70٪ من الأطفال المصريين وقعوا ضحية له ..«أنياب التنمر» تفترس براءة المجتمع

صورة موضوعية
صورة موضوعية


فاطمة عبد الوهاب

فى مجتمع تتفق دياناته على أن الاحترام وكف الأذى من أبرز أسس التعايش السلمى، وتنص قوانينه على عقوبات مقيدة للحريات فى حال التعدى على حق الآخر فى العيش ببيئة آمنة ومستقرة، تخرج علينا  ظاهرة التنمر التى أصبحت منتشرة فى مجتمعنا المصرى بطبقاته المختلفة على حد السواء.. آفة عنيدة أطلت بوجهها القبيح لتعلن عن وجودها الخبيث بيننا من خلال أرقام مفزعة رصدتها إحصائيات  العديد من الجهات وعلى رأسها: منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسيف» التى جاءت تقاريرها لتؤكد تعرض 70% من الأطفال فى مصر فى المرحلة العمرية بين 13 و15 سنة لأذى التنمر، بمعدل واحد من بين كل ثلاثة طلاب هذه النسبة بالغة الارتفاع تؤكد أن التنمر لم يعد ظاهرة منعزلة، بل هو مرض مزمن واسع الانتشار، وينبغى التصدى له بشدة، وبمزيد من الجهود الدءوبة حتى يتسنى لمجتمعنا التطهر منه.

اقرأ أيضًا | الصحة العالمية: تضاعف عدد حالات الحصبة في أوروبا عام 2024

السطور التالية تناقش الظاهرة من مختلف أبعادها، وكيفية معالجتها، وطرق إيقاف نموها:

يقول الدكتور طارق خضر أستاذ النظم السياسية والقانون الدستورى والجنائى بـ أكاديمية الشرطة : إن التنمر ظاهرة تعبر عن تراجع السلوكيات فى المجتمع، وهى من الأخطار التى ينبغى التصدى لها بقوه وحزم، ورغم أن الدولة قد تطرقت إلى هذا الملف منذ عدة سنوات وأصدرت بعض التعديلات فى المواد العقابية لمواكبة هذه الأنواع من الجرائم المعاصرة ، إلا أن هذه الآفة لا تزال تحتاج إلى مزيد من الجهد من أطراف المجتمع كافة ليأتى دور العقوبة فى نهاية هذه الجهود متممًا لها، ورغم التعديلات التى أُدخلت على قانون العقوبات إلا أننا ما زلنا فى حاجة لمزيد من تشديد العقوبة لتحقيق ردع عام قوى لمرتكبيها.



تغليظ العقوبة
ويوضح خضر: أن عقوبة التنمر تناولها قانون العقوبات المصرى فى المادة رقم ٣٠٩ مكرر ب التى تنص على أنه يُعد تنمرًا كل استعراض قوة أو سيطرة للجاني، أو استغلال ضعف للمجنى عليه، أو الحالة التى يعتقد الجانى أنها تسىء للمجنى عليه كالجنس والعرق والدين والأوصاف البدنية، أو الحالة الصحية أو العقلية، أو المستوى الاجتماعي، بقصد تخويفه أو وضعه موضع السخرية أو الحط من شأنه أو إقصائه عن محيطه الاجتماعي.

وينص القانون على معاقبة المتنمربالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن ١٠ آلاف جنيه ولا تزيد على ٣٠ ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، ويتم تشديد العقوبة إذا توافر أحد ظرفين، أحدهما وقوع الجريمة من شخصين أو أكثر، والآخر إذا كان الفاعل من أصول المجنى عليه أو من المتولين تربيته أو ملاحظته أو ممن لهم سلطة عليه. كما تُشدد العقوبة أيضًا إذا كان مسلماً إليه بمقتضى القانون أو بموجب حكم قضائى أو كان خادماً لدى الجاني، لتكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن 20 ألف جنيه، ولا تزيد على 100 ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين.

ونص أيضًا على مضاعفة الحد الأدنى للعقوبة حال اجتماع الظرفين .. وفى حالة العود تضاعف العقوبة فى حديها الأدنى والأقصى.

ويضيف خضر: أنه تم بعد ذلك إدخال تعديلات القانون رقم 185 لسنة 2023، لتشديد العقوبات على بعض الصور المُستحدثة من الجرائم التى ظهرت فى الآونة الأخيرة وعلى رأسها: التنمر، حيث نص القانون على أنه يُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تتجاوز أربع سنوات، وبغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تزيد على مائتى ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من تعرض للغير فى مكان عام أو خاص أو مطروق بإتيان أمور أو إيحاءات أو تلميحات جنسية أو إباحية سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل بأى وسيلة بما فى ذلك وسائل الاتصالات السلكية أو اللاسلكية أو الإلكترونية، أو أى وسيلة تقنية أخرى.



الوعى القانونى
ويؤكد أستاذ القانون: أن أهم عوامل التصدى لظاهرة التنمر تتمثل فى إدارة الوعى القانونى لدى المجتمع بمعنى ضرورة العمل على توعية الآباء والأبناء بهذه القوانين والمواد العقابية ليترسخ داخل الجميع أن كل أشكال التنمر تمثل جريمة يعاقب عليها القانون، وبالتالى يتحقق الردع المرجو منها، إلا أننا نعانى غياب برامج التوعية القانونية سواء فى الإعلام أو برامج التواصل الاجتماعى .. وكذلك فى الدراما والفنون من خلال دور وزارة الثقافة وأجهزة الإعلام وغيرها من الجهات المسئولة.

ويشير خضر إلى أن كل ما سبق على أهميته لا يمكن أن يحل الأزمة دون النظر إلى البيئة التى ينشأ فيها الطفل والتى يحكمها عدة أطراف متشابكة تبدأ من الأسرة ثم المدرسة ، يليها الإعلام وأخيرًا المؤسسات الرقابية والعقابية فى الدولة، على أن تتعاون هذه الجهات للعمل على معالجة هذا المرض المتفشى معتمدة على عدة محاور: أولها التربية داخل الأسرة على أسس دينية وأخلاقية، ومراعاة القيم التى تحكم المجتمع والصحيح من عاداته وأعرافه، فهذه الأسس التى يجب أن ينشأ عليها الطفل لها دور كبير فى بناء شخصية سوية فى المستقبل، ثم يأتى دور المدرسة الذى أصبح مؤخرًا يركز ، بل يقتصر على الربح المادى فقط دون الاهتمام بمسئوليتها المجتمعية التى تبدأ منذ مرحلة اختبارات القبول للطلاب التى ينبغى أن يحكمها عدة معايير: أولها: عقد عدة مقابلات للوالدين بحوزة الطفل فى حضور خبراء علم النفس والاجتماع للوقوف على طبيعة التعامل داخل الأسرة، وما إذا كان هناك أى علامات ظاهره تنبئ بأن الطفل يحمل مشكلات نفسية أو أنه سيكون مسببًا للأذى بين زملائه، وفى هذه الحالة يتم توجيه الأسرة لضرورة اللجوء إلى خبراء السلوكيات وأساتذة علم النفس و تعديل السلوك والانتظام فى خطة علاجية يُعاد بعدها اختبارات القبول لدخول المدرسة على أسس صحية.

ويضيف خضر: أنه ينبغى أيضًا أن تكون هناك قوانين مُلزمة تشترط بأن يتم اختيار إدارات المدارس ذات خلفية تربوية وألا يكونوا مجرد رجال أعمال هدفهم الربح فى المقام الأول، ويتم ذلك عن طريق إلزامهم باجتياز دورات تدريبية أو الحصول على دبلومات تخص التربية والسلوك وعلم النفس.



أزمة عنيدة
ويوضح د. جمال جبريل أستاذ القانون الدستورى بجامعة حلوان: أن ظاهرة التنمر تنتشر بين البالغين والأطفال، والقانون بمواده الحالية يُطبق على المتنمرين من البالغين، بينما تتصدى لهذه الظاهرة اللوائح التأديبية للمدارس بين الأطفال إلا أنه ورغم وجود هذه النصوص لا تزال جريمة التنمر فى تزايد مستمر، والأمر يعود إلى أن شرعية النص تتأتى من قدرته على معالجة الجريمة، وبما أن هذا لم يتحدث فذلك يعنى أننا بصدد أزمة عنيدة لا تتوقف عند النصوص العقابية ، بل تستلزم تدخل الأطراف المعنية كافة وعلى رأسها: الإعلام والدراما وما يتم تقديمه من خلالهما، حيث إن المحتوى القائم على العنف وإظهار الشغب وأعمال البلطجة فى مختلف الأعمال الفنية يُعد من أهم العوامل التى أدت إلى تفشى هذه الظاهرة بين الشباب والصغار التى ترى أن بطل العمل الذى يمثل الرجولة والقوة ينتهج هذه السلوكيات الفاسدة .. وبالتالى يقوم بتقليدها. كما أن المحتوى الكوميدى لبعض هذه الأعمال أصبح يعتمد بشكل أساسى على التنمر كمادة للفكاهة، وهو ما يسجله العقل الباطن للطفل على أنه أمر طبيعى ولطيف، وأنه يستطيع أن يستخدمه فى حياته اليومية كشكل من أشكال المزاح.

ويضيف جبريل: أن بث هذه المواد السامة ودخولها عبر التليفزيون ومنصات التواصل الاجتماعى إلى كل البيوت المصرية يساهم بقدر كبير فى تفاقم الأزمة على عدة مستويات، حيث أصبحنا نرى التنمر على تعدد أشكاله اللفظى والجسدى والاجتماعى والعنصرى والاليكترونى وغيره منتشرًا فى المدارس، وأماكن العمل، والشارع، ووسائل المواصلات، وحتى داخل البيت بين أفراد الأسرة الواحدة ، لذلك ينبغى أن تكون هناك وقفة مع هذه المواد المُقدمة، وأن تتبدل توجهاتها، ويتغير محتواها لتتواكب مع ما جاء فى توجيهات السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى فى لقائه الأخير حول هذا الأمر .



تكاتف الجميع
ويشدد جبريل على ضرورة أن تتكاتف كل جهات الدولة لمعالجة أزمة التنمر من خلال نشر التوعية حول الأذى النفسى الذى يتركه التنمر على الضحية وعلى المجتمع، وتوفير برامج دعم لضحايا التنمر، وتعزيز ثقافة الاحترام من خلال برامج التوعية فى أجهزة الإعلام المختلفة، بالإضافة إلى تفعيل دور الجهات الرقابية فى تنقية المواد التى تُعرض عبر وسائل الإعلام، والوقوف بالمرصاد لكل من يقدم ما يتنافى مع أخلاقيات المجتمع والقيم الدينية.

ويضيف جبريل: أنه ينبغى التركيز أيضًا على نشر الثقافة القانونية بين أفراد المجتمع، حيث إن أغلب من تمت معاقبتهم جراء ارتكابهم لجرائم التنمر قد تحقق فيهم الردع الخاص فقط. أما الردع العام وهو الشق الثانى من أهداف القوانين العقابية فلم يتحقق، لأنه لم يصل لبقية أفراد المجتمع، حيث إنه فيما سبق كان يُعد نشر نص القانون بالجريدة الرسمية يفترض به علم الكافة ، أما الآن فأصبحت الأجيال الحالية تستقى معلوماتها من جهات أخرى مثل: الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعى والأعمال الدرامية .

القوانين لا تكفى
أما د. فتحى قناوى أستاذ كشف الجريمة بالمركز القومى للبحوث الجنائية والاجتماعية فيؤكد أن القوانين وحدها غير كافية لمواجهة آفة التنمر بدليل أن جرائم القتل لم تتوقف رغم عقوبة الإعدام، صحيح أن القواعد الصارمة فى المدارس والأندية بالنسبة للصغار والنصوص العقابية بالحبس والغرامة بالنسبة للبالغين تُعد من عوامل المواجهة إلا أنها لا تقضى على هذا المرض المستشري، حيث إن أهم العوامل التى تساعد فى الحد من هذه الظاهرة يتمثل فى العمل على ثلاثة محاور خاصة بتنشئة الصغار، وهى ما يتربى عليه الطفل، وما يتلقاه من تعليم، وما يراه عبر أجهزة الإعلام.

ويقول قناوى: «ما نعانى منه فى المجتمع الآن يعود إلى غياب دور الاسرة فى التربية وتقديمها لما يشبه الرعاية بدلاً منها، إضافة إلى أنه قد أحيط بنا من الاتجاهات كافة العنف والنشر الفاضح والتفاصيل المخزية من خلال وسائل الاتصال والتواصل المختلفة والتى أصبحت تصدر التنمر على أنه وسيلة لإثبات الوجود والقوة والدفاع عن النفس متناسين الأخلاقيات السمحة والعفو والرحمة والإحسان، وغيرها من القيم التى تبنتها الديانات السماوية الثلاث، وكأننا نتعمد أن نشيع بين الناس أن أخذ الحق فى هذه الحياة لا يكون إلا بقانون الغاب». ويضيف قناوي: أن التنمر من شأنه أن يزيد من معدل الجرائم فى المجتمع، حيث إن الطفل الذى يمارس هذا السلوك منذ الصغر فى حال عدم تعديل سلوكه سيصبح أكثر إجرامًا مستقبلًا، كذلك الطفل المُتنمر عليه سيكون عبارة عن قنبلة موقوتة لديه نزعة انتقام، وهذا كله يؤدى إلى تأجيج العنف داخل المجتمع، ويفسر لنا أشكال الاعتداءات المُتبادلة التى نراها يوميًا بين الناس فى الشارع المصري.

الدعم النفسي
ويوضح أستاذ كشف الجريمة بالمركز القومى للبحوث الجنائية والاجتماعية: أن جميع المدارس ينبغى أن تخضع لإشراف فعلى من وزارة التربية والتعليم طالما تواجدت على أرض مصر ، بغض النظر عن كونها خاصة أو حكومية، مع فرض عقوباتٍ صارمة على المدارس التى يقع فيها هذه المخالفات سواء من الطلبة أو المعلمين، كذلك ينبغى تعيين إخصائى نفسى لكل مرحلة من المراحل التعليمية داخل المدرسة، نظرًا لأهمية دوره فى معالجة هذه النوعية الحساسة من الانحرافات السلوكية إلا أننا نجد دائماً الاهتمام بالإخصائى الاجتماعى دون النفسى فى المدارس رغم وجود آلاف الخريجين من هذا التخصص شديد الأهمية والذى لا بد ألا يقتصر دوره على التركيز على سلوكيات الطلاب فقط. بل أصبح لزامًا أن يكون مسئولاً عن سلوكيات المعلمين كذلك.

وأشار إلى أنه يتحتم على المدارس التدقيق فى اختيار المعلمين وإجراء الاختبارات النفسية لهم حتى لا نجد أننا أمام حالاتٍ عديدة لتنمر المعلمين أنفسهم على الطلاب وهو ما يؤدى إلى مزيد من الانتشار لهذه الظاهرة الخطيرة، لأن الطالب يجد نفسه فى هذه الحالة أمام قدوة مشوهة قد يقوم بتقليدها مما يؤدى إلى تزايد هذه الازمه بشكل مستمر.

ويضيف قناوى أن التنمر بانتشاره فى مختلف الدول المتقدمه أو الناميه ما هو إلا مؤشرا على انهيار القيم الإنسانية عالميا وهو ما يعد نتاجا طبيعيا للتغيرات السلبيه التى يتجه البشر نحوها والتى تعتمد على تجاهل الأسس التربوية والدينيه والأخلاقية واعتبارها اساليب قديمة للتربية واتخاذ من الحرية ذريعة للتصرف دون ضوابط أو حدود او حتى احترام للآخرين الأمر الذى أصبح بمثابة اتفاق ضمنى من الجميع على استمرار هذا الانحدار الذى يؤدى إلى تحول المجتمعات لبيئة مؤذية نفسيا يعانى فيها الكثير من الضحايا. 

ويؤكد قناوى ان الحل الأمثل هو اعتراف الدول التى تعانى من مثل هذه الازمات بأن عندها خلل يستوجب الإصلاح الذى لن يتم إلا بإتحاد الاسره والمدرسة والاعلام فيما يشبه منظومة واحده تكمل بعضها البعض  حتى لا يقوم أحد هذه العناصر بجهد كبير ثم يضيع على أعتاب مؤسسات العنصر الثانى فكثيرا ما نجد من الأسر الواعية  من يقوموا بتربية ابنائهم على أسس دينيه واخلاقيه سليمة ثم يصطدم الطفل بالمجتمع الخارجى سواء فى المدارس أو الانديه أو حتى من خلال ما يتعرض له من مواد إعلامية مسمومة لذلك ينبغى أن يكون العمل بين الجهات الثلاثه مكملًا لبعضه البعض.