أجرى الحوارين: د.هانى قطب
مبادرة جديدة لإنقاذ قلوب المصريين ولجنة لمناقشة التبرع بالأعضاء
د. شريف مختار، طبيب ذو قيمة إنسانية غالية، أهلته ليصبح عالمًا فى مجال تخصصه، ورغم أنه يبلغ من العمر 86 عامًا فإنه يحرص يوميًا على الذهاب إلى محرابه العلمى الذى أصبح كيانًا يؤتى ثماره لتوفير رعاية صحية كاملة لكل مرضى القلب، ويطمئن على سير مشروع حياته متكئا على عزيمة أبنائه من شباب الأطباء، ولا يدخر وسعًا فى مدّهم بالخبرة بعد أن أصبح محرابه قبلة لكثير من شباب الأطباء. د. مختار ينتمى لجيل تربى على قيم رد الجميل للوطن، وغايته كما قال رسولنا الكريم «علم يُنتفع به» لتصبح ثروته إنقاذ حياة المصريين من خلال مبادرات طبية مهمة.. وكان لنا معه هذا الحوار الذى يكشف عن الكثير من الأسئلة الطبية:
اقرأ أيضًا| «معهد القلب القومي» ينجح في إجراء 4 عمليات زراعة صمام رئوي
كيف ترى ما قدمته مصر من مساعدات ورعاية طبية لأهلنا فى غزة طوال الفترة الماضية؟
ليست مساعدات؛ بل واجب ومساندة لشعب هو جزء أصيل من مصر منذ 1948، مدفوعًا بالنزعة الإنسانية والدينية والوجدانية رغم الإمكانيات المصرية المحدودة. سيظل كل الدعم للشقيقة فلسطين. وأتذكر دور البطل أحمد عبد العزيز الذى استقال من الجيش لتأخر إعلان الحرب فى 1948 وقام بتدريب المتطوعين حتى استشهد، وأيضا د. أحمد عبد العزيز طبيب العظام الذى لم يدخر وسعًا فى تقديم الرعاية الطبية للمصابين. سيظل موقف مصر ثابتًا لا يتغير وبعيدًا عن أى مزايدات.
اقرأ أيضًا| كعك العيد هدية محافظ الشرقية لعمال النظافة والمرضى
جنون العظمة
كيف ترى هذا الموقف المتشدد من تهجير أهل غزة من المنطلق الطبى؟
من المنظور الطبى فكرة «التهجير» تعد مرضًا نفسيًا سببه جنون العظمة وحب السيطرة. المستعمر يكره «التاريخ» لأنه كاشف لكل جرائمه وبالتالى هو عدوه الأول الذى يريد طمسه، شأنه فى ذلك شأن كل مستعمر. لا بد أن نعى أن التهجير يأتى تحت مسمى سلسلة الاستعمار القديمة التى انتهجها الغرب قديمًا والمطلوب إحياؤها الآن مثلما احتلت إنجلترا الهند، وبلجيكا احتلت الكونغو، ويعيد أيضا إلى أذهاننا سنوات الانكسار التى عشناها خلال فترة احتلال سيناء. إذن تهجير الشعب الفلسطينى من أرضه هو استمرار للبلطجة الغربية.
اقرأ أيضًا| محافظ الأقصر يحتفل مع الأطفال مرضى السرطان بعيد الفطر
من وجهة نظرك كيف تصبح مصر بيئة حاضنة للعلم بعد أن كانت فى فترة سابقة طاردة للأطباء؟
مصر تمتلك عقولًا نابهة لو تم استغلالها سيتغير وجه مصر فى كل القطاعات وليس فى الطب فقط. لتحقيق بيئة حاضنة للأطباء أو العلم بصفة عامة لا بد من زيادة حصيلة ما يتم إنفاقه على البحث العلمى؛ لأن هناك فرقًا بين بحث علمى للرياضيات وآخر للكيمياء يجرى فى المعمل، وبين أبحاث علمية طبية تتم على مرضى، ومعدات وأجهزة يتم استيرادها من الخارج. لذلك يجب القضاء على البيروقراطية والصعوبات التى تواجه طلاب الدراسات العليا لتصبح حضنا لاستيعاب الجميع، كذلك لا بد من توفير تكاليف دراستهم ليظهر جيل جديد من المبدعين، حيث يقف العامل المادى حائلا دون إبراز مواهبهم، كما يجب أن يكون هناك مراكز لتبنى الموهوبين فى كل مجال والذين يتواجدون بكثرة فى شوارعنا ولا ينقصهم سوى إزالة الغبار عنهم حتى يكتسبوا الثقة فى أنفسهم خاصة أن هذا ما يجدونه فى الخارج.
الموهبة أساس النجاح
لعل أبرز مثال على حديثك هو د. زويل ود. يعقوب.. كيف ترى رحلة نجاحهما فى الخارج؟
مصر أعطتهما الكثير كوطن ولكن النظام البيروقراطى أعاق مسيرتهما مما تسبب فى كونه أصبح بيئة طاردة لهما. وقد قلت لمجدى يعقوب خلال مشاركتنا فى أحد المشروعات الطبية إن نسبة عوامل النجاح بالعمل 99 % أما نسبة الإلهام فهى 1% وهو الذى يضمن النجاح الحقيقى. د. يعقوب كان يعمل فى تخصص الجراحة العامة قبيل سفره، لكنه غيّر تخصصه بعد أن أتيحت له فرصة أن يطور من نفسه وفقا لظروف أكثر ملاءمة له. كذلك د. زويل الذى كان موهوبا ويتمتع بعقل قادر على استيعاب علوم دول الغرب التى كانت تبحث عمن يعيد إنتاج علومها. بالتالى نجاحهما كان رهن إرادتهما لأن الغرب لا يعترف إلا بمن يمتلك بذرة النجاح فيعتنى بها حتى تزهر.
كيف يسهم علماؤنا فى الخارج فى دعم الاقتصاد المصرى؟
علماؤنا فى الخارج هم سفراء يعلون قيمة الوطن. منهم من يقوم بتأسيس منشآت صحية بالمجان بعد أن انهالت عليهم التبرعات المادية من كل مكان. الثروة الاقتصادية تبدأ من التعليم الجيد الذى يبنى على نقل الخبرة من الخارج لإعادة الاستفادة منها فى مصر. لقد حرصت على إنشاء وحدة الحالات الحرجة التى لم تكن معروفة فى مصر وذلك فى نهاية السبعينيات بعد عودتى من أمريكا، ويوجد أيضا من أنشأ جامعات ومراكز بحثية من التبرعات.
ولكن هناك أيضًا من فضّل الهجرة على العودة إلى الوطن.. ما أسباب ذلك من وجهة نظرك؟
السبب يرجع إلى اختلاف القيم التى تربت عليها الأجيال لأنها المسئولة عن توجيه فكرهم. من جيلى د. زويل ود. يعقوب ود. غنيم، كلنا كنا ندرك جيدا أن مصر لها دين فى رقابنا ومن ثم كان لزاما علينا أن نسدده والعودة لأرضها لخدمة شعبها. لكن من الأجيال التالية من يسيطر العائد المادى على عقله لذلك هو يذهب بلا عودة. فى رأيى أن مثل هذه النماذج لا وجود لها فى ذاكرة الوطن.
ليس ترفًا
هل ترى أن هناك مشروعات لعلماء جدد كنوع من تجديد القوة الناعمة لمصر فى المجال الطبى؟
طبعا، مصر تزخر بالعقول المستنيرة التى ربما تفوق التى هاجرت، لكن الفرق أن من هاجر وجد البيئة التى تحتضنه وتوفر له تحقيق أحلامه وخيالاته العلمية؛ لكن اللبنة الأساسية لنجاحه هو امتلاكه لمقومات النجاح. كثيرون ممن استقروا فى الخارج رفعوا اسم مصر معنويًا، لكن مصر الآن تحتاج إلى من يقف خلفها للشد من أزرها؛ بالتالى هى بحاجة إلى عقولها المهاجرة للعودة إليها لبناء وطن قوى. تلك العقول المتميزة تنتمى إلى شتى المجالات؛ ومن ثم فهى ستفيد البحث العلمى الذى يجب أن تخرج نتائجه لمواكبة حل كل المشكلات فى جميع مناحى حياتنا، سواء الاجتماعية أو الطبية. البحث العلمى ليس ترفًا بل ضرورة يفرضها الواقع؛ لأن هناك دولًا جعلت من تعداد سكانها ثروة وليس معوقا.
كيف ترى قانون الأطباء الذى يتم تداوله فى مجلس النواب ويلقى عدم قبول من النقابة؟
لقد أعلنت لنقيب الأطباء عدم موافقتى على هذا المشروع بالصيغة التشريعية المطروح بها سعيًا منه للوصول لصيغة تحظى بقبول الجميع لأن وضع الطبيب فى حالة من الاتهام وتعريضه لتهم جنائية بسبب خطأ طبى أمر يقلل من مهارته تحت وطأة الخوف. لا أعترض على مساءلة كل مخطئ مهما كان، ولكن هناك نقابة هى الأولى بتحديد الخطأ ومسئولية المخطئ؛ ومن ثم يتم تحويل الأمر إلى النيابة العامة. أما الأولى من وجهة نظرى فهو تشريع قانون لحماية الطبيب الذى أصبح للأسف دمه مهدرًا فى المستشفيات الحكومية وسط أهل المصاب. ألتمس لهم العذر بسبب تردى الخدمات فى بعض تلك المستشفيات، لكن كلما تحسنت البيئة التى يعمل بها الطبيب كلما كان عمله أفضل.
قضايا شائكة
التبرع بالأعضاء قضية شائكة تظهر على القمة ثم تعود للاختفاء.. ما تعقيبك؟
إنها قضية مجتمعية ترتبط فى المقام الأول بنظرة المجتمع ولقد طلب العالم القدير د. جمال أبو السرور، مدير المركز الدولى للسكان بالأزهر، معرفة رأيى فى هذا الأمر بناء على طلب من الإمام الأكبر شيخ الأزهر، بعدها تواصل معى فضيلته ليخبرنى أنه تم تكوين لجنة لمناقشة هذا الأمر وتعيينى مقررًا لها؛ وتضم هذه اللجنة فى عضويتها كلا من د. مجدى يعقوب ود. محمد غنيم، رائد زراعة الكلى، ود. أبو السرور؛ لكن قبل انعقاد اللجنة بيوم واحد أبلغت بتأجيلها.. وعلى كل حال نية البدء فى حد ذاتها بشرى خير لنعرف مدى نجاح الفكرة من عدمها.
قضية مجتمعية أخرى تثير الجدل تتعلق بتشريح الجثث.. ما رأيك فيها؟
لا بد من إقرار يسمح لنا بالتشريح خاصة فى حالات الوفاة المفاجئة مثل السكتة القلبية؛ ولأننا نخضع لفكرة مجتمعية وهى «حرمة الميت» بالتالى لا بد أن نطلب إذنا من النائب العام وأحيانا نعجز عن معرفة الأمراض التى أدت إلى الوفاة بسبب رفض أهل الميت ويكتفى الأطباء بتقرير مفاده انخفاض حاد فى الدورة الدموية. لقد كان من شروط الحصول على درجة الماجستير تشريح خمسين جثة، ولكن هذا انقضى لتجريم التشريح بدون أسباب جنائية أو إذن من النائب العام.
ماذا عن مبادرة إنقاذ قلب المصريين التى كنت تتبناها فى الكشف عن أسباب السكتة القلبية المفاجئة؟
لقد طلبت موافقة وزارة الصحة على توفير 500 جهاز إنعاش قلب بدلًا من التدليك لتوزيعها على مجموعة من المستشفيات لإنقاذ حياة المرضى وكان الرد عدم القدرة على توفيرها كلها بسبب الميزانية، ولكن بعد موافقة أحد البنوك على تمويلها كنوع من العمل المجتمعى نحن فى انتظار موافقة د. خالد عبد الغفار وزير الصحة.
صورة غير حقيقية
كيف ترى صورة الطبيب فى الدراما المصرية؟
للأسف لا تعكس الصورة الحقيقية للطبيب المصرى الذى يغزو كل دول العالم. هو ليس تاجر الأعضاء أو المهمل فى عمله، لكل قاعدة شواذ؛ ولا بد أن تتغير تلك الصورة لتصبح إيجابية ليس لعودة الثقة فى الطبيب المصرى بل حتى يستعيدوا الثقة فى أنفسهم؛ لقد رأينا بعض الإعلاميين ينتقمون من خطأ طبيب فى تشويه الكل دون استثناء ودون إلقاء الضوء على الطبيبة التى توفيت والدتها فى المستشفى الذى تعمل به رافضة الانصراف قبل انتهاء موعد «النبطشية».
ما نصيحتك لشباب الأطباء؟
عندما كنت طبيبا مقيمًا فى مستشفيات قصر العينى كنت أقيم إقامة كاملة على مدار سنتين ولم أكن أذهب لمنزلى سوى يوم واحد فى نهاية كل أسبوع، إنه أحد الأسباب التى جعلتنى على درجة كبيرة من حبى لعملى. لا أدعى أفضليتى، فالطبيب فى المقام الأول إنسان صاحب رسالة وليس تاجرًا يتنافس مع زملائه فى رفع قيمة الكشف لشعب فى حاجة ماسة لمن يخفف عن حمله كثيرا.

من العشوائية إلى التطوير| «التونسى».. سوق عصرى بـ «استايل موحد»
«إعادة توظيف ثقافى وسياحى» على غرار العديد من الدول العربية والإسلامية
نصيب المصريين من المقامرات العالمية 1,7 مليار دولار!







