أصل الحكاية| «حين يتحدث اللون» قراءة فنية في مشهد تلوين التمثال بمقبرة خيتي ببني حسن

صورة موضوعية
صورة موضوعية


في قلب صعيد مصر، وتحديدًا في منطقة بني حسن بمحافظة المنيا، تقع مجموعة من المقابر الصخرية التي تنبض بالحياة، رغم مرور آلاف السنين على نقشها، من بين تلك المقابر، تحتل مقبرة "خيتي" مكانة بارزة، لما تزخر به من مشاهد توثق تفاصيل الحياة اليومية، والأنشطة الاقتصادية، والطقوس الجنائزية.

 إلا أن مشهدًا بعينه يلفت الأنظار، ويثير الدهشة والتأمل: فنان جالس على الجانب الأيمن، يلوّن تمثالًا جماعيًا لرجل واقف وخلفه زوجته. لكن المثير للاهتمام ليس فقط دقة الرسم، بل أيضًا تفاوت ألوان البشرة: الرجل ببشرة بنية داكنة، والمرأة ببشرة فاتحة. فما دلالات هذا الاختلاف؟ وكيف يعكس هذا المشهد فهم المصريين القدماء للجندر، والعمل، والجمال؟

 في هذا التقرير، نغوص في أبعاد هذا المشهد الساحر، لنكشف ما بين خطوطه من رموز، ودلالات ثقافية واجتماعية عميقة.

اقرأ أيضا  |«نماذج التوابيت والجنائز».. عرض فني لطقوس الدفن في مقبرة «ثاوي» ببني حسن

أولًا: مقابر بني حسن – متحف مفتوح على جدران الصخر

بني حسن، واحدة من أغنى المناطق الأثرية في صعيد مصر، تضم أكثر من 39 مقبرة نُقشت على جدرانها مشاهد دقيقة لحياة حكام الأقاليم خلال عصر الدولة الوسطى. كانت هذه المقابر لا تكتفي بتسجيل الطقوس الدينية، بل قدّمت لنا تصويرًا شبه سينمائي للحياة اليومية، بدءًا من الزراعة والصيد، وصولًا إلى النحت والرسم والألعاب الرياضية.

ثانيًا: خيتي – اسم لامع بين حكام الأقاليم

خيتي، أو "حا تي"، كان أحد حكام الإقليم السادس عشر من أقاليم مصر العليا خلال الأسرة الحادية عشرة أو الثانية عشرة، وهو صاحب المقبرة BH17، وهي من أشهر مقابر بني حسن. عُرف عنه حبه للفنون والعلوم، ويتضح ذلك من زخرفة جدران مقبرته بمشاهد مدهشة تفيض بالحركة والدقة.

ثالثًا: وصف المشهد - عندما يصبح الفنان بطل القصة

اقرأ أيضا | تطوير منطقة آثار فريزر الصخرية بالمنيا.. ولوحات إرشادية للمقابر

يُظهر أحد المشاهد داخل المقبرة فنانًا يجلس بهدوء على الجانب الأيمن من الصورة، ممسكًا بأدوات التلوين، أمامه تمثال جماعي يصوّر رجلًا واقفًا وخلفه زوجته. التمثال نفسه قيد التلوين، لكن ما يُلفت النظر هو دقة التصوير في تمييز لون بشرة الرجل عن زوجته، فبينما نرى بشرة الرجل بنية داكنة، نلاحظ أن بشرة المرأة فاتحة جدًا.

 

رابعًا: تفسير تفاوت ألوان البشرة – شمس الرجال وظل النساء

لم يكن هذا التباين في ألوان البشرة مصادفة أو خطأ فني، بل كان مقصودًا، وله جذور عميقة في التقاليد التصويرية المصرية القديمة. كان الفنانون يميزون بين الرجال والنساء وفقًا للأدوار الاجتماعية:

الرجال: يمارسون الأعمال خارج المنزل، كالزراعة، والبناء، والصيد، ما يجعلهم أكثر عرضة لأشعة الشمس.

النساء: يُنظر إليهن باعتبارهن مقيمات في البيوت، محميات من الشمس، وتُصوَّر أجسادهن كرمز للنقاء والجمال.

وبالتالي، كان يُستخدم اللون البني أو الأحمر الداكن لبشرة الرجال، مقابل الأصفر الفاتح أو الأبيض للنساء.

 

خامسًا: البُعد الفني – لماذا يُصوّر الفنان وهو يلوّن التمثال؟

اقرأ أيضا  |اكتشاف 250 مقبرة محفورة في الجبل شرق سوهاج

هذا المشهد النادر لفنان يلوّن تمثالًا ليس شائعًا في الفن المصري القديم، مما يعكس وعيًا عميقًا بالدور الإبداعي للفنان، وتقديرًا لمهنته. ويشير أيضًا إلى أن تماثيل المتوفى لم تكن مجرد رموز صامتة، بل كانت تُعد بعناية كي "تسكنها الروح"، طبقًا لمفاهيم "الكا" في العقيدة المصرية.

 

سادسًا: الرمزية الاجتماعية – من خلال عدسة اللون

لا يقتصر استخدام اللون على التمييز الجندري فقط، بل يُحمَّل برموز ثقافية أعمق:

البشرة الداكنة: دلالة على القوة، العمل، والخبرة.

البشرة الفاتحة: دلالة على الرقة، الجمال، والنقاء.

وهكذا، فإن المشهد لا يعبّر فقط عن تباين في لون الجلد، بل يُجسّد رؤية المصري القديم للعالم، وتقسيم الأدوار الاجتماعية وفقًا للطبيعة والوظيفة.

 

سابعًا: موقع الفنان – لماذا يجلس على اليمين؟

في التقاليد المصرية، تُعطى الأهمية القصوى للجانب الأيمن في التصوير. جلوس الفنان على الجانب الأيمن للمشهد يعطيه نوعًا من التقدير والهيبة، خصوصًا في مشهد يخلّد دوره كمبدع يحيي الحجر بالألوان.

ثامنًا: البُعد الجنائزي – الفنون في خدمة الخلود

جاء تلوين التماثيل والرسوم في المقابر بهدف تمكين الروح من التعرف على جسدها في الحياة الأخرى. اللون لم يكن تجميليًا فقط، بل وسيلة روحية لاستحضار الحياة من جديد. ولذلك، فكل درجة لونية كانت مدروسة وذات هدف.

 

تاسعًا: هل يمكن مقارنة هذا المشهد بأعمال أخرى؟

نعم، هناك العديد من المشاهد في مقابر أخرى تُظهر الرجال ببشرة داكنة والنساء ببشرة فاتحة، مثل مشاهد مقبرة "رخميرع" في طيبة، لكن ندرة تصوير الفنان نفسه أثناء العمل تجعل من مشهد مقبرة خيتي حالة فريدة تستحق الدراسة المعمقة.

 

عاشرًا: هل يدل هذا على مساواة فنية أم تهميش اجتماعي؟

اقرأ أيضا  | اكتشاف عدد من «المقابر» ذات الطرز المختلفة بجبانة الحامدية شرق سوهاج

رغم التقدير الفني الظاهر، إلا أن تصوير النساء دائمًا ببشرة فاتحة قد يشير إلى تصور نمطي لدورهن، باعتبارهن معزولات عن الحياة العامة. وهذا يدعونا للتفكير في مدى تعقيد النظرة الجندرية في مصر القديمة.

إن مشهد الفنان الجالس وهو يلوّن تمثال رجل وامرأته في مقبرة خيتي لا يُعد مشهدًا زخرفيًا عابرًا، بل هو وثيقة بصرية حيّة تلخص رؤى المجتمع المصري القديم حول الفن، والعمل، والجنس، والدين. 

الألوان هنا ليست مجرد طلاء، بل أدوات سرد تروي لنا قصة مجتمع شديد التنظيم، شديد الرمزية. وبين يدَي هذا الفنان الجالس بهدوء، يتجلى التاريخ في لحظة صامتة لكنها تنطق بألف معنى. مشهد واحد، لكنه يكفي ليفتح أبواب الفهم على مصراعيها لعالم حضارة لا تزال تبهر العالم حتى اليوم.

اقرأ أيضا  |اكتشاف مذهل.. 400 مقبرة منحوتة في الصخور