاب من إلقاء الخطبة كما انتهى الحجاج. إلا أن المتلقي كان مختلفاً، الخوف سيطر أكثر على وجوه كل من كانوا في المسجد الجامع بالكوفة، بينما الانبهار والإعجاب ارتسما على قسمات وجه الرجل الجالس أمام "التياترو"، الذي قاوم رغبة في التصفيق لأداء الشاب الصغير، ولكنه اكتفى بأن هب من على كرسيه، ليأخذه من يده ويدخل به إلى "التياترو". كان أنظار الشاب مشدوهة بكراسي الجمهور والخشبة والديكورات والنجوم الذين يقفون على المسرح في تلك اللحظة لأداء بروفة مسرحيتهم التي يؤدونها ليلاً. لم يسمع الشاب ما قاله الرجل الوقور لأعضاء الفرقة، ولا عن تقديمه لهم ولا تقديمهم له، لكن هاستفاق عندما سمع الرجل يقول لهؤلاء النجوم: هذا الشاب من الآن عضوا في الفرقة.


كل هذا والاثنان لا يعرفان بعضهما، لا يعرفان حتى أساميهم ولا كينونتهم، فقط شاب يسير في الشارع تقذفه الظروف لرجل يجلس أمام "تياترو" هذا كل شيء. إلا أن الرجل الوقور بادر بالتعريف فقال: أنا جورج أبيض، صاحب هذه الفرقة وهذا التياترو، وأنت؟ فرد الشاب: وأنا عبدالوارث عسر!


من هنا، وفي هذه اللحظة، ازداد الجو المبهج بهجة، لكنه تكهرب فجأة عندما قرر جورج أبيض أن يقف عبدالوارث على خشبة المسرح في نفس الليلة. لا استعداد، ولا تهيئة، ولا معرفة كافية عن الدور الذي يجسده، ولا المسرحية المعروضة، ولا حتى نبأ يفرح أسرته، ولا أي شيء. جاء الليل سريعاً، وبدأ الجمهور يتوافد، بينما كل النجوم يستعدون للظهور على المسرح يؤدون عرض "الساحرة"، وفجأة فتح أحد العاملين في المسرح جزءً من الستار ليدخل الشاب عبدالوارث ويقوم بدوره الذي أعطاه له جورج، وهو دور "قس" صغير لا يتكلم، ولا يؤدِ أي حركة، سوى دخول هادئ وخروج أكثر هدوءاً.


لم يدر عبدالوارث ماذا حدث على خشبة المسرح، لكنه بمجرد انتهاء المسرحية أدرك الشاب الصغير أنه وقف إلى جوار عتاولة زمانهم: عزيز عيد وخليل مطران وعبدالرحمن رشدي المحامي، والأخير كان الأقرب للشاب عبدالوارث، فأخبره أنه غير راضٍ على التراجيديا التي تقدمها الفرقة. في أول يوم لمح رشدي في عيني عبدالوارث نظرة التمرد، ولما توطدت علاقتهما، رغب رشدي في الانفصال عن فرقة جورج أبيض، وتكوين فرقة خاصة، تقدم اللون الاجتماعي الكوميدي. الفكرة براقة، وجذبت الممثل الشاب الطموح، الذي كان يريد أن يقدم شيئاً حياً من واقع المجتمع، لا من كتب التاريخ والتراث. 


ذهب عبدالوارث في الأيام التالية إلى حيث جورج أبيض، فوجده يجلس نفس جلسته أمام المسرح يراقب المارة وينتظر شاباً آخر قد يكون مثل الشاب الذي ألحقه لتوه إلى المسرح. ألقى عبدالوارث التحية، ورغب في إكمال خطبة الحجاج، عندما قال: قد شمرت عن ساقها فشدوا.. وجدت الحرب بكم فجدوا/ والقوس فيها وتر عرد.. مثل ذراع البكر وأشد. ثم استأذنه في أن يذهب إلى فرقة رشدي، ضحك جورج أبيض من رغبة الشاب الجامحة لتمثيل اللون الكوميدي الاجتماعي سريعاً قبل أن يثقل موهبته التراجيدية. كان هذا رأي جورج، لكن طموح الشاب كان أقوى. 


الجو العام في فرقة رشدي كان أكثر لطفا وحركية وكوميدية. جال عبدالوارث كل مدن مصر، ذهب إلى كل شبر أرض فيها، ممثلاً وباحثاً عن ما هو جديد. استلهم من كل طبقات المجتمع، ألف مسرحيات وصار بطلاً مهماً في تاريخ الفن المصري، تزوج وأنجب لوتس وهاتور. 


بعد سنوات عادت اللحظة التي توقف فيها الزمن، اللحظة التي وقف فيها أمام جورج أبيض، يلقي خطبة الحجاج، لكن اللحظة تحولت من لحظة ضياع ويأس ورغبة في وظيفة، إلى لحظة عرفان ونبل من عبدالوارث عسر لجورج أبيض، لحظة اعترف فيها الشاب الطموح بصحة وجهة نظر أستاذه الكبير. لم يبح بالاعتراف قولاً أمام جورج الجالس على باب "التياترو"، لكن أدواره التراجيدية التي جسدها طوال حياته أباحته فعلاً.