الفرحة مكتوبة على باب مصر| أعياد المصريين.. كريمة العنصرين

احتفالات العيد في مصر
احتفالات العيد في مصر


■ كتب: حسن حافظ

الفرحة مكتوبة على باب مصر، والبهجة تطل من الأعين في شوارع المحروسة، يتساوى في ذلك المصري مع الضيف الباحث عن الحق في الحياة في أرض الأمان، المصريون يعلقون الزينة ويتبادلون القفشات، يفرحون ببهجة عيد الفطر التي تحل فى أيام مباركة، يؤكدون أن رسالتهم هى حب الحياة ونبذ الكراهية التي دمرت المنطقة من حولهم، الفرحة البادية فى الشوارع وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، لها ما يبررها فالأعياد متواصلة فما يكاد المصريون ينتهون من عيد الفطر حتى يستعدوا لعيد القيامة وبعده العيد القومى الأبرز؛ شم النسيم، لتكون أيام المصريين القادمة أعيادًا يشارك فيها المسلمون والمسيحيون ففى مصر الفرحة جماعية والجميع فيها مشارك.

◄ مصر تستقبل «الفطر» بفرحة وتنتظر «القيامة» و«النسيم» ببهجة

◄ «الفطر» عيد إسلامي والطقوس مصرية قديمة والفرحة واحدة من أيام المماليك

◄ الطبقات الحضارية تتمازج في احتفالي الفطر والقيامة.. والكحك شاهد

المصريون شعب مختلف، حقيقة يكتبها التاريخ ويعرفها الحاضر، ففى وقت تعم الطائفية والقتل على الهوية، العالم والمنطقة تحديدًا، تجد عند المصرى حل لغز المعايشة، هنا فى الأعياد تظهر السبيكة المصرية، الجميع يحتفل بالعيد لا فرق بين مسلم ومسيحي، الجميع مشارك ومدعو لتناول الكحك والبسكوت مع الشاى بلبن، إجازة العيد فرصة للمصريين لالتقاط الأنفاس، راحة ومتعة للقاءات عائلية دافئة، تبادل الزيارات بين الأهل والمعارف، خروجات لفسح بين متنزهات مصرية أبسطها وأجملها التمدد فى مساحات ممتدة على النيل الخالد الشاهد على بهجة المصريين وأعيادهم، مشهد يتكرر فى عيد الفطر ثم فى أعياد القيامة، فالفرحة المصرية واحدة رغم اختلاف الديانة.

◄ روح المصريين

الأعياد الدينية رغم أنها مشتركة مع أتباع الديانات فى شتى بقاع الأرض، إلا أنها فى مصر «حاجة تانية»، هنا يمتزج الاحتفال بروح المصريين، فيعبر عن شخصية بلد قوى يعطى أكثر مما يأخذ ويلون الوافد بألوان مصرية زاهية تعطى للأشياء طعماً وروحاً لا تعرفه فى مكان آخر، فالاحتفال الدينى بعيد الفطر كما هو فى الأصل الدينى يوم واحد فقط، لكن المصريين فى بحثهم عن البهجة مددوا العيد لثلاثة أيام، وأطلقوا عليه تسمية محببة «العيد الصغير»، تمييزًا له عن عيد الأضحى الذى مددوه هو الآخر وجعلوه أربعة أيام، إذا سألت أى مصرى عن عدد أيام عيد الفطر سيقول لك بكل بساطة: ثلاثة أيام، هنا العادة تحكم والرغبة فى الاحتفال والفرحة تفرض سطوتها.

حب المصريين للاحتفال أجبر الدول التى تعاقبت على حكم البلاد على الانخراط فى مظاهر الاحتفال المصري، فالدولة الفاطمية اندمجت مع التراث المصري، واحتفلت بالعيد بتوزيع الحلوى على جميع موظفى الدولة وإقامة الأسمطة الضخمة التى تحوى كل طريف فى القصر، وقد أنشئ لهذا الغرض مطبخ لصناعة الحلوى أطلق عليه «دار الفطرة»، وقد أنشئت فى عهد الخليفة العزيز بالله وهو أول من بنى «دار الفطرة»، وقرر فيها عمل ما يحمل للناس فى العيد، ويبدأ العمل فى هذه الدار منذ نصف رجب فيخزن داخلها كميات كبيرة من السكر والعسل وقلوب اللوز والجوز والفستق والبندق والدقيق والتمر والزبيب والمواد العطرية، ويستمر العمل استعدادًا لحلول عيد الفطر فى صنع أصناف الحلوى المختلفة مثل: الرقاق المحشو بالفستق واللوز (الخشكنانج)، وحلى تصنع من الدقيق والملح (البستندود)، وكعب الغزال ولقمة القاضى وغيرها، وتخزن هذه الأصناف فى مخازن داخل دار الفطرة، وكان الخليفة يحضر نفسه بصحبة الوزير للاطمئنان على سير العمل فى النصف الثانى من شهر رمضان، ثم يبدأ من هذا التاريخ توزيع الحلوى على جميع أرباب الرتب فى الدولة والموظفين كبيرهم وصغيرهم فى صوانٍ تحمل كل صينية اسم صاحبها، ويختلف حجم الصينية وكمية الحلوى حسب مكانة كل فرد، ويحمل هذه الحلوى فراشون مخصصون لهذا العمل، وهم فى أتم زينة ويرتدون الثياب الفاخرة.

◄ اقرأ أيضًا | حزب المصريين الأحرار ينظم احتفالية بمناسبة عيد الفطر

◄ مواطن الأنس

استمر الأمر فى العصر المملوكي، وتعمقت احتفالات المصريين بعيد الفطر، فمواطن الأنس التى ‬اعتاد الناس أن يهرعوا إليها فى عيد الفطر، ‬كان أهمها القرافة والنيل، ‬فيخرجون إلى ‬القرافة زرافات ومعهم نساؤهم وأولادهم، ‬أو ‬يقصدون شاطئ النيل حيث ‬يستأجرون المراكب للنزهة، ‬وكانت الدولة تقيم احتفالها الرسمى فى قلعة الجبل، بينما الشعب يلهو ويفرح بالعيد على طريقته الخاصة، والمدهش أن المصادر المملوكية تحكى لنا عن الكثير من التفاصيل المستمرة حتى يومنا هذا، فتقول إن المصريين كانوا ‬يسهرون حتى ساعة متأخرة فى ليلة العيد فى صقل الملابس الجديدة وزخرفتها استعدادًا لأول أيام العيد، ‬كما ‬يؤكد المقريزى أنهم كانوا ‬ينكبون فى أواخر شهر رمضان على صناعة الكحك، وغيره من أصناف الحلوى، ‬وكانوا ‬يتبادلون أطباقها للتهنئة فى العيد، ‬وأن المصريين كانوا ‬يفضلون أكل السمك المشقوق فى العيد.‬ وفى الصباح المبكر لأول أيام العيد ‬يجتمع أهل الحى أمام منزل الإمام الذى سيصلى بهم صلاة العيد فى المسجد، ‬فإذا خرج إليهم زفوه حتى ‬المسجد وبأيديهم القناديل وهم ‬يكبرون طوال الطريق، ‬وبعد انتهاء الصلاة ‬يعودون به إلى ‬منزله على ‬الصورة نفسها التى ‬أحضروه بها.

◄ الأصول القديمة

المدهش أن عيد الفطر تحديدًا، هو أكثر عيد مصرى تتمازج فيه الطبقات الحضارية المصرية المختلفة، فعلى الرغم من طابع الحداثة الذى يغلف احتفالنا بالعيد فى يومنا هذا، إلا أن معظم احتفالاتنا بعيد الفطر لها أصول قديمة تعود فى بعض الأحيان إلى مصر القديمة، فكحك العيد يعد أحد أهم مظاهر الاستعدادات المصرية للاحتفال بعيد الفطر، ويتم التحضير له خلال الأيام الأخيرة من شهر رمضان الكريم، وهو عادة مصرية قديمة والذى كان يصنع فى العصور القديمة ليوضع مع الموتى داخل المقابر، وينقش عليه رمز الشمس باعتبارها المعبود رع، وهو الشكل الذى وصلنا فى العصور الحديثة فما تزال النساء تقوم بصنع الكحك على شكل قرص الشمس، وتوزعه على روح المتوفين، فعادة زيارة المقابر فى الأعياد قديمة قدم التاريخ المصرى ذاته، وهى أحد المظاهر الرئيسية فى احتفالات المصريين بالعيد، أما الطبق الرئيسى فى عيد الفطر فهو بلا شك الأسماك المملحة؛ الفسيخ والملوحة، وهو طبق متوارث من المصريين القدماء.

ويبدو أن عادة ربط الكحك بعيد الفطر، تعود إلى الفاطميين أى قبل ألف سنة، فى إطار سياستهم لربط الأعياد الدينية بأكلات محببة، فازدهرت فى مصر صناعة الكحك، فيضم متحف الفن الإسلامى بعض الآثار لما كان يكتب على الكحك بواسطة القوالب التى يتشكل منها، والتى كان أبرزها عبارات «بالشكر قدوم النعم، وكل هنيئا، وكل واشكر»، واشتهرت بعض الطباخات بصناعة الكحك كانت أشهرهن حافظة الطباخة التى عرف كحكها بـ«كحك حافظة»، دليلًا على التميز والجودة، ومع الوقت تم تخصيص حارة كاملة لمستلزمات صناعة الكحك تعرف بـ«حارة الكحكيين»، المدهش أن الكحك يعد أيضًا نجم مائدة الاحتفال بعيد القيامة، فهو موحد المصريين على حبه والاحتفاء به فى أقدس أعيادهم.

◄ طقوس واحدة

المدهش أن طقوس الاستعداد لاستقبال الأعياد واحدة سواء كان فى الفطر أو القيامة، فتبدأ الأسر فى الاستعداد المبكر للعيد بشراء الملابس الجديدة، بعدها تبدأ عمليات صناعة الكحك الذى يقدم على مائدة عيدى الفطر والقيامة، وقبل العيد بأيام تبدأ النساء فى البيوت عمليات تنظيف واسعة تتحول الشقق والبيوت بعدها إلى عروس تنتظر يوم العيد، فى الوقت الذى يمضى معظم الأزواج والأبناء تلك اللحظات على المقاهى شبه مطرودين، ففى النهاية الفرحة واحدة فى مصر، وفى كل بيت ستجد بهجة العيد حاضرة ووجوه الناس ضاحكة.