يوميات الأخبار

أشهر لكمة فى تاريخ الأدب!

د. ياسر ثابت
د. ياسر ثابت


بينما هوى جارسيا ماركيز المصدوم إلى الأرض والدماء تسيل من وجهه، هرعت بونياتوسكا لجلب شريحة لحم لتضعها على عينه.
 

لكمة دخلت التاريخ

ربما تستحق هذه اللكمة أن تدخل التاريخ.

فاللكمة كانت بين كبيرين فى عالم الأدب اللاتينى، بل والعالمى.

ليلة توجّهت الصحفية والروائية إلينا بونياتوسكا إلى عرضٍ أولٍ لفيلم فى مكسيكو سيتى، لم تكن تعلم أنها على وشك أن تشهد الشجار الأدبى الأكبر فى القرن، حين اشتبك اثنان من الفائزين المستقبليين بجائزة نوبل. كان ذلك فى 12 فبراير 1976، وانتهى المطاف ببونياتوسكا جالسةً إلى جانب الكاتب الكولومبى جابرييل جارسيا ماركيز وزوجته مرسيدس لمشاهدة الفيلم الوثائقى «أوديسة الإنديز» وكان صديق جارسيا ماركيز، الكاتب البيروفى ماريو فارجاس يوسا، يحضر العرض أيضًا.

تستذكر بونياتوسكا (92 عامًا) ما جرى: «جلستُ إلى جانب جابرييل جارسيا ماركيز بالمصادفة».

بابتسامة تعلو وجهه، اقترب ماركيز من يوسا فاتحًا ذراعيه ليعانقه كعادته، «لكن فارجاس يوسا لكمه فى وجهه»، بحسب بونياتوسكا التى روت الحادثة التى تصدّرت العناوين وظلّت خالدة فى صورتين بالأبيض والأسود.

وبينما هوى جارسيا ماركيز المصدوم إلى الأرض والدماء تسيل من وجهه، هرعت بونياتوسكا لجلب شريحة لحم لتضعها على عينه، وهى لقطة اشتُهِرت لاحقًا.

وبحسب تقارير صحفية فى ذلك الوقت، صرّخ فارجاس يوسا قائلًا إنّ اللكمة كانت بسبب «ما فعلته بباتريسيا»، فى إشارة إلى زوجته وابنة عمّه فى آنٍ واحد. ولم يُكشف أبدًا عن ماهية ما حدث تحديدًا، كما حاول الكاتبان إبقاء الشجار فى السينما طىّ الكتمان، رغم أنّه غذّى الشائعات حول علاقات غرامية.

نهض ماركيز وابتسم، ووجهه ملىء بالكدمات، ولم يُفصح عن السبب. 

ترك الرجلان حتى وفاتهما سرّ هذه المواجهة العاصفة مدفونًا فى صدريهما. هل جاءت تلك اللكمة نتيجة لخلاف سياسى كما أثير؟ أم أنها جاءت نتيجة خلاف شخصى يتعلق بعلاقة غرامية أو جرّاء تدخُّل ماركيز فى زواج يوسا المنهار؟ 

هذا المشهد بحدّ ذاته أصبح لغزًا لرواية لم تُكتب.

وقد كشف الصحفى المكسيكى خوليو شيرير لاحقًا فى كتاب أنّ فارجاس يوسا طلب منه عدم الكتابة عن العراك الشهير. ويُقال إنّ الكاتبين انقطعت بينهما العلاقة وتباعدا لعقود.

وبعد أكثر من ثلاثين عامًا، كتب فارجاس يوسا مقدّمة الطبعة الخاصة بالذكرى الأربعين لرائعة جارسيا ماركيز «مئة عام من العزلة»، وشوهد الرجلان مجددًا معًا فى مناسبة عامة. وكان ذلك تزامنًا مع عيد ميلاد جارسيا ماركيز الثمانين، حين نشر المصوّر الصحفى رودريجو مويا أخيرًا صوره للكدمة التى ظهرت على وجه الكاتب الكولومبى بعد العراك.

غير أنّ ثمة فرضية ثانية للشجار. رغم أنه كان من أوائل المؤيدين للثورة الكوبية بقيادة فيديل كاسترو، فإنّ فارجاس يوسا أصيب بخيبة أمل لاحقًا، ووجّه انتقادات قاسية لنظام كاسترو. وبحلول عام 1980، أعلن أنه لم يعد يؤمن بالاشتراكية كحلّ للدول النامية. ومن هنا اصطدم بصديقه القديم جارسيا ماركيز بسبب دفاعه عن كاسترو، وعلاقته الوثيقة بالزعيم الكوبى بالرغم من أن ماركيز توسط لدى السلطات لإطلاق سراح الشاعر الكوبى هيربيرتو باديا، الذى سُجن فى 1971 لمعارضته حكم كاسترو. ولاحقًا، وصف يوسا صديقه جارسيا ماركيز بأنه «محظية كاسترو».

أما المترجم جريجورى راباسا، الذى عمل على كتب لكلٍّ من العملاقين من أمريكا اللاتينية، فقال لمجلة «باريس ريفيو» عام 2019 إنّ الحادثة وقعت بعد أن نصح جارسيا ماركيز باتريسيا بترك فارجاس يوسا بسبب علاقة غرامية، وهو ادّعاء لم تؤكّده بونياتوسكا. وقالت: «لم أعرف شيئًا قط، ولم أرغب فى التحقّق. هذا ليس من شأنى».

عاشق السيارات

من أثرياء الأسرة العلوية التى حكمت مصر نحو 150 عامًا، تردد اسم الأمير عزيز حسن (1873-1925) حفيد الخديو إسماعيل، صاحب إحدى أولى السيارات التى جُلِبت إلى مصر وكانت من نوع «دو ديون- بوتون» De Dion Bouton الفرنسية، وجاء بها إلى مصر عام 1890 فكان أول عهد للمصريين بالسيارات.

كان الأمير يقود السيارة أولًا داخل الحدائق الملكية حتى قرر عام 1904 القيام برفقة صديقين برحلة طولها 210 كيلومترات بين القاهرة والإسكندرية، قطعتها السيارة فى وقت يربو قليلًا على الساعات العشر برغم مئات المصاعب التى لقيها السائق بسبب انعدام الطرق المعبدة والجسور. وكان للرحلة كلفة إضافية تكبَّدها الأمير، هى تعويضات دفعها للفلاحين بسبب الأضرار التى لحقت بزراعتهم ومواشيهم.
ولا شك فى أن الأمير عزيز حسن شجَّع الأثرياء على اقتناء السيارات، حتى وصل عددها عام 1905 إلى 110 سيارات فى القاهرة، و56 سيارة فى الإسكندرية. وبدا طبيعيًا، أن يصبح الأمير عزيز حسن أول رئيس للنادى المصرى للسيارات، والذى تأسس تحت رعاية الخديو عباس حلمى، وكان مقره المبنى رقم 25 بشارع المدابغ (لاحقًا شارع شريف فى القاهرة)، وبرسم اشتراك سنوى يبلغ خمسة جنيهات مصرية، ورسم دخول قدره ستة جنيهات. تجسَّدت مهمة النادى فى جمع محبى السيارات من المصريين والأجانب، وتركزت أنشطته فى تنظيم السباقات، ومنها سباق السيارات بشبرا عام 1905، وسباق عند سفح الهرم وآخر فى هليوبوليس عام 1908، وبعد فشل سباق هليوبوليس عام 1911 أغلق النادى أبوابه.

بحلول عام 1927، أشارت إحصائية إلى أن فى مصر 8 آلاف سائق مرخص لهم، و21 ألفًا من أصحاب السيارات، من بينهم 700 سيدة بين مصرية وأجنبية.

الشماتة

يحار كثيرون فى تفسير حالة الشماتة فى الآخرين، سواء لوفاتهم أوخسارتهم أو انتكاسهم ماليًا أو صحيًا أو حتى سياسيًا. ربما جاز القول إن الشماتة هى تجربة المتعة أو الفرح أو الرضا عن النفس التى تنبع من معرفة أو مشاهدة مشاكل أو إخفاقات أو آلام أو معاناة أو إذلال شخص آخر.

وإذا كانت الأديان والحضارات الإنسانية شددت على أنه لا يليق بالمرء أن يشمت بأخيه الإنسان، أو أن يُظهِر الفرح بعيبه ونقصه أو خسارته، فإن هذه المشاعر السلبية والسوكيات المنفرة ما زالت تجد لها أرضًا وتتكرر مع أحداث مختلفة، منها رحيل شخصيات معروفة أو مرضها وغير ذلك من أمور.

يصف الفيلسوف أرتور شوبنهاور الشماتة بأنها أشر ذنب فى الشعور الإنسانى، ويقول: «أن تشعر بالحسد هو أمر إنسانى، أن تستمتع بالشماتة هو أمر شيطانى».

هذا الحقد والبغض أمرٌ مذموم. وقد يكون لتقدير الذات علاقة سلبية بتواتر وشدة الشماتة التى يعانى منها الفرد؛ فالأفراد ذوو تقدير الذات المنخفض يميلون إلى تجربة الشماتة بشكل أكثر تكرارًا وشدة.

 الشماتة القائمة على التنافس هى شعورٌ فردىٌ ومرتبطٌ بالمنافسة بين الأشخاص. تنبع من رغبة المرء فى التميز عن أقرانه والتفوق عليهم. هذه الشماتة القائمة على مصيبة شخصٍ آخر تُثير السرور لدى البعض لأن الراصد يشعر الآن بتحسنٍ تجاه هويته الشخصية وقيمته الذاتية، بدلًا من هويته الجماعية.

تبقى الشماتة أمرًا مكروهًا ومنفرًا بكل المقاييس. ولعلنا نذكر هنا أن النَّبى الكريم صلى الله عليه وسلم كان يتعوَّذ مِن سوء القضاء، ومِن درك الشَّقاء، ومِن شَمَاتَة الأعداء، ومِن جهد البلاء.

آمين!