عادةً، يُعتبر الدولار الأمريكي هو المرفأ الذي تلجأ إليه السفن الهاربة من عواصف الاقتصاد العالمي، ولطالما كان الدولار هو العملة التي تُسعَّر بها السلع، وتُعقد بها الصفقات، ويُدار بها اقتصاد العالم.
عُملةٌ.. وُلدت من رحم القوة الصناعية والعسكرية، وتربّت على عرش الأسواق لعقود، لكن، ما يحدث اليوم يعكس مفارقة مقلقة ــــ فالعملة التي طالما مثلت الأمان، «أصبحت هي مصدر القلق».
ليس لأنها ورقة مطبوعة تحمل شعار الولايات المتحدة، بل لأنها كانت تمثل لعقود حجر الأساس في النظام الاقتصادي العالمي، والملاذ الأخير في الأزمات، واللغة التي يتحدث بها المستثمرون من طوكيو إلى نيويورك، لكن ذلك، كان ساريًا حتى تغير شيئ ما...
فمنذ مطلع هذا العام، بدأت قيمة الدولار تتآكل… بهدوء، ثم بسرعة، حيث خسر الدولار الأمريكي أكثر من 9% من قيمته أمام سلة من العملات الرئيسية ــــ في مشهدٍ لا يمكن فصله عن تصدّع الثقة في قلب الاقتصاد الأمريكي، بحسب تحليل لمجلة «ذي إيكونوميست» الأمريكية.
ولم يكن ذلك، بسبب أزمة عابرة أو قرار مُفاجئ، بل لأن الأسواق العالمية بدأت تطرح سؤالًا هامًا:
«هل ما زالت أمريكا كما يعرفها العالم؟ وهل يبقى الدولار الأمريكي ذلك الرمز الآمن الذي يحتمي به العالم من اضطرابات الأسواق العالمية؟».
اقرأ أيضًا| أمريكا بلا مكابح.. ترامب يضغط على زر الفوضى الاقتصادية
الأكثر إثارة للقلق، أن هذا الانخفاض يأتي رغم ارتفاع عوائد سندات الخزانة، التي عادةً ما تجذب المستثمرين الأجانب، فحين تهرب الأموال رغم وعود العائد المرتفع، فالمشكلة لا تكمن في الأرقام، بل في الإيمان الذي بدأ يتآكل.
لكن منظومة الهيمنة هذه تستند إلى توازنات دقيقة، وهي الثقة في الاقتصاد الأمريكي، ومصداقية الاحتياطي الفيدرالي، واستقرار المؤسسات السياسية.
وحين تهتز هذه الأعمدة ــــ كما حدث في فترات اضطراب سياسي غير مسبوق مع إدارة ترامب، والآن مع تصاعد الديون وضعف الأداء الاقتصادي ـــــ تبدأ علامات القلق في الظهور.
حتى كبار مديري الأصول الدولية الذين اعتادوا الاعتماد على سندات الخزانة كسند أمان، أصبحوا يتخلصون تدريجيًا من حيازاتهم الدولارية، فيما يشبه إعادة رسم لخريطة الثقة العالمية.
أزمة من صُنع البيت الأبيض
لم تأتِ هذه الأزمة من فراغ، بل بدأت من قلب البيت الأبيض، فحرب ترامب التجارية الطائشة أدت إلى رفع الرسوم الجمركية الأمريكية بنحو عشرة أضعاف، مما أحدث ارتباكًا واسعًا في الأسواق العالمية، بعد أن كان يُنظر لـ الاقتصاد الأمريكي كواجهة استقرار عالمي، أصبح اليوم مهددًا بالركود.
حيث قطعت الرسوم الجمركية الأمريكية سلاسل التوريد، ورفعت مستويات التضخم، وأثقلت كاهل المستهلك الأمريكي.
ديون قياسية وعجز مُتصاعد
رسوم ترامب الجمركية تعتصر الدولار الأمريكي pic.twitter.com/rdr9hNc3Db
— جريدة المال (@AlMalWeb) April 16, 2025
وسط هذا المشهد المضطرب، يتفاقم الوضع المالي الأمريكي بشكل غير مسبوق، حيث يقترب صافي الدين من 100% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما وصل عجز الموازنة إلى 7% خلال العام الماضي ـــــوهو رقم صادم لاقتصاد «كان يُصنَّف سليمًا».
ورغم هذا التدهور، يسعى الكونجرس لاقتراض المزيد لتمويل التخفيضات الضريبية الجديدة المقترحة من الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب.
ففي 10 أبريل، أُقر مخطط ميزانية قد يضيف 5.8 تريليون دولار لعجز الدولة خلال العقد المقبل، وفقًا لتقديرات مؤسسة فكرية معنية بالموازنة.
وهذه الأرقام تعني أن العجز السنوي سيرتفع بنقطتين مئويتين إضافيتين، متجاوزًا القيمة الإجمالية لكل التخفيضات والإنفاقات الطارئة في عهد ترامب الأول، وجائحة كوفيد-19، وبرامج تحفيز جو بايدن.
اقرأ أيضًا| الصحف البريطانية تقرأ بين سطور ترامب: «هذه ليست مجرد رسوم.. إنها رسالة»
تخبط سياسي وفقدان ثقة
ما يجعل الأزمة أكثر خطورة هو أن الأسواق لم تعد تثق في قدرة إدارة ترامب على إدارة الأمور بكفاءة، فقرارات الرسوم الجمركية الأمريكية المتسرعة، والإعفاءات المتناقضة، والسياسات المتذبذبة، أضرت بثقة المستثمرين.
والأخطر أن بعض مستشاري البيت الأبيض بدأوا يتحدثون عن التخلي عن الدولار كعملة احتياطية عالمية، وهو ما يُعد انقلابًا على أحد أهم المبادئ الاقتصادية الأمريكية منذ عقود.
ضغوط على الاحتياطي الفيدرالي
ترامب لا يتردد في الضغط على البنك المركزي لخفض أسعار الفائدة، رغم أن القوانين الأمريكية تمنعه من إقالة محافظي البنك كيفما يشاء، لكن بحلول 2026، سيتمكن من تعيين رئيس جديد للمجلس قد يكون أكثر طواعية في تنفيذ رغباته.
وفي الوقت نفسه، سياسات ترامب الأخرى ـــــ مثل ترحيل المهاجرين قسرًا أو تهديد الشركات القانونية ــــ ترسل رسائل سلبية للمستثمرين والدائنين الأجانب حول استقرار النظام الأمريكي وحماية الحقوق.
مخاطر حقيقية على الأصول الأمريكية
💶💵 في واحدة من أقوى الهزات التي شهدتها #الأسواق_العالمية هذا العام، أدى التصعيد الأمريكي في #الرسوم_الجمركية، خصوصا تجاه الصين، إلى تغيرات حادة في مؤشرات المال والعملات#دونالد_ترامب #بكين#الذهب #اليورو #الدولار pic.twitter.com/yiuq8ZEHKS
— فرانس 24 / FRANCE 24 (@France24_ar) April 11, 2025
بسبب كل هذه السياسات، أصبحت الأصول الأمريكية مُحمّلة بمخاطر إضافية، ويمتلك الأجانب 8.5 تريليون دولار من الدين الحكومي الأمريكي ــــ وهو حوالي ثلث إجمالي الدين، وأكثر من نصف هذه الاستثمارات في يد شركات ومؤسسات خاصة لا يمكن طمأنتها بالسياسة أو التهديدات.
ومع حاجة أمريكا لإعادة تمويل 9 تريليونات دولار من ديونها خلال العام المقبل، فإن ضعف الإقبال على شراء السندات سيضع الميزانية الأمريكية تحت ضغط مباشر، خاصة مع ارتفاع الفوائد وقصر آجال استحقاق الديون.
اقرأ أيضًا| ضربة قاتلة للاقتصاد الأمريكي.. «ذي إيكونوميست» تحلل ما وراء جنون ترامب الجمركي
ماذا سيفعل الكونجرس عندما تقع الكارثة؟
في الأزمات الكبرى ـــــ مثل الأزمة المالية العالمية وجائحة كورونا ــــ كان رد فعل الكونجرس سريعًا وحاسمًا، لكنه كان يعتمد وقتها على ضخ الأموال، لا تقليصها.
وهذه المرة، الوضع مختلف وخطير؛ إذ سيضطر المشرّعون إلى اتخاذ قرارات صعبة مثل خفض الاستحقاقات الاجتماعية ورفع الضرائب بشكل عاجل.
لكن بالنظر إلى الانقسام السياسي داخل الكونجرس والبيت الأبيض، يبدو أن الأسواق ستضطر إلى ممارسة ضغوط قاسية قبل أن تتفق الحكومة على خطة إنقاذ.
ومع هذا التردد، قد تمتد الأزمة من سندات الخزانة إلى النظام المالي بأكمله، مهددة بوقوع حالات إفلاس وانهيارات ضخمة لصناديق التحوط ــــ تمامًا كما يحدث عادةً في اقتصادات الأسواق الناشئة.
مُعضلة الاحتياطي الفيدرالي.. الإنقاذ أم الانهيار؟
في هذا المشهد القاتم، سيجد الاحتياطي الفيدرالي نفسه أمام خيار معقد، فهل يتدخل بشراء الأصول لطمأنة الأسواق واستعادة الاستقرار؟ أم يمتنع عن ذلك كي لا يظهر وكأنه يُموّل حكومة (الحكومة الأمريكية) افقدت مصداقيتها ــــــ خاصة في ظل التضخم المرتفع؟
والمعضلة الأكبر.. هي: هل يستطيع البنك المركزي الأمريكي أن يوازن بين الإقراض الطارئ وتجنب طباعة النقود لتمويل العجز؟
وإذا قرر عدم إنقاذ إدارة ترامب، فهل سيبقى مُستعدًا ــــ كما في الأزمات السابقة ــــ لتوفير الدولارات للبنوك المركزية الأجنبية التي تُواجه شح السيولة؟؟؟
أما عن قوة الدولار الأمريكي، فهي ليست بمعزل عن قوة الحكومة الأمريكية التي تدعمه، وكلما طال تردد الساسة الأمريكيين في التعامل مع أزمتهم المالية، أو ازداد تخبطهم نحو سياسات فوضوية وتمييزية، اقتربنا من لحظة ثورة مالية عالمية تدفع بالنظام النقدي إلى المجهول.
وحينها، سيعني تراجع دور الدولار خسارة استراتيجية ضخمة لأمريكا، لأنه رغم استفادة بعض المُصدّرين من ضعف العملة، إلا أن هيمنة الدولار هي ما يُبقي تكلفة التمويل منخفضة لكل شيء ــــ من قروض المنازل إلى تمويل الشركات الكبرى.
اقرأ أيضًا| ضرائب خفية.. تحليل ارتدادات رسوم ترامب الجديدة على جيب المواطن الأمريكي
هل هناك بديل عن الدولار؟
في تحليل لمجلة «ذي إيكونوميست»، يُشَار إلى أنه بالرغم من المشكلات المستمرة التي يواجهها الدولار الأمريكي، إلا أنه لا يزال في موقعه كعملة لا يُمكن استبدالها على مستوى العالم.
فالعملة الأوروبية الموحدة "اليورو" تدعم اقتصادًا قويًا، لكنها تفتقر إلى الأصول الآمنة التي تُعزز استقرارها.
في المقابل، تعتبر سويسرا من البلدان الآمنة، ولكن اقتصادها صغير ولا يستطيع أن ينافس على نطاق عالمي.
أما اليابان، فهي تمتلك اقتصادًا ضخمًا، إلا أنها مثقلة بالديون مما يُحد من قدرتها على التوسع في الساحة المالية العالمية.
بينما الذهب والعملات الرقمية، رغم شعبيتها، تفتقر إلى الدعم الحكومي ولا يمكنها أن توفر الاستقرار الذي يحتاجه السوق العالمي.
وبينما يبحث المستثمرون عن ملاذات بديلة، قد يشهد العالم تقلبات شديدة بين فترات ازدهار وركود، مما سيزيد من حالة عدم الاستقرار الاقتصادي على مستوى العالم.
ورغم أن نظام الدولار الأمريكي ليس مثاليًا، إلا أنه الأرضية الصلبة التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي اليوم.
وعندما يفقد المستثمرون ثقتهم في الجدارة الائتمانية الأمريكية، تتعرض هذه الأسس لخطر الانهيار....



ترامب يندد بتصويت مجلس النواب لصالح إنهاء حرب إيران
المرشد الإيراني: أمريكا وإسرائيل تسعيان لـ«زرع الانقسام» بين الإيرانيين
خلال زيارته لليابان.. وزير الخارجية يجري حوارًا مع قناة «NHK»







