اكتسى شارع الصحافة المصرية والعربية بالسواد والحزن فى الثالث عشر من إبريل عام 1997 يوم رحيل الكاتب الكبير مصطفى أمين «عملاق دار أخبار اليوم» عن عمر يناهز 83 عاما، بكاه تلاميذه، وتلاميذ تلاميذه، ومحبوه من كل الأعمار الذين احتشدوا عند مبنى «أخبار اليوم» الذى تعودوا أن يأتوا إليه انتظارا لوصوله ليسلمه كل صاحب طلب ما يريد، وكانت طلبات الجميع تلبى بعد دراستها من مؤسسة مصطفى وعلى أمين الخيرية، والمساعدات التى كانت تلبى فى «ليلة القدر».
اقرأ أيضًا| «قرنٌ من الريادة في الصحافة ».. «المصور» تحتفل بمئويتها الأولى
28 عاما مرت على غياب عملاق الصحافة وبقيت منه كل إنجازات الخير التى مازالت مستمرة من بعده فى العديد من المجالات، رحم الله أستاذنا ومعلمنا ورائد صحافة مؤسسة «أخبار اليوم» العريقة التى أفرخت كل نجوم الصحافة المصرية والعربية، وتقدم «كنوز» فى ذكرى رحيله تفريغا للحوار التليفزيونى الذى أجرته معه الأديبة والإعلامية الفلسطينية «ليلى الأطرش» لحساب التليفزيون القطرى بمكتبه فى «أخبار اليوم» عام 1993.
عشت فى بيت سعد زغلول، فهل سهل لك ذلك العمل بالصحافة ؟
أسرتى كانت ضد اشتغالى بالصحافة، كان لديهم اعتقاد أن من كبريات المصائب أن يعمل أحد أفراد الأسرة بالصحافة، لأن الصحفيين كانوا فى ذلك الوقت من ساقطى الشهادات العليا، وكان فى كل جريدة صحفى كبير فقط، والباقى «صحفيين صغيّرين» جداً، وكان يُلاحظ على الصحفى أن ملابسه غير لائقة، تتعرف عليه فى أى اجتماع من ملابسه المتواضعة، إلى أن تولى د.حافظ عفيفى رئاسة تحرير جريدة «السياسة»، فأتى لكل صحفى بريند جوت وسترات وسموكينج فظهروا فى مظهر الوزراء!
هل قربك من سعد زغلول أثر على أفكارك ؟
تفتحت عينى على ثورة 19 عندما كان عمرى خمس سنين، رأيت المعارك بين المصريين والإنجليز أمام بيت سعد زغلول وهو «بيت الأمة»، ولم أكن أسمع الحواديت التى تقال للأطفال فى مثل سنى، رأيت وسمعت حواديت وأحاديث الثورة !
اقرأ أيضًا| «قرنٌ من الريادة في الصحافة ».. «المصور» تحتفل بمئويتها الأولى
دخلت السجن فى عصر الملك وعصر عبد الناصر.. فما الفارق ؟
فى العصر الملكى كان يُقبض عليّ فى الصباح ويُفرج عنى فى المساء، احُتجزت فى 1951، 21 مرة وكان يفرج عنى فى نفس اليوم، وسجنت فى عهد عبد الناصر 8 سنين ونص!
لماذا درست العلوم السياسية فى أمريكا ولم تدرس الصحافة ؟
سافرت لأمريكا والتحقت بجامعة «جورج تاون» رغماً عنى، أردت أن أدرس الصحافة لكن والدى رفض واختار لى أكبر جامعة للعلوم السياسية فاخترت مواد أقرب للصحافة وحصلت فيها على درجة الماجستير.
كذبت على أم كلثوم.. فهل الغاية تُبرر الوسيلة ؟
أنا قلت لها إننى يتيم وأعول إخواتى السبعة، وإذا لم أحصل على الحوار المُكلف به سيتم فصلى من الجريدة، فتأثرت جداً وأعطتنى الحوار.
كيف نحافظ على تراث عباقرة الكتابة والغناء والموسيقى ؟
بإطلاق أسمائهم على الشوارع والميادين وعمل تماثيل لهم ومنهم سيد درويش، وعبد الوهاب، وأم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، نعاملهم بمثل معاملة الزعماء والسياسيين.
اقرأ أيضًا| 80 عاماً أخبار اليوم| غاندي وتشرشل وبرنارد شو يكتبون على صفحات جريدة الملايين
لماذا صفعك أحمد رامى على وجهك ؟
كان يدرس لنا مادة الترجمة بالمدرسة، وبسبب غلطة بسيطة صفعنى على وجهى !
وكيف عرفت محمد عبد الوهاب؟
كان يدرس لنا موسيقى وأناشيد بالمدرسة الخديوية الثانوية، بدأ يختبرُ أصواتنا لتكوين فرقة، وقال لى «أنت لا تصلح أبداً للغناء»، الأستاذ أنقذ البلاد من صوتى اللى معجبوش !
وكيف عرفت عبد الحليم حافظ ؟
عمل حفلة فى الإسكندرية وغنى «صافينى مرة» ورفضته الجماهير وأرادت أن تنزله من على المسرح، جالى المكتب وقال لى إنه بيفكر ينتحر! فقلت له : «تنتحر لو لم تذكرك الناس، لكن لو الناس شتمتك أو مدحتك فهذا نجاح لك»، فاقتنع وأصبحنا أصدقاء لأنى آمنت بموهبته.
متى كتبت له فيلم «معبودة الجماهير» ؟
عندما أعطانى الرئيس عبد الناصر إجازة من «أخبار اليوم»، ومُنعت من الخروج من بيتى!
سمعت أنك حاولت أن تمثل على المسرح.
لكثرة مشاهدتى لمسرحيات يوسف وهبى التحقت بفريق التمثيل بالمدرسة، ومثلت.
قلت إن الرئيس عبد الناصر استشارك فى إدخال امرأة بالوزارة ؟
طلب منى أن أرشح له أسماء عشر سيدات فرشحت «أمينة السعيد، وحكمت أبو زيد، وأم كلثوم وأخريات» وأرسلت له الأسماء بالصور، وسألته عن سبب اختياره لحكمت أبو زيد قال: «لأنها غير جميلة» !
وهل كانت أم كلثوم ستنجح كوزيرةٍ للثقافة ؟
أعتقد ذلك، لأنها فنانة مثقفة وذكية وتقرأ وتحفظ الشعر قديمه وحديثه، وتعلمت الفرنسية، ونجحت كنقيبةٍ للموسيقيين، ثقافتها واسعة وكان لها مكانة عربية ودولية.
هل ستعانى الصحافة الورقية فى ظل ثورة الاتصالات ؟
الصحافة الورقية لن تموت طالما ظلت متميزة فى المضمون، وثورة الاتصالات ستكون فى خدمتها وتطوير أدواتها، الجريدة ستُقرأ إليكترونيا وستقدم محتوى مختلفاً ومتجدداً كل دقيقة، وعندما دخل التليفزيون مصر ارتفع توزيع «أخبار اليوم»، الشعب من حقه أن يعرف.
ما الفرق بين الصحفى فى زمانك والصحفيين الآن ؟
الفرق فى الاستعجال، أنا ظللت أكتب 10 سنين بدون توقيع، الصحفى اليوم مش مستعد ينتظر 10 أيام !
كلنا نضحك ونبكى.. فمتى بكيت بالدموع ؟
عندما ماتت أمى، ذهبت أنا وتوأمى لندفنها وعدنا لآخر ساعة للاجتماع بصاروخان للتفكير فى كاريكاتير العدد، لم يحتمل صاروخان الموقف فبكى وانفجرنا فى البكاء معه !
تنادى بحرية الصحفى.. فكيف كنت تتحايل على الرقابة ؟
بدون حرية لا يستطيع الصحفى أن يعمل ويبدع، ومع ذلك كنت أستغفل الرقيب كثيراً، ففى أثناء الحرب العالمية الثانية علمت أن رئيس وزراء بريطانيا سيصل لمصر وكانت التعليمات تمنع النشر، فنشرت فى «أخبار اليوم» خبراً قصيراً قلت فيه: «ننتظر وصول شخصية عظيمة إلى مصر»، ووضعت صورة «السيجار» الذى يتميز به تشرشل، وفاتت على الرقيب، وعندما قامت ثورة 23 يوليو لم يكن أحد يعرف من هو زعيم الثورة، واعتقدوا أن محمد نجيب هو زعيمها، فنشرت أن زعيم الثورة هو جمال عبد الناصر، واعترضت الرقابة، فاتصل عبد الناصر بالرقيب وقال له: أُنشر الخبر!
أهم أمنياتك لصاحبة الجلالة الصحافة ؟
أن تنال الصحافة الحرية المنضبطة فى كل الدول العربية لكى تكون لسان المواطن، الرقابة ستكون بلا فائدة فى ظل السموات المفتوحة والتكنولوجيا التى تخترق كل الحواجز، ووفرة المعلومات تحمى الصحافة من الوقوع فى التخمين والظن والخطأ.
من «حوار تليفزيونى» 1993
«ثومة» تغنى له فى السجن !
كانت سيدة الغناء العربى أم كلثوم وثيقة الصلة بعلى ومصطفى أمين، لدرجة أنها أسهمت فى دعم التوائم النابغة عندما احتاجا للدعم المادى لملاحقة تكاليف «أخبار اليوم» فى بداية الصدور والأعداد الأولى، ويتحدث مصطفى أمين عن هذا الدعم فى كتابه «مسائل شخصية» موضحا أن أم كلثوم مزقت إيصال الأمانة بالمبلغ الذى ساهمت به، ويروى فى ذات الكتاب أنها غنت له وهو مقيد الحرية فى السجن فكتب يقول :

- «دخلت السجن، ووضعونى تحت الحراسة، وصادروا أموالى فى البنك، وكان القرار أن أموت جوعًا، وسدوا علىّ جميع المساعى حتى لا يصلنى قرش واحد من أخى «على» الموجود فى لندن، كنت أعرف أن كثيرين من أصدقائى سوف يقبلون أن يقرضونى فى هذه المحنة، ولكنى رفضت خوفا عليهم، وحدث أثناء سجنى أن جلست أم كلثوم على المائدة مع الرئيس عبد الناصر والمشير عامر ومحمد عبد الوهاب لتناول العشاء بنادى الضباط مساء يوم ٢٣ يوليو ١٩٦٥عقب القبض علىّ بيومين، وقال الرئيس لمحمد عبد الوهاب «طبعًا أنت زعلان علشان قبضت على مصطفى»، فقال عبد الوهاب «أبدًا يا افندم.. المسىء يلقى جزاءه»، والتفت الرئيس لأم كلثوم يسألها رأيها فقالت «أعرف مصطفى وأعرف وطنيته، وأعرف كيف دخل كل مليم فى أخبار اليوم»، فأشاح الرئيس بوجهه واستمرت تدافع عنى، وسعت لدى المشير عبد الحكيم عامر للإفراج عنى لكن سعيها باء بالفشل!
وذات يوم جاء لزنزانتى بليمان طرة عسكرى يخبرنى بأن الدكتور عبد القادر إسماعيل كبير أطباء السجن يريدنى فوراً، فذهبت إليه ووجدته ينظر لى شزراً وهو يقول « اخلع الجاكتة»، دهشت من الغطرسة التى يأمرنى بها، فقد كان رجلاً وديعاً ومؤدباً، وتضايقت لأنه يكلمنى بهذا الجفاء أمام المسجونين الذين فى العيادة، خلعت الجاكيت فقال بنفس اللهجة القاسية: «ارقد على مائدة الكشف»، نمت فوجدته يضع سماعته على جسمى العارى وهو ينحنى قائلا بهمس: «أم كلثوم بتقول لك اسمعها يوم الخميس القادم لأنها ستغنى قصيدة فيها بيتان أو ثلاثة توجههم لك»، جلست فى زنزانتى أنتظر قصيدة أم كلثوم والأبيات الثلاثة، وفى مساء الخميس غنت قصيدة «الأطلال»، وكانت إذاعة السجن تذيع الحفلة على الهواء بناء على إلحاح المسجونين وسمعت أم كلثوم تغنى «أعطنى حريتى.. أطلق يديا.. إننى أعطيت ما استبقيت شيئاً»، انتفضت فى فراشى وأنا أسمع هذه الأبيات، أحسست أننى أتلقى من أم كلثوم رسالة تقتحم بها أسوار السجن، ولم تتوقف بعدها أم كلثوم عن المطالبة بالإفراج عنى، فذات يوم صحبت ابنتى رتيبة وابنتى صفية إلى بيت الرئيس أنور السادات وقابلت السيدة جيهان السادات وتلقت وعداً من السادات بأنه سيفرج عنى بعد المعركة مباشرة وأنه يعرف أننى مظلوم.
مصطفى أمين من كتاب «مسائل شخصية»
نصائح «الأستاذ» لتلميذه أنيس
عندما وقع الاختيار على أنيس منصور لتولى رئاسة تحرير مجلة «الجيل» خلفا لموسى صبرى، أرسل له الكاتب الكبير مصطفى أمين رسالة لا تتضمن سطورها عبارات التهنئة المعتادة، إنما تتضمن مجموعة نصائح يقدمها الأستاذ لتلميذه لتعينه فى مهمته الجديدة وتحقق له النجاح إذا التزم بها، ونشر أنيس الرسالة التى يقول فيها مصطفى أمين :
- «عزيزى أنيس.. إنك ستتولى رئاسة تحرير مجلة «الجيل» ولا تتصور أننى أكتب لك خطاب تهنئة ! لأننى أعرف أكثر من غيرى ما هو منصب رئيس التحرير، إنه أكبر مسئولية فى الصحافة، رئاسة التحرير هى عرق يبذل ودم يسكب وأعصاب تحترق، إنه منصب لا يعرف العطلة الأسبوعية ولا الإجازة السنوية ولا ساعات محددة للعمل، رئيس التحرير هو صحفى لمدة 24 ساعة، فهو كمخرج السينما وقائد الأوركسترا والمرشد السياحى، فكما يوزع المخرج الأدوار على الممثلين فرئيس التحرير يوزع الأدوار على المحررين ويحرص على تغيير الوجوه، ويجب على رئيس التحرير أن يجعل مجلته أنشودة متناسقة منسجمة تتعانق فيها الأنغام مع الألحان مثل قائد الأوركسترا تماما، وعلى رئيس التحرير أن يقرأ كما يقرأ أستاذ الجامعة ويدرس ويبحث، ويكون حريصًا فى نفس الوقت على ألا يظهر أمام القارئ فى صورة الأستاذ، إن من مهام رئيس التحرير إيهام كل كاتب أنه يضع مقاله فى أحسن مكان، وأن يتأكد من شخصية الذين يكتبون فى مطبوعته فلا يسمح أن يدخلها الأفاقون أو الذين يستغلون ثقة القارئ لتحقيق مكاسب شخصية، أو الذين يتخذون من المجلة وسيلة لتحقيق مصالحهم الشخصية، كما يلتزم رئيس التحرير بتقديم صورة للدنيا التى يعيش فيها القارئ ويترجم له الأحداث المقبلة، ولا ينسى أنه مثل البهلوان يسير فوق سلك مشدود وأى هفوة أو زلة قدم سوف تهوى به، وأن يكتب ما يؤمن به سواء أرضى القراء أو أغضبهم..
وأتمنى أن تصبح «الجيل» مجلة للأحرار والمتحررين فى كل مكان، وأن تعالج الموضوعات بروح المنطقة كلها، لا بالروح المحلية الضيقة، ولا بالنظرة الإقليمية المجردة، وكما أن صوت أم كلثوم يدوى من الخليج إلى المحيط، أتمنى أن تكون «الجيل» هى أم كلثوم الصحافة، وفى النهاية يا صديقى أنيس: «ابدأ فى العزف.. وكلنا سنغنى معك».
مصطفى أمين
«عملاق» الصحافة أرخص محرر فى العالم !
سافر على أمين لدراسة الهندسة بجامعة «شيفيلد» البريطانية، وكان توأمه مصطفى أمين على تواصل دائم معه بالخطابات التى يرسلها له، ونشرت مجلة «آخر ساعة» فى 15 يوليو 1959 أحد هذه الخطابات التى كان يشرح فيها مصطفى لتوأمه ما يبذله من جهد وتعب أثناء عمله مع أستاذه محمد التابعى فى مجلة «روزاليوسف»، ووصف نفسه فى تلك الرسالة بأنه «أرخص محرر فى العالم».. وإليكم ما جاء فى سطور تلك الرسالة :
عزيزى على.. أقبلك قبلة طويلة.. أرجو أن تكون أديت امتحانك وأن يصلنا خبر نجاحك.. إننى مشغول لأنى أعمل فى مجلة «روزاليوسف».. أنا الآن أكتب أسبوعياً باب «لا يا شيخ».. و«أخبار الجامعة» فى صفحتين، وأحرر باب «إسكندرية فى الصيف»، وأكتب باب «مذكرات سفرجى»، وباب «أخبار هايفة»، وأحرر زاوية «الطبقة الراقية»، وأختار الصور الكاريكاتورية من الصحف العالمية لباب «السياسة الخارجية»، وأكتب باب «أخبار الدوائر الأجنبية»، وأغلب صفحات الأخبار السياسية، وأعطى فكرة الموال والزجل لسعيد عبده، وابتكرت بابين جديدين من 4 صفحات هما «من ده على ده» و«أخبار الموظفين»، وحسبت عدد الصفحات التى كتبتها هذا الأسبوع فوجدتها 30 صفحة ! وفوق هذا أعطى لصاروخان أفكار الرسوم الكاريكاتورية، أكاد أموت على مكتبى ولكنى أجد لذة فى هذا العمل المضنى الشاق.
أنت وحدك خارج مجلة «روزاليوسف» تعرف ماذا أكتب ولا يتصور أحد أن هذا التلميذ الصغير الهلفوت يحمل على كتفيه أكبر مجلة فى الشرق فى أثناء غياب أستاذى محمد التابعى، ولا يتصور أحد أن كل هذا العمل أتقاضى عليه 8 جنيهات.. وأنى لا أقبضها كلها أدفع منها 4 جنيهات لسواق عبدالفتاح باشا يحيى رئيس الوزراء ليجىء لى بالأخبار السرية التى أفتح بها قلب رئيس الوزراء، وتبقى بعد ذلك 4 جنيهات من المرتب أدعو زملائى للعشاء فى «البريزيانا» أول الشهر ويكلفنى هذا مائة وعشرة قروش، وأكرر الدعوة يوم 15 فى الشهر، وكل المحررين يشربون الويسكى إلا أنا.. وهذا ما يرفع من تكلفة العزومة..
وبهذا يبقى من مرتبى الضخم 180 قرشا شهريا، ولعل التاريخ سيقول إننى كنت أرخص محرر فى العالم لأنى أقدم شهريا حوالى 120 مقالا وكأن المقال بقرش صاغ وخمسة مليمات، ومع ذلك فإننى سعيد بهذا المبلغ، وسأكون سعيدا لو تقاضيت «مليما» على المقال، إننى أشعر أننى فى مدرسة أستاذنا محمد التابعى، وبدلا من أن أدفع مصروفات للدراسة أتقاضى 180 قرشا فى الشهر، مضى على شهر أتقاضى هذا المرتب الكبير لأننى منذ اشتغالى بالصحافة عام 1928 لم أتقاض مرتباً، ومع ذلك أشعر كأننى كسبت عمارة المواساة».
مصطفى أمين
عائد لدار «الهلال»
بقلم : مصطفى أمين
عندما قيل لى إن الرئيس جمال عبد الناصر ينوى أن يختارنا - على أمين وأنا - رئيسين لتحرير صحف «دار الهلال» فقلت : «إننى واحد من الملايين الذين اختاروا جمال عبد الناصر قائدا لنا وزعيما، ونحن نؤمن أن من حق القائد - أثناء المعركة - أن يضع الجندى فى المكان الذى يراه مناسبا، إن كل ما يهمنا هو أن ينتصر وطننا وقائدنا، سواء كنا فى الصف الأول، أو فى الصف الأخير، فأنا أؤمن أن العمل عبادة، عدت الى «دار الهلال» وشعرت عندما التقيت بها كأننى التقيت بشبابی، تطلعت إلى البناء الضخم وشعرت أن لى فيه طوبة أو طوبتين على الأقل، كنت هنا فى عام ١٩٤١ وترأست مجلة «الاثنين» فى عصرها الذهبى، هنا أمضيت ثلاث سنوات هى من أجمل سنی عمری، هنا سكبت دمى وعرقى وأحرقت أعصابی وفكری، هنا مشيت أحبو خطواتى الأولى فى طريق طويل، هنا منبت أحلامى وآمالى، هنا مولد هزائمى وانتصاراتى، هنا تمرنت يدى على حمل الخنجر لتشتد مع الأيام لتحمل المدفع !
هنا رسمت أول صورة لعلم الصحافة العظيمة التى أتمناها فى بلادى، ومن هنا خرجت لأبنى مع علی أمین دار «أخبار اليوم»، مشيت فى دهاليز «دار الهلال» أبحث عن شبابی، وأحسست أننى تركت فيها بعض نفسى وبعض أنفاسى، ولم تستطع سنوات غيبتى الطويلة أن تبخر هذه الأنفاس، وها أنا ألتقى ببقايا هذه الأنفاس من جديد ! إنها تعرفنى وأعرفها ! إن ما تصنعه الروح لا يمكن أن تدمره الأيام، مشيت أتطلع فى الأحجار والوجوه وكأنى أرى فيها نفسى ! إن الذين تركتهم شبانا التقيت بهم شيوخا، والدار التى تركتها بيتا صغيرا عدت إليها وهى قصر منيف ! درجات السلم التى كنت أنزلها أربعا فى أربع بدت كأنها تقطع الأنفاس، ولابد من أن أستعين عليها بالمصعد البطىء ! عندما يتطلع الإنسان إلى نفسه فى الزجاج لا يلحظ تغييرا أو تبديلا، ولكن عندما يتطلع إلى نفسه فى وجوه الناس تذهله التجاعيد التى هى إمضاءات الزمن .
لم أشعر وأنا أمشى فى طرقات «دار الهلال» أن روحی شاخت مازلت كما أنا منذ عشرين سنة، وشعرت أننى عدت شابا من جديد، فمادام حلمى لم يتغير فأنا لم أتغير ولم «أشيخ» لأن أحلام البشر هى أعمارهم ويوم نكون بلا أحلام فإننا نعيش فى شيخوخة ثانية!.
وقد يتساءل البعض عن شعوری نحو دار «أخبار اليوم» التى تركتها، ونحو «الأخبار» و«آخر ساعة» و«الجيل» و«المختار» وكلها تخليت عن تحريرها فما هو شعورى اليوم نحو الصحف التى أعطيتها روحی ودمى وعمرى وشبابی، إننى أشعر أن هذه الصحف هى أولادى، قطعة منى وأنا قطعة منها، إنها ماضىّ وحاضری ومستقبلى، إنها آلامى وأحلام أيامى، إنها دموعى وضحكانى، إنها ليست ورقا وحبرا إنما هى أنفاس وزفرات، حبرها هو دمى وأعصابى، وكيانها هو روحى، ولا يمكن لأب أن يتنكر لابنه لأنه ابتعد عنه، إننى أنظر إليها كما ينظر الأب إلى بناته اللاتى كبرن وتزوجن ویعشن مع أزواجهن سعيدات، إننى أشبه رجلا بنى قلعة، وقضت خطة المعركة أن ينتقل من القلعة التى بناها إلى قلعة أخرى فى نفس ميدان القتال، مهمته أن يدافع عن القلعة الجديدة بنفس الإيمان الذى كان يحارب به فى قلعته القديمة، وكل ما يهمه أن لا تسقط قلعة من القلاع، لأن سقوط قلعة منها يؤدى إلى سقوط القلاع كلها!.
أؤمن بأن «أخبار اليوم» ستصمد، وقلعة «الهلال» ستصيد، وكل القلاع التى فى بلادى ستصمد فى معركة الوطن.. فالصحافة اليوم ملك الشعب وكلها تعرف نشيدا واحدا هو نشيد الوطن ولا يهمنى أن أعزف على نای أو أعزف على أرغول، كل ما يهمنى أن أغنی نشید بلادی !
«الكواكب» 19 سبتمبر1961

كنوز| حكايات سيدة الشاشة مع عملاق الصحافة فى ذكرى ميلادها الـ 95
كنوز| مستقبل مصر فى عقلها
كنوز| قصة «ثومة» مع الشريف فى «مسامرات الجيب» !







