البارون الحوارتجى «2-٢»

استيفان روستى
استيفان روستى


كان جورج أبيض قد عاد من الخارج وكون فرقته المسرحية، التى نافس بها فرقة رمسيس ليوسف وهبى بك، وظهرت فرقة فاطمة رشدى التى تزوجت فى هذه الفترة من المخرج عزيز عيد، ونافستهما فرقة عبد الرحمن رشدى المحامي، وكان نجيب الريحانى فى هذه الفترة قد انفصل عن فرقة عزيز عيد واصبح من رواد العاطلين بمقهى الفن، كل ليلة كان يلتقى بعاطل مثله هو استيفان روستي، كل منهما يشكى حاله للآخر ويشكى تعبه وفقره وصعلكته لضيق الفرص وحالة الفرق المسرحية، التى كانت فى هذا الوقت تستدر البكاء أكثر من الضحك. 

كان استيفان روستى يخطف دورا هنا ودورا هناك، فعمل مع عزيز عيد فى مسرحية «خللى بالك من إميلي»، التى أدى فيها شخصية أمير روسي، وخرج من فرقة عزيز عيد إلى فرقة يوسف وهبى واختلف معه فترك فرقته وعاد لمقهى الفن من جديد، ولكنه فجأة أصبح كمَن هبط على كنز، والقصة يرويها نجيب الريحانى فى مذكراته، فيقول انه كان جالسا على مقهى الفن كعادته كل ليلة بلا عمل وفجأة جلس بجواره شخص وجيه يرتدى حلة انيقة ونظارة ذهبية وخاتم ذهبى فى أصبع يده اليمنى، اخرج علبة ذهبية انتزع منها سيجارة بفلتر أجنبية الصنع وعزم بها على الريحانى الذى تأمله جيدا، فوجد أن الوجيه الثرى هو استيفان روستى الذى كان يجلس بجواره على نفس المقهى منذ اسبوع «مش لاقى اللضا»، مما جعله يصرخ فى وجهه قائلا «يخرب بيتك.. إيه اللى عمل فيك كده يا واد يا استيفان.. انت سطوت على بنك ولا قتلت قتيل وخدت فلوسه.. ولا يكونش أبوك البارون مات وورثت الأبعدية النمساوية»، ضحك استيفان ضحكته الشهيرة التى تخرج من بين أسنانه قائلا «كل ده من عملى بملهى الأبيه دروز يا نجيب، الدنيا ضحكت وزهزهت»، طلب الريحانى من استيفان أن يتوسط له لدى الخواجة ديموكنجس صاحب الملهى أن يلحقه بالعمل عنده بالمسرح ولو فراش أو سكرتير أو أى شيء يراه مناسبا له ووعده استيفان خيرا، فى اليوم التالى كان استيفان على مقهى الفن يبشر الريحانى بأنه سيعمل معه بالتمثيل فى الملهى مقابل عشرة قروش فى الليلة، أحس الريحانى كأن كنز هبط على رأسه بهذه القروش.

اقرأ أيضًَا  | نجيب الريحاني: أحببت فتاة و«فانوس أحمر» كلمة السر

واتضح فيما بعد أن الريحانى واستيفان يمثلان اسكتشات فكاهية من خلف ستار يظهرهما «سلويت» دون أن يتعرف الجمهور الذى كان أغلبه من الأجانب على شخصية كل منهما، وبعد أسبوع استاء الريحانى من هذا العمل وابتكر شخصية «كشكش بك عمدة كفر البلاص»، التى اقترحها على استيفان والخواجة ديموكنجس، فكانت هذه الشخصية فاتحة خير على الجميع وذاعت شهرة الريحانى وأصبح ينال اربعة جنيهات فى اليوم، ومنها إلى نسبة من الإيرادات، وأحس استيفان بأنه مغبون بالسبعين قرشا التى يتقاضها كل ليلة، فطلب من الريحانى أن يتوسط له لكى يرفع الخواجة من أجره، وسبحان الله الذى جعل الريحانى يتوسط لاستيفان بعد أن كان الأول هو الذى توسط له وجاء به إلى هذا الملهى ليخرج من عالم البطالة ويصبح اسمه بشخصية «كشكش بك» على كل لسان، ولهذا كان استيفان روستى هو أول مخرج سينمائى يتعامل معه الريحانى عندما اخرج له فيلم «كشكش بك صاحب السعادة».

وشارك استيفان بعد ذلك فى بطولة أغلب أفلام الريحانى التى قدمها للسينما رغم قلتها، وكان استيفان فور عودته للقاهرة من ألمانيا قد تعرف على الفنانة عزيزة أمير التى أقنعها بدخول تجربة الإنتاج السينمائى وكانت قد انبهرت بثقافته السينمائية ووثقت فى قدراته التى ظهرت فى كتابة السيناريو والقصة والترجمة والحوار والإخراج وإدارة الإنتاج، ورشح لها مصورا إيطاليا لإخراج فيلم «ليلى»، ولكن عزيزة أمير اسندت له مهمة إخراج الفيلم الذى يعتبره المؤرخون أول فيلم سينمائى عربى ناطق خرج بالسينما من صمتها، وأول فيلم تتكامل عناصره المحلية فى الإنتاج والتصوير والبطولة والإخراج، واعتبر عام 1927 الذى عرض فيه الفيلم تاريخا تعتز به السينما العربية، ومن هذه التجربة انطلق استيفان روستى كالصاروخ ليقدم ابداعاته فى مجال التمثيل والإخراج السينمائى لعدد من الأفلام التى ساهمت فى بناء صناعة السينما الوطنية. 

اخرج استيفان روستى ستة افلام روائية منها «صاحب السعادة كشكش بك - ليلى - البحر بيضحك ليه - عنتر أفندى - الورشة - ابن البلد - جمال ودلال»، وشارك بالتمثيل وكتابة القصة والسيناريو فيما يقرب من 67 فيلما من أبرزها «المجد الخالد - نشيد الأمل - سلامة فى خير- أنا طبعى كده - ليلة ممطرة - الطريق المستقيم -  شهداء الغرام - المظاهر - سلامة - أصحاب السعادة - النفخة الكدابة - المغامر - بلبل أفندى - مغامرات عنتر وعبلة - عنبر - خيال امرأة - الهوى والشباب - العائلة - غزل البنات - إجازة فى جهنم - عفريتة هانم - بلدى وخفة - دموع الفرح - شاطئ الغرام - آخر كدبة - طريق الشوك - معلهش يا زهر - المليونير - فيروز هانم - خدعنى أبى - ما تقولش لحد - بشرة خير - آمنت بالله - حلال عليك - جحيم الغيرة - قطار الليل - حرام عليك - الدنيا لما تضحك - مجلس الإدارة - حكم قراقوش -  رقصة الوداع - بنت البلد - حسن ومرقص وكوهين - الستات ما يعرفوش يكدبوا - عاشق الروح - أهل الهوى - حب ودموع - كفاية يا عين - سجين أبو زعبل - أحبك يا حسن - إسماعيل ياسين طرزان - سيدة القصر - أبو عيون جريئة - المليونير الفقير - قاطع طريق - حسن وماريكا-  إسماعيل ياسين فى السجن - صراع الجبابرة - النشال - المجانين فى نعيم - الجريمة الضاحكة» وقبل رحيله فى عام 1964 مثّل فيلمين هما «الحقيبة السوداء - وآخر شقاوة»، وفى كل هذه الأفلام برع استيفان روستى بأسلوبه فى تجسيد أدوار الشر التى كان يؤديها بنعومة وأناقة وخفة دم، وكان صاحب أسلوب فى اداء الأدوار التى كان يدرسها بوعى المثقف الخبير ببواطن كل شخصية ويرسم سلوكها فى ملامح الوجه وتونات الصوت، فهو عندما يجسد شخصية النذل أو الجنتلمان الذى يمارس النذالة نجده يقدمها بشياكة وأناقة، كان مقنعا فى شخصية الباشا المفلس الذى يحتال على فرائسه بخفة ظله، حتى عندما كان يجسد شخصية زعيم العصابة كانت تبدو عليه سمات الأداء التى تتسم بالشياكة والترفع فلا تستطيع أن تكرهه رغم ما يرتكبه من شرور، إنما تضحك منه وتصدقه فى نفس الوقت، حتى عندما يمثل شخصية المحتال الذى يبيع الترام للمغفلين من الأثرياء أو يبيع لهم العتبة الخضراء، تلمع عيناه بنظرات الدهاء والذكاء وتخرج كلماته مضغوطة وممطوطة تجعلنا نضحك لذكائه وهو يمارس نصبه واحتياله، ابن البارون قد يجيد تجسيد هذه الشخصيات بحكم تربيته الارستقراطية ومعرفته بأصحابها من الأجانب والأثرياء العاطلين بالوراثة، ولكن ابن البارون أيضا أذهلنا فى أفلام أخرى عندما ارتدى الجلباب البلدى ومن فوقه الشال الكشمير الذى ينطق  بأدق مفردات أولاد البلد والمعلمين فى الأسواق الشعبية.

تعاملت صناعة السينما مع الأفلام الروائية الطويلة بمفهوم ثابت قائم على الصراع الأبدى بين الخير والشر، وأصبحت هذه التمية هى الفكرة الأساسية السائدة فى ذهن كتّاب القصة والسيناريو والإخراج، ففى كل فيلم يدور الصراع بالحتمية بين البطل الشرير والبطل الذى يسعى للقضاء على الشر وزرع الخير فى الأرض، وتركزت كل المعالجات فى قالب ينتصر للخير على الشر فى نهاية الفيلم لتقديم العظة الاخلاقية والاجتماعية بأن الجريمة لا تفيد ومَن يرتكبها ينال عقابه، لهذا قدمت السينما فى صياغاتها المختلفة نماذج عديدة للشر، ومن عباءة استيفان روستى خرج كل أشرار الشاشة السينمائية وكل منهم له تنويعاته فى مدرسة الأداء، وعرف استيفان روستى فى السينما بالشرير الظريف، الذى يمزج الشر بخفة الدم، على عكس مدرسة زكى رستم، ومحمود المليجى صاحب العيون المخيفة، والقوة البدنية التى يقدم بها فريد شوقى أدوار الشر والدهاء، والخبث المقنع الذى يؤدى به توفيق الدقن أدوار الشر، طابور طويل من النجوم ساروا فى بداياتهم فى تجسيد أدوار الشر، لكن استيفان روستى ظل متفردا عنهم بخفة ظله واسلوبه المتميز فى الأداء والوحيد الذى اقترب بعض الشيء من مدرسة استيفان روستى هو الفنان عادل أدهم الذى، سار بخفة ظله فى نفس مدرسة استيفان روستى الذى يعتبره الكثير من النقاد أنه الأب الشرعى فى تجسيد أدوار الشر السينمائية.

ظل الفنان استيفان روستى محتفظا بحيويته ونشاطه حتى آخر لحظة فى حياته برغم أنه كان قد تجاوز السبعين من عمره، كانت وفاته عاجلة ومفاجئة، ففى مساء الثانى عشر من مايو 1964 وصل كعادته إلى مقهى «سفنكس» بوسط القاهرة، وبدأ فى ممارسة  لعبة «الطاولة» التى كان يهواها بجنون ويضيع فيها أغلب وقت فراغه،  ولكنه فى تلك الليلة لم يستطع إكمال اللعب عندما فوجئ بألم مفاجئ فى صدره فتم نقله على الفور لعيادة أحد الأطباء بوسط القاهرة ليكتشف أنه قد أصيب بذبحة صدرية وانسداد فى صمامات القلب، بعدها بساعة واحدة أسلم استيفان روستى الروح لبارئها عن عمر يناهز الثالثة والسبعين عاما، اكتشف زملاؤه وتلاميذه أن زوجته وقتها لم تجد فى البيت سوى سبعة جنيهات فقط رصيده المتبقى من شقى العمر الطويل الذى أعطاه بكل إخلاص للفن ممثلا وكاتبا للسيناريو ومخرجا ومديرا للإنتاج ورائدا سينمائيا، الغريب أنه فى صباح اليوم التالى لوفاته اكتشفت أسرته سرقة سيارته الخاصة من أمام مقهى «سفنكس»، التى كان يجلس عليها قبل أن تصيبه الأزمة القلبية، والغريب أيضا أن زوجته أصيبت بما يشبه الجنون بعد أسبوع واحد من رحيله عن الدنيا حزنا عليه وعلى حياتها التى كانت تعيشها بسعادة فى وجوده، فقد كان يحبها بجنون وتبادله نفس الحب رغم ما كان يشاع وقتها عن غرامياته العاطفية المتعددة مع الفنانات الأجنبيات، اللاتى كن يحضرن مع الفرق الأجنبية التى تقدم عروضها فى الأوبرا الملكية المصرية، رحم الله الفنان استيفان روستى الذى أضحكنا وأسعدنا حتى فى أدوار الشر التى تحفظ له الريادة فى هذه النوعية من السينما، وتجعله حيا بيننا.. لا يموت برحيل الجيد.