كل أسبوع

حسن حافظ يكتب: معاوية وأزمة الدراما التاريخية

حسن حافظ
حسن حافظ


■ بقلم: حسن حافظ

جاء مسلسل معاوية بن أبى سفيان، فى وقت يتصاعد فيه السجال السياسى والدينى فى المنطقة العربية، الأمر الذى أثر سلبا على طريقة التناول الدرامى لعمل يشكل حساسية دينية لعموم المسلمين، ما أدى لمجموعة من الخيارات غير التاريخية لصناع المسلسل أدت فى النهاية إلى عكس رؤية لا تاريخية، ومن هنا تجلى بوضوح مأزق الكتابة الدرامية فى تناولها لأحداث تاريخية، وهو ما تكرر فى عدد من الأعمال التاريخية خلال السنوات القليلة الماضية، إلا أن حالة مسلسل معاوية تظل أكثر وضوحًا بسبب ارتباط الموضوع بأحداث الفتنة الكبرى، التى تظل حتى الآن وبعد مرور 14 قرنًا أحداثًا ساخنة لا تزال جراحها مفتوحة وما بها من صديد لم يتم تطهيره بعد.

لذا جاءت معالجة المسلسل للأحداث التاريخية بصورة لا تحاول أن تشتبك وتغوص فى نفسية الفاعلين التاريخيين فى صدر الإسلام، وهذا مفهوم لما لهذه الفترة من حساسية عند جموع المسلمين، بل إن تمثيل كبار الصحابة على الشاشة كان قبل سنوات قليلة شبه ممنوع، ويثير موجات من الاستياء والرفض، لكن الأزمة أن هذه المعالجة ركزت على تحسين صورة معاوية بن أبى سفيان، الذى يحرص المسلسل على محاولة ترويج صورته كمسالم لا يريد الحرب ولا يطمع فى السلطة ولا يتقن ألاعيب السياسة، وهى أمور لا تثبت أمام أى اطلاع على المصادر التاريخية الأصلية من نوعية: الطبرى والبلاذرى وابن سعد وابن الأثير، التى تكشف عن شخصية معاوية كرجل دولة طامح للسلطة، وليس فى هذا أى عيب، لأنها ببساطة الوقائع التى لا يمكن الالتفاف عليها، وإلا وقعنا فى خانة التزوير التاريخى.

المعالجة الدفاعية لمسلسل معاوية والتبريرية فى أجزاء كثيرة من أحداثها، تعمق من مأزق الدراما التاريخية العربية، التى تسبب العديد من المشاكل التى تنتج عنها ولا تصل إلى نتيجة منطقية، بل إن المشاهدين يتركون المسلسل ويتفرغون لتبادل شحنات الكراهية والتخوين والتكفير، فالمسلسل يؤدى هنا إلى زيادة التعصب والكراهية والمذهبية، فضلا عن أنه لا يقدم محاولة لحل إشكاليات التاريخ، بل يحاول الردم عليها بإهالة التراب عبر معالجات لا تناقش بشجاعة المنعطفات الأكثر حساسية بل تكتفى بتخطيها، الأمر الذى أدى لموجة هجوم على المسلسل لتهربه من نقاش القضايا الأكثر حساسية فى المسلسل، مع توقعات باستمرار هذا الأمر فى تالى الحلقات، خصوصا فى قضايا الصراع بين على بن أبى طالب ومعاوية، وواقعة قتل الأخير لحجر بن عدى.

هنا ننتقل إلى المكون الثانى فى مكونات أزمة الدراما التاريخية، وهى أن القائمين على العمل الدرامى مثلما هو حال مسلسل معاوية، يحاولون استدعاء الشخصية فى إطار صراع سنى شيعى تمر به المنطقة العربية، وهنا يتحول معاوية الخليفة الأموى الأول إلى رمز سنى فى مواجهة التشيع، الأمر الذى أثر على تناول الشخصية التاريخية ومحاولة تقديمها فى ثوب أبيض بلا أخطاء ولا أزمات سياسية، بل العمل على تبرير أفعال معاوية بكل وسيلة ممكنة، وإذا استعصى الأمر يتم حذف وقائع جوهرية لعدم إمكانية التعاطى معها، مثل واقعة نفى الصحابى أبى ذر الغفارى، أو موقعة الجمل، أو نسبة أفعال بطولية لمعاوية وأسرته بشكل مبالغ فيه ويجانب الوقائع التاريخية، ويقدم شخصية مثالية بصورة غير واقعية ولا ممكنة لشخصية عُرفت تاريخيا بانخراطها فى ألاعيب السياسة فى تلك الفترة المضطربة.

واحدة من المشاكل الأساسية التى ينتجها أى مسلسل تاريخى، تعود إلى المتلقى ذاته، فالمشاهد العربى لم يصل بعد إلى مرحلة الفصل بين العمل الدرامى كونه فى الأساس عملا تخيليا يعكس وجهة نظر القائمين عليه وبين الوقائع التاريخية، فيظن أن ما يشاهده على شاشة التلفاز وقائع تاريخية مسلما بها، لا أنها خيال روائى وإن اعتمد على روايات تاريخية، وذلك نتيجة ضعف الخلفية التاريخية والروح النقدية عند الكثير من المشاهدين، فلا يزال البعض يرى شخصية صلاح الدين الأيوبى من خلال شخصية أحمد مظهر فى الفيلم الذى حمل اسم صلاح الدين، رغم أن الفيلم عكس رؤية نظام الزعيم جمال عبد الناصر للشخصية والاستدعاء التاريخى لها فى سياق الحرب ضد العدو الإسرائيلى، فهنا لم يلتزم صانعو الفيلم المعايير التاريخية الدقيقة، لأن هدفهم كان تعبويا فى الأساس.