يُعد المتحف المصري بالتحرير أحد أعظم الصروح الثقافية في العالم، حيث ضمّ بين جدرانه الكنوز الأثرية التي تعكس عظمة الحضارة المصرية القديمة. ولكن خلف هذا الإنجاز التاريخي تكمن رحلة شاقة بدأت من الجيزة وصولًا إلى التحرير، وهي الفترة التي وثقها غاستون ماسبيرو، مدير مصلحة الآثار حينها، في مذكراته.

اقرأ أيضا | وزير الثقافة: المؤسسات الثقافية والفنية تلعب دوراً محورياً في نشر الوعي البيئي
وتروي هذه المذكرات تفاصيل دقيقة عن عمليات النقل، والتحديات التي واجهها فريق العمل، والاكتشافات التي حدثت خلال هذه الفترة، مما يجعلها شهادة حية على مرحلة فارقة في تاريخ علم المصريات.

يوليو 1902: نهاية عهد متحف الجيزة
مع اقتراب افتتاح المتحف المصري الجديد بالقاهرة، كان من الضروري نقل جميع الآثار من متحف الجيزة. وكان من بين الأحداث البارزة خلال هذه الفترة نقل جثمان وضريح عالم المصريات الشهير "أوجست مارييت" إلى المتحف المصري الجديد، ليكون في قلب الصرح الذي أسسه بنفسه. وبذلك، أُعلن رسميًا عن خلو متحف الجيزة بالكامل، وتم تسليم المبنى والحديقة إلى محافظ الجيزة، إيذانًا بنهاية حقبة وبداية أخرى جديدة في التحرير.
سبتمبر 1902: استعدادات الافتتاح واستقبال الزوار
مع اقتراب موعد الافتتاح، كانت كافة قاعات المتحف المصري الجديد قد اكتملت باستثناء قاعة الآثار القبطية، التي تُركت ليُنفّذها Barsanti وفقًا لرؤية ماسبيرو. وعلى الرغم من ذلك، بدأ المتحف في استقبال الزوار، إلا أن الدليل الورقي لم يكن قد طُبع بعد، فتم تكليف شاسيناه، مدير المعهد الفرنسي، بإتمام إخراجه. كما سُمح للأجانب المقيمين بالقاهرة بزيارة المتحف في هذه المرحلة التمهيدية.
نوفمبر 1902: الافتتاح الرسمي للمتحف المصري
شهد شهر نوفمبر من عام 1902 الحدث الأهم، حيث فُتحت أبواب المتحف رسميًا أمام الجمهور، ليصبح معلمًا ثقافيًا عالميًا يجذب الباحثين والمهتمين بالحضارة المصرية من كل أنحاء العالم.
يناير 1903: العثور على الناووس المفقود للملك حور
خلال عمليات الجرد والتنظيم، تم اكتشاف الناووس الكبير للملك "حور"، الذي كان قد اختفى أثناء نقل الآثار من الجيزة إلى التحرير. وُجد الناووس مقسمًا إلى عدة أجزاء ومخفيًا خلف مجموعة من التوابيت في بدروم المتحف، مما أثار تساؤلات حول أسباب اختفائه. ورغم التحديات التي واجهتها فرق العمل خلال النقل، كانت الأضرار التي لحقت بالآثار محدودة، وتمثلت في بعض التلفيات البسيطة مثل كسر تمثال صغير من الألباستر، ولوحة أثرية من الدولة القديمة، بالإضافة إلى بعض الأواني الفخارية.
مثّلت عملية نقل الآثار من الجيزة إلى التحرير خطوة حاسمة في تطوير علم المصريات، حيث توجت جهود سنوات طويلة من البحث والتنقيب بإنشاء صرح ثقافي عالمي يضم أعظم كنوز الفراعنة. ولا تزال هذه الرحلة، التي سجلها ماسبيرو في مذكراته، شاهدة على التحديات والإنجازات التي رافقت ولادة المتحف المصري بالتحرير. ومع استمرار الدراسات والاكتشافات، تبقى قصة هذا المتحف نابضة بالحياة، تروي فصولًا جديدة من تاريخ مصر العريق.

اكتشاف أثري يفتح أسئلة عديدة حول بدايات الكتابة في الجزيرة العربية
بعد فتح مقبرتهم بجامع الرفاعي للزيارة.. من هم أبناء الخديوي إسماعيل | خاص
شريف فتحي يشارك بالدورة الـ 126 للمجلس التنفيذي لمنظمة الأمم المتحدة للسياحة






