هل الإسلام سبب تخلف المسلمين؟!

صورة موضوعية
صورة موضوعية


■ كتب: حسن حافظ

الإسلام كدين هو سبب تخلف المسلمين، وسبب عدم اندماجهم فى المجتمع الحديث، وهو سبب نكبتهم وتخلفهم عن ركب الحضارة الحديثة، ولا بديل إلا بالتخلص من الإسلام ومنظومته المنبثقة عنه، والانضواء تحت جناح الحضارة الغربية بالكامل، أى الانسلاخ من الذات والانصهار في حضارة الآخر لكي يستطيع المسلمون الخروج من ظلام التخلف إلى نور التقدم والحضارة. فالغرب لما تخلى عن الدين وتحرر منه وصل إلى ما وصل إليه من تقدم.

◄ بعض أصحاب النفوس المريضة اتهموا الإسلام بأنه سبب تأخر المسلمين وتخلفهم الحضاري

◄ نصوص الإسلام الدينية مؤسسة على العقل والتفكير والتدبر ودفعت بالمسلمين لذروة المعرفة

مثل هذه الأفكار والأقوال «المقولبة» تتردد من بعض الأصوات سواء من المسلمين أو غير المسلمين من الباحثين في الإسلاميات، استغلالًا للوضع الصعب الذى تعيش فيه مجتمعات المسلمين، وهذه الأقوال المطلقة والمتكررة تصطاد فى الماء العكر، وتتناسى ما جاء من آيات بينات فى القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة من احترام العقل والتفكير، بل إن التاريخ الإنسانى أكبر شاهد على أن المسلمين عندما توفرت لهم الظروف الموضوعية سبقوا مختلف الأمم ووصلوا إلى ذروة الحضارة لقرون عدة، وأن أسباب التراجع والركود فى مجتمعات المسلمين حاليا لها أسباب عدة ليس من بينها أن الإسلام يقف عقبة كأداة أمام نهوض المسلمين، بل إن التجربة التاريخية تثبت أن نهضة المسلمين مرتبطة أساسًا بتفهم روح النهضة فى النصوص الإسلامية الأساسية أى القرآن والسنة.

◄ الخطاب القرآني

الحث على القراءة والتفكير والتدبر وإعمال العقل كلها أفكار رئيسية فى الخطاب القرآني، الذى ينص صراحة على هذه الروح فأول آية نزلت من القرآن تأمر المسلم بالقراءة وإعمال العقل، والآيات تترى تحمل الأوامر الإلهية بالتفكير وإعماله، مثل قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ «البقرة: 219»، وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ «البقرة: 266»، وقوله سبحانه: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ «يونس: 24»، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ «الزمر: 42». وهناك الكثير من الآيات التى تحث على استخدام العقل نذكر منها، قوله تعالى: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ «البقرة: 73»، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِى تَجْرِى فِى الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ «البقرة: 164».

هذه الآيات وغيرها نضعها أمام من لا يعقل ولا يفهم، فالرسالة المحمدية كلها قائمة على استخدام العقل، والنبى صلى الله عليه وسلم فى سيرته النبوية الشريفة يضرب الأمثال العملية لاستخدام العقل ففى هجرته النبوية استخدم العقل فى تضليل الكفار، ثم جاء النصر الإلهى المعزز لنبيه، وفى معارك رسول الله، استخدم علوم العرب الحربية ومعارفهم القتالية، واستعان بمشورة أصحابه فى أعمال الحرب، كما استمع لمشورة سلمان الفارسى بضرب الخندق حول المدينة المنورة حماية لها من هجوم كفار قريش، وكلها وقائع أراد الله سبحانه وتعالى من خلال سيرة النبى الأكرم التأكيد على معنى السعى للكسب والعمل لكى تجنى ثمرته، واستخدام العقل فى الأمور المعيشية وحل ما يواجه المرء من مشاكل، بل إن القرآن الكريم ضرب أكبر مثل لاستخدام العقل، فى سيرة النبى إبراهيم عليه السلام، فسيرته يمكن النظر إليها بشكل رمزى بأنها قصة استخدام العقل فى البحث عن الإله والعبادة الصحيحة، عبر الشك فى عبادة الأوثان والشمس والقمر حتى ظهرت له الآيات الربانية.

◄ اقرأ أيضًا | أسامة قابيل يحذر من الاختلاط غير المنضبط بين الرجال والنساء في صلاة العيد

◄ تعظيم العقل

في السياق، يقول المفكر عباس محمود العقاد فى كتابه (التفكير فريضة إسلامية): «من مزايا القرآن الكثيرة مزية واضحة، يقل فيها الخلاف بين المسلمين وغير المسلمين؛ لأنها تثبت من تلاوة الآيات ثبوتًا تؤيده أرقام الحساب، ودلالات اللفظ اليسير، قبل الرجوع فى تأييدها إلى المناقشات والمذاهب التى قد تختلف فيها الآراء، وتلك المزية هى التنويه بالعقل، والتعويل عليه فى أمر العقيدة، وأمر التبعة والتكليف... القرآن الكريم لا يذكر العقل إلا فى مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل به، والرجوع إليه، ولا تأتى الإشارة إليه عارضة ولا مقتضبة فى سياق الآية؛ بل تأتى فى كل موضع من مواضعها مؤكدة جازمة باللفظ والدلالة، وتتكرر فى كل معرض من معارض الأمر والنهى التى يحث فيها المؤمن على تحكيم عقله، أو يلام فيها المُنكِر على إهمال عقله، وقبول الحجْر عليه».

◄ فريضة التفكير

ويشدد العقاد على أن «فريضة التفكير فى القرآن الكريم تشمل العقل الإنسانى بكل ما احتواه من هذه الوظائف بجميع خصائصها ومدلولاتها؛ فهو يخاطب العقل الوازع، والعقل المدرك، والعقل الحكيم، والعقل الرشيد، ولا يذكر العقل عرضًا مقتضبًا؛ بل يذكره مقصودًا مفصلًا على نحو لا نظير له فى كتاب من كتب الأديان»، ويقول فى موقع آخر: «فالدين الإسلامى دين لا يعرف الكهانة، ولا يتوسط فيه السدنة والأحبار بين المخلوق والخالق، ولا يفرض على الإنسان قربانًا يسعى به إلى المحراب بشفاعة من ولى متسلط أو صاحب قداسة مطاعة، فلا ترجمان فيه بين الله وعباده يملك التحريم والتحليل، ويقضى بالحرمان أو بالنجاة، فليس فى هذا الدين إذنْ من أمرٍ يتجه إلى الإنسان من طريق الكهان، ولن يتجه الخطاب إذنْ إلا إلى عقل الإنسان حرًّا طليقًا من سلطان الهياكل والمحاريب، أو سلطان كهانها المحكمين فيها بأمر الإله المعبود، فيما يدين به أصحاب العبادات الأخرى».

إذن القرآن الكريم والحديث النبوى الصحيح لا يشجع على الجهل والتنطع بل يؤسس لمدرسة استخدام العقل والسعى فى الحياة، يركز القرآن على العقلانية واستخدام العقل بصورة مكثفة، فالإسلام فى أساسه دين عقلاني، لكن جاء بعد ذلك قوم أهدروا قيمة العقل والتفكير الحر والشك المنطقي، من أجل تكريس كهنوت مستتر يقوم على طرح العقل جانبًا، واحتقاره بشكل كامل، فظهرت عبارات غريبة عن روح الإسلام تحارب العقل والعلم تقول: «من تمنطق فقد تزندق»، والترويج أن الشك واستخدام العقل هو سبب عصيان إبليس وخروج آدم من الجنة، لنصل إلى شيطنة كاملة للعقل، بهدف أن يسلم المسلم عقله المُعطل للخرافة والجهل فيسهل قيادته من قبل من يتحدث باسم الدين أو يستخدمه ويتاجر به، على الرغم من أن النبى إبراهيم عليه السلام استخدم العقل فى الوصول إلى الإيمان الصحيح ومعرفة ربه خالق الشمس والقمر.

◄ صناع حضارة

والإسلام كدين لا يعادى الحضارة، بل على العكس، كان له دور كبير فى بناء الحضارة الإنسانية، فالمسلمون شاركوا فى صناعة الحضارة الإنسانية وكانوا فى مقدمة الصف عندما بلغت حضارة المسلمين فى أوج تقدمها، وقدمت إسهامات كبيرة وأساسية فى العلوم الأساسية مثل الطب والفلك والهندسة والرياضيات وعلم النباتات والفلسفة والتاريخ وغيرها من العلوم، وتعلم الأوروبيون على يد علماء المسلمين أمثال ابن سينا والرازى والخوارزمى وابن الهيثم وابن النفيس وابن رشد، ومنهم من كان من علماء الفقه، مثل ابن رشد قاضى قضاة المالكية وابن الهيثم وكلهم بلا استثناء تربى تربية إسلامية فى صغره فلم يكن هذا بعائق على الإبداع الذى شكل اللبنة الأولى فى العلوم الحديثة، كما أن الإسلام لم يقف عائقا أمام المسلمين فى النقل عن الحضارات السابقة من اليونانية والفارسية والهندية والسريانية، وعملوا على صهر هذه الأفكار فى بنيتهم الحضارية بكل يسر وسهولة، والحديث المنسوب إلى النبى صلى الله عليه وسلم يؤسس للعلم بقوله: «طلب العلم فريضة على كل مسلم».

أما إذا كان هناك تخلف فى مجتمعات المسلمين الآن، فسببه عوامل معقدة وليس بسبب الإسلام نفسه، ومن المهم أن ننظر إلى التاريخ والإسهامات الإسلامية بموضوعية وأن نعمل على فهم الأسباب الحقيقية للتحديات التى تواجهها المجتمعات الإسلامية اليوم، فالادعاء بأن الإسلام يعادى الحضارة أو أنه سبب التخلف ادعاء غير دقيق ويتجاهل التاريخ الغنى للإسلام وإسهاماته الكبيرة فى الحضارة الإنسانية، فى الواقع، كان الإسلام ولا يزال دينًا يحث على العلم والمعرفة والتقدم، وقد كان له دور محورى فى تطور الحضارة الإنسانية عبر العصور، أما أسباب تخلف بعض المسلمين فيعود إلى لعب الاستعمار الغربى دورا مهما فى استنزاف موارد الدول الإسلامية ما عطل تطورها كما هو ثابت فى الكثير من الدارسات العلمية التى أنجزها علماء غربيون أشادوا بعمق تأثير المسلمين فى الحضارة الإنسانية جمعاء، فأشهر مؤرخ للعلوم فى العالم جورج سارتون أقر فى كتابه (المدخل إلى تاريخ العلم)، بأن العلماء المسلمين هم من أسسوا العلوم الحديثة التى بنى عليها الأوروبيون نهضتهم، وأشاد المؤرخ توماس أرنولد بروح التسامح التى ميزت المسلمين فى تعاملهم مع غيرهم فى كتابه الشهير (الدعوة إلى الإسلام)، أما المستشرقة الألمانية سيجموند هونكه فقد أكدت على دور حضارة المسلمين فى تطور أوروبا فى كتابها (شمس العرب تسطع على الغرب).

◄ الأباطيل

إن القول بأن الإسلام يعادى روح العصر ويعادى الحضارة ويعادى العلم، كلها أباطيل ونكتفى هنا بهذا النص الذى كتبه برويز أمير على بيود فى كتابه المهم (الإسلام والعلم)، وهو نص عظيم فى نفى الجمود عن الإسلام والمسلمين وأن الأمر يخص ملابسات تاريخية، يقول: «لنتخيل سويا أن فريقا من العلماء من كوكب المريخ زار الأرض فيما بين القرنين التاسع والثالث عشر الميلاديين، وانصبت مهمتهم على دراسة النواحى الحضارية، وتطور مختلف مناحى الحياة للإنسان. ستكشف ملاحظاتهم أن بعض المجتمعات فى حركة ديناميكية نشطة وفى تطور واعد نحو أشكال حضارية أرقى وأسمى. على حين يتميز غيرها من المجتمعات بالسكون والخمول وتبدو معاقة ومقيدة بالتقاليد والخرافات. وفى التقرير المقدم من بعثة زوار الفضاء، نجدهم يسجلون أن الحضارة الواعدة هى الحضارة الإسلامية، بما تملك من بيت الحكمة والمراصد الفلكية والمستشفيات والمدارس... فى المقابل نجد أوروبا بمن فيها من البابوات ورجال الدين من حارقى السحرة، تبدو بربرية ومتخلفة وغارقة فى ظلمات عصور الظلام».