أوروبا تشلّ مفاوضات ترامب وبوتين بشأن الحرب الروسية الأوكرانية

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وزعماء الاتحاد الأوروبي - صورة تعبيرية
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وزعماء الاتحاد الأوروبي - صورة تعبيرية


منذ إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب استعداده للتوسط لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، اصطدمت مبادرته بجدار من الاعتراضات الأوروبية التي ترى نفسها لاعبًا رئيسيًا لا يمكن تجاوزه.

ومع تصاعد الخلافات، وسط مشهد سياسي متشابك، تتعثر محاولات إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية تحت وطأة توتر متزايد بين الولايات المتحدة وأوروبا، ليصبح الطريق نحو حل دبلوماسي أكثر وعورة، خاصةً مع الشروط الروسية الصارمة وتراجع النفوذ الأمريكي التقليدي في ضبط الإيقاع العالمي.

اقرأ أيضًا| من الحرب إلى المفاوضات.. بوتين يقلب الطاولة على ترامب في ملف أوكرانيا


غضب أوروبي أمام تحركات ترامب

تُواجه أوروبا موجةً من القلق والإرهاق السياسي بسبب النهج غير المتوقع لـ الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، فبعد خمسة أسابيع فقط من مفاجأته للغرب بإجراء اتصال مباشر مع نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، مُعلنًا عن خطة لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، اندلعت موجة من الغضب الأوروبي، بحسب صحيفة «بوليتيكو» الأمريكية.

وطالب زعماء الاتحاد الأوروبي، بأن يكون لهم دور مركزي في المفاوضات، مُشددين على أنه لا يمكن تقرير مصير أوكرانيا دون مُشاركتها، لكن رغم هذا الضغط، لم تلقَ مطالبهم استجابة ملموسة حتى الآن.

وخلال الأيام الماضية، تصاعدت المفاجآت السياسية القادمة من واشنطن، حيث هاجم ترامب ونائبه جي دي فانس، الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي بحدة، مما أثار استياء كييف.

وتزامن ذلك مع تصعيد ضد الاتحاد الأوروبي، شمل انتقاداته لسياساته تجاه الأحزاب اليمينية المتطرفة وفرض تعريفات جديدة على الألومنيوم والصلب، لتزيد هذه التحركات من توتر العلاقات مع أوروبا، في وقت تحتاج فيه القارة الأوروبية إلى استقرار دبلوماسي لمواجهة تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية.


هدنة معلقة بين أوكرانيا وروسيا

رغم التوترات، تمكنت واشنطن وكييف من التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار لمدة 30 يومًا، يشمل جبهات القتال البرية والبحرية والجوية، لكن تنفيذ الاتفاق ظل مشروطًا بموافقة موسكو، وهو ما لم يتحقق، وعندما حاول ترامب إقناع بوتين بالموافقة، قوبل الطلب بالرفض، إذ وضع الرئيس الروسي، فلاديمير زيلينسكي شُروطًا تعجيزية مقابل وعود غامضة بعدم استهداف البنية التحتية للطاقة، ليعود بعدها مباشرة بقصف مكثف على المدن الأوكرانية وسط صمت أمريكي لافت، وفقًا لصحيفة «بوليتيكو» الأمريكية.

وفي مكالمة استمرت قرابة ساعة، وصفها ترامب بأنها "مُثمرة للغاية"، ناقش مع زيلينسكي التطورات الأخيرة، مؤكدًا أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح، لكن بعد ذلك بساعات، ظهر زيلينسكي في قمة الاتحاد الأوروبي ليعلن رفضه القاطع لشروط بوتين، مُشددًا على أن استقلال أوكرانيا غير قابل للتفاوض.

في المقابل، وصف رئيس وزراء السويد، أولف كريسترسون، المشهد السياسي الحالي بأنه "فوضوي إلى حد كبير"، في إشارة إلى التعقيدات المستمرة.

اقرأ أيضًا| «معهد ستوكهولم» يكشف مدى هيمنة الأسلحة الأمريكية على سوق الدفاع الأوروبي


أوروبا.. بين الجمود السياسي وصراعاتها الداخلية

أظهر اجتماع المجلس الأوروبي مدى تراجع نفوذ الاتحاد في الأزمة الأوكرانية، حيث وجد القادة أنفسهم بعيدين عن المفاوضات الحقيقية بين ترامب وبوتين وزيلينسكي.

وبينما تزداد العزلة الأوروبية، انشغل القادة في مناقشات جانبية لم تسفر عن تحركات ملموسة، رغم التأكيد الرسمي على ضرورة تسريع جهود تعزيز الدفاع الأوروبي،/ ومع ذلك، لا يزال هناك انقسام حول كيفية تمويل برنامج قروض دفاعي بقيمة 150 مليار يورو، ما يعكس حالة الارتباك التي تعانيها أوروبا في مواجهة أزمة تهدد أمنها الإقليمي.

فيما تُحاول إسبانيا توسيع مفهوم "الدفاع" ليشمل تحديات مثل ارتفاع منسوب مياه البحار والهجرة غير النظامية، سعيًا للاستفادة من التمويل الأوروبي المقترح، في الوقت نفسه، يبدو أن اقتراح رئيس دبلوماسية الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، بتقديم مساعدات عسكرية لأوكرانيا بقيمة 40 مليار يورو هذا العام، قد فقد زخمه تدريجيًا.


قروض الاتحاد الأوروبي

الخطة الأوروبية لتمويل الدفاع، بصيغتها الحالية، تمنع استخدام الأموال لشراء أسلحة أمريكية أو معدات عسكرية بريطانية، نظرًا لخروج لندن من الاتحاد، ورغم أن بريطانيا وفرنسا تعملان معًا لإنشاء قوة لحفظ السلام في أوكرانيا، إلا أن بعض الأوروبيين يرون في ذلك تعقيدًا بيروقراطيًا غير مبرر.

وفي بروكسل، يتطلع المسؤولون إلى توقيع رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، على اتفاقية شاملة للدفاع والأمن مع الاتحاد الأوروبي خلال قمة مايو المُقبلة، وهو هدف مشترك لكلا الجانبين، لكن بعض الدول الساحلية الأوروبية تطالب بأن تشمل الاتفاقية أيضًا ترتيبات جديدة للصيد، مما يعيد الجدل التقليدي حول حقوق الصيد بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي إلى واجهة المفاوضات الدفاعية.


«إذا» وليس «عندما».. التشاؤم الأوروبي بشأن الهدنة

يسود بروكسل شعور متزايد بالواقعية القاتمة، إذ بات واضحًا للأوروبيين أنهم مستبعدون من محادثات السلام التي يسعى دونالد ترامب لترتيبها، كما يُدركون أنهم غير قادرين على تعويض الدعم العسكري الأمريكي لأوكرانيا، مهما كانت طموحات بعض قادة الاتحاد.

وفي بريطانيا، التقى ستارمر بمخططين عسكريين يبحثون تشكيل قوة متعددة الجنسيات، تضم بريطانيا وفرنسا، لضمان أي سلام مستقبلي في أوكرانيا ضد أي تهديد روسي، لكنه لم يبدُ واثقًا، مُؤكدًا أن أي اتفاق قد يأتي تدريجيًا، وقال: "نأمل في اتفاق، لكن التخطيط يجب أن يبدأ الآن، وليس بعد توقيع الهدنة".

بينما يستعد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون لدعوة القادة الأوروبيين لاجتماع جديد لتحالف "الراغبين"، في حال ظهرت الحاجة إلى قوة لحفظ السلام في أوكرانيا، وفي المقابل، يلتزم ترامب الصمت في واشنطن بينما يواصل بوتين قصف المدن الأوكرانية، مما يزيد من ضبابية المشهد السياسي والعسكري في أوروبا.

اقرأ أيضًا| صفقة القرن الجديدة.. ترامب وبوتين يُناقشان إعادة توزيع النفوذ في أوكرانيا