وحش أوروبا الجديد.. دبابة فرنسية ألمانية تُدشن عصر المدرعات الثقيلة

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية


في ريفٍ ألماني هادئ، بعيدًا عن عناوين الحروب الساخنة، وُلدت فكرة لا تقل زئيرًا عن المعارك.. دبابة فرنسية-ألمانية جديدة تُعيد تعريف معنى القوة في قارة تُحاصرها الأشباح القديمة وتحديات المستقبل الرقمي، في مشروع جيوسياسي متنكر في هيئة "وحش ميكانيكي"، اسمه MGCS.

في اللحظة التي وافق فيها المكتب الاتحادي الألماني لمكافحة الاحتكار على تأسيس هذا التحالف الصناعي، لم يكن يُشرّع فقط لإنتاج دبابة جديدة، بل كان يمنح الضوء الأخضر لأول "عقد زواج حديدي" بين فرنسا وألمانيا منذ نهاية الحرب الباردة. 

تحالف يضم KNDS، Rheinmetall وTHALES، ليس فقط لبناء مدرعة، بل لإعادة كتابة شيفرة الردع الأوروبي بعيدًا عن ظل واشنطن وطغيان أنظمة الباتريوت الصاروخية.

وفقًا للموقع الأمريكي «ذا وار زون» للتحليلات الدفاعية الشاملة، فإن ما لا يُقال في المؤتمرات الصحفية هو أن هذه الدبابة ستُبنى لا فقط لمواجهة تهديدات اليوم، بل للسيطرة على شكل المعركة القادمة، حيث الذكاء الاصطناعي يتخذ قرارات إطلاق النار، والطائرات المسيّرة تُنسّق مع أنظمة مدفعية ذكية، وساحة المعركة تُدار عبر شبكات بيانات معقدة أكثر من كونها تُخاض بالحديد والنار فقط...

وما يُعد سرًا في أروقة الاستراتيجيات الأوروبية هو أن MGCS، المخطط لها أن تحل مكان "ليوبارد 2" و"لوكلير"، تمثل أول محاولة فعلية لتفكيك الهيمنة الأمريكية على صناعة القرار التسليحي الأوروبي، فهي بيان استقلال ناعم، مُقنّع بلغة المدرعات، لكنه مشبعٌ بالرمزية.

◄الكشف عن دبابة تتكيّف مع كل سيناريو

في زمن باتت فيه الحدود تُرسم بالخوارزميات، والعدو يختبئ خلف شاشات حرارية وطائرات دون طيار، اختارت أوروبا أن تُعلن عن نفسها بدبابة… لكن ليست كأي دبابة، إنها بداية لعصر "المدرعة الذكية"، أو كما يُسميها البعض سرًا في بروكسل: "الوحش الذي سيُفكر قبل أن يُطلق النار"، وفقًا لما أشار له موقع «ذا وار زون» الأمريكي.

كشف مكتب مكافحة الاحتكار الفيدرالي الألماني عن ملامح رؤية طموحة لمشروع MGCS، حيث لا يدور الحديث فقط عن دبابة تقليدية، بل عن "نظام قتالي معياري" مصمم للاستجابة لمجموعة واسعة من المتطلبات الميدانية.

الهدف هو تصميم هيكل موحد يُمكن تكييفه بوحدات متنوعة، مما يتيح تطوير مركبات متخصصة تعمل بتناغم ضمن بيئة عمليات مشتركة، وهذا النهج "المرن" يُعتبر نقلة استراتيجية نحو أنظمة قتال أكثر ذكاءً وتكيّفًا مع التحديات المتغيرة.

◄تحالف صناعي حديدي.. من هم عرّابو MGCS؟

يضم المشروع أربع شركات دفاعية أوروبية رائدة، لكل منها إرث تكنولوجي ثقيل:

KNDS: شركة فرنسية-ألمانية نتجت عن اندماج Krauss-Maffei Wegmann الألمانية وNexter الفرنسية، وتُعد العمود الفقري للمشروع.

Rheinmetall: وهي أكبر شركة تصنيع أسلحة في ألمانيا، وخامس أضخم شركة دفاعية في أوروبا، مع خبرة هائلة في الأنظمة البرية.

Thales: عملاق فرنسي في قطاع الطيران والدفاع والإلكترونيات المتقدمة، يحظى بحضور عالمي في أكثر من 50 دولة.

وتحديدًا، تضطلع THALES SIX GTS France بدور رئيسي في تطوير تقنيات الاتصال والأمن السيبراني للمركبات القتالية.

◄ليوبارد 3.. «الولادة المؤقتة لوحش ما قبل الوحش»

قبل انطلاق MGCS رسميًا، أعلنت ألمانيا أنها ستبدأ بتطوير دبابة جديدة يُشار إليها بـ «ليوبارد 3»، وقد منح مكتب المشتريات التابع لـ القوات المسلحة الألمانية عقودًا فنية في فبراير الماضي لتطوير:

ذخيرة بعيار 130 ملم، ومحطات توليد طاقة حديثة، وأنظمة حماية متقدمة..

لكن، اللافت أن هذه التقنيات مصممة لتكون متوافقة مع دبابة ليوبارد 2 الحالية، مما يجعل من المشروع مرحلة انتقالية تمهيدية نحو MGCS، وفي حال تبلورت بالشكل المتوقع، ستكون "ليوبارد 3" جاهزة لدخول الخدمة في ثلاثينيات القرن الحالي.

◄العيار الثقيل قادم.. مدفع 130 ملم لتفوق ناري ساحق

يمثل مدفع 130 ملم أحد أبرز الابتكارات التي سترفع من القدرات النارية لدبابة MGCS بشكل غير مسبوق. 

وهذه الدراسة، التي تتولاها شركة «راينميتال»، تستجيب لحاجة استراتيجية متزايدة نحو استخدام أسلحة أثقل وأكثر اختراقًا من المدافع القياسية بعيار 120 ملم، وتشير الخطط إلى أن هذا العيار سيكون المحور الأساسي لتسليح MGCS منذ المراحل الأولى، ما يضمن قوة حركية أعلى وكفاءة نارية متفوقة في المعارك الحديثة.

◄دبابة MGCS.. بنظام قتالي متكامل

رغم أن الدبابة القتالية الرئيسية هي نواة المشروع، إلا أن MGCS يتجاوزها إلى مفهوم "نظام من الأنظمة"، فالمشروع يسعى لإنتاج عائلة من المركبات القتالية، المأهولة وغير المأهولة، تتشارك في البنية التحتية ذاتها، وتتكامل في ميدان القتال. 

ورغم أن التفاصيل الدقيقة للمركبات الإضافية لم تُحسم بعد، إلا أن وصف مكتب مكافحة الاحتكار بـ"الهيكل المتطابق القابل للتعديل" يُرجّح أن العالم سيشهد أسطولًا مرنًا من المنصات المتكاملة، يمثل قفزة نوعية في الفهم الأوروبي للمعركة الحديثة.

ومن المتوقع أن تشمل نسخ MGCS المتخصصة مهامًا تتجاوز القتال التقليدي، مثل الحرب الإلكترونية، والدفاع الجوي، وإطلاق الطائرات بدون طيار، أو حتى تشغيل ذخائر بعيدة المدى وأسلحة طاقة موجهة. 

ويظهر أحد مقاطع الفيديو التي نشرتها شركة الإلكترونيات الألمانية Hensoldt كيف تعمل منصات MGCS إلى جانب طائرات درون متعددة المراوح تُستخدم للاستطلاع، وتربط بين المركبات الأرضية بفعالية ــ كما هو موضح في الصورة أعلاه.

أما عائلة MGCS قد تضم أيضًا نسخًا مشتقة من الدبابات التقليدية، مثل مركبات الهندسة القتالية، والمركبات المدرعة المخصصة للاسترداد، بالإضافة إلى مركبات طبقات الجسور، ما يجعل البرنامج نظامًا مرنًا شاملاً وليس مجرد دبابة واحدة.

◄تكنولوجيا ليوبارد 3.. هل هي حجر الأساس لـ MGCS؟

ضمن الدراسات التقنية الألمانية التي تُجرى بالتوازي مع برنامج MGCS، تُطوّر ذخيرة جديدة بعيار 130 ملم، إلى جانب تطوير مجموعة محرك متكاملة تشمل التوجيه وعلبة التروس اليدوية ونظام تبريد ومحرك عادم وترشيح هواء متقدم، كما يجري العمل على نسخة محسنة من نظام الحماية الذاتية متعدد الوظائف، بمشاركة شركتي Hensoldt وKNDS Deutschland.

رغم أن هذه التقنيات صُممت في الأساس لدبابة ليوبارد 3، إلا أن من المرجح أن تساهم في تحديد متطلبات MGCS أو تكون جزءًا من بنيته المستقبلية.

◄نسخة جديدة من «ليوبارد 2».. تطوير مرحلي طموح

لم تكن ليوبارد 3 الوحيدة المطروحة كحل مؤقت حتى ظهور دبابة MGCS؛ ففي صيف العام الماضي، أطلقت شركة KNDS نسخة متطورة من Leopard 2 تحت اسم A-RC 3.0. 

هذه النسخة مزودة ببرج غير مأهول بالكامل، ومدفع رئيسي فائق العيار يبلغ 140 ملم، بالإضافة إلى قاذف صواريخ موجهة مضاد للدروع، ومحطة أسلحة عن بُعد بمدفع 30 ملم مخصصة لمواجهة تهديدات الطائرات بدون طيار، وهو تهديد برز بوضوح خلال الحرب الروسية الأوكرانية.

◄«بانثر KF51».. الجيل الجديد من راينميتال

في المقابل، طرحت شركة راينميتال دبابة جديدة من الجيل التالي تُعرف باسم KF51 Panther، تتميز بمدفع رئيسي عيار 130 ملم، مع الحفاظ على برج مأهول تقليدي، وإمكانية دمج قاذف صواريخ أو طائرات بدون طيار، إلى جانب محطة أسلحة عن بُعد. 

وتعاونت راينميتال مع شركة ليوناردو الإيطالية لتطوير نسخة خاصة من هذه الدبابة للجيش الإيطالي، مع تسويقها لعملاء دوليين محتملين.

◄عودة قوية لألمانيا في مجال الدبابات

تُظهر هذه المشاريع كيف استعادت ألمانيا زخمها بقوة في مجال تصميم وتصنيع الدبابات القتالية، وهو قطاع كانت رائدة فيه لعقود، ولكن، بعد نهاية الحرب الباردة، تقلّصت أساطيل الدبابات الأوروبية بشكل كبير، بل أُزيلت كليًا في بعض الدول.

واندفع هذا التوجه الجديد خاصةً بعد ضمّ شبه جزيرة القرم عام 2014، وحتى بدأت الحرب الروسية الأوكرانية في عام 2022، وهذا التصعيد أعاد أهمية التفوق في ساحة المعركة إلى الواجهة، خاصة في أوروبا، ما دفع دولًا كألمانيا وفرنسا لتجديد قدراتها القتالية.

وفي ظل هذه التهديدات، تسعى كل من ألمانيا وفرنسا إلى إحداث نقلة نوعية في مجال المركبات القتالية من خلال برنامج MGCS، ورغم طموحاته الكبيرة، لا يزال المشروع في مراحل التطوير الأولية، ويتطلب تحديد العديد من تفاصيله التقنية، ومن المتوقع أن تدخل الدبابة الجديدة الخدمة في أربعينيات القرن الحالي، ما يفسّر سبب اهتمام برلين بتطوير نماذج انتقالية حتى ذلك الحين.

جدير بالذكر أن النموذج التكنولوجي الأولي لبرنامج MGCS، والذي جمع بين عناصر من دبابة Leclerc الفرنسية وLeopard 2 الألمانية، كُشف عنه في عام 2018، ولكن منذ ذلك الوقت، لم تظهر أي معدات نهائية أو نماذج فعلية جديدة.

◄أربعة عمالقة يقودون المشروع الأوروبي المشترك

الآن، أصبح من المؤكد أن أربع شركات كبرى ستقود تطوير MGCS، وهي:

KNDS: مشروع ألماني فرنسي مشترك بين Krauss-Maffei Wegmann وNexter.

Rheinmetall: أكبر شركة تصنيع أسلحة في ألمانيا وخامس أكبر شركة في أوروبا.

Thales: شركة فرنسية رائدة في الطيران والدفاع.

Thales SIX GTS France: مسؤولة عن تقنيات الاتصال والأمن.

وهذا الرباعي الصناعي الكبير يُعد حجر الزاوية في تصميم مستقبل المعارك الأوروبية.