كه يلان محمد
الكتابة الإبداعية قبل أن تكونَ تطبيقاً لجملة من القواعد التنظيرية هى عملية تابعةُ للمزاج لذلك بقدر ما تكون الأمزجة مُختلفة ترى تنوعاً فى أشكال الكتابة، وبالتالى ما يطمحُ إليه أى كاتب هو الأخذ باللغة صوب منطقة تعبرُ عن خصوصيته وصوته المتفرد. وهذا ما يمكن التأكد منه حينَ تتابعُ الآراء المُختلفة بشأنِ هموم الكتابة والملعب الذى يجدُ فيه المبدعُ كُرته، وقد نجحت الكاتبة اللبنانية نجوى بركات فى تطويع ناصية اللغة لصياغة معجمها الخاص ليس فى إبداعها الروائى فحسب إنما فى مقالاتها المنشورة حيث تمتازُ اللغة بالكثافة والعمق وهى من الفئة التى تمكنت من تحديد خطها فى الكتابة والإبداع، وتختبر طاقاتها الإبداعية بالحفر فى التربة المُختلفة وبذلك اكتسب خطابها الروائى منحى خاصاً يمثلُ رؤيتها لمشروع الكتابة الإبداعية. حول ما الكتابة ومشاقاتها كان لنا حوار مع مؤلفة «مستر نون».
هل توافقين إليف شافاك فى رأيها بأنَّ الرواية تعتمدُ على العزلة كما أنَّ الروائى كائن بطبعه يميل إلى الانعزال والانطواء؟ هل يمكن للروائى أن يسردَ صمته؟
لا يوجد نوع واحد من الكتّاب، وهم كسواهم من البشر متنوّعو الطباع، ثمة من يحتاجون عزلة تامة، وآخرون يحتاجون صخب الحياة من حولهم فيكتبون فى المقاهى مثلا. أنا من النوع الأول، فى أثناء عملية الكتابة على الأقل. أما أن تعزل نفسك وتغيب تماما عن العالم لكى تكتب، فهذا «ترف» لا نملكه جميعا للأسف، وقد لا نحتاجه فعلا، إذ تأمنت لك غرفة أو زاوية خاصة لتكتب خلال مدة معيّنة كل يوم. أما عن العزلة والانطوائية، فيمكننى القول إنى كائن غير اجتماعى البتة.
ما تعقيبك على نصحية أرنست همنغواى للكاتب بأنَّ لا ينساق مع الأفكار الشائعة بين الناس ولا يتأثر بكل ما يسودُ فى عصره؟
هذه مقولة بديهية قيلت فى ظرف معيّن على ما أحسب، ولا أظن أنها تحتاج تعقيبا. إنما قد تكون الفكرة هى امتلاك زاوية نظر خاصة ومسافة نقدية، والإضافة بالقول، بعيدا عن تكرار الشائع والمطلوب. فإن لم يكن الكاتب صاحب رؤية وجدّة فى تناول موضوعاته، ربما كان من الأفضل له ألا يكتب.
وإن لم يكن كائنا حرّا، غير قابل للتدجين، وغير خاضع لرقابة من أى نوع، سواء كانت داخلية أم خارجية، فسوف تمرّ كتاباته كفقاقيع هواء ولن تترك أثرا فعليا على المدى الطويل.
ما رأيك حول مقولة كافكا بأنَّ الكاتب عندما يتوقف عن الكتابة يكون أشبه بالوحش؟
بالفعل! هذا شيء أفهمه تماما وأوافق عليه مئة بالمئة، وقد عشته عندما انقطعت عن الكتابة لحين. مع التركيز على كون الوحش مخلوقا داخليا مدمّرا يعيث فى روح الكاتب خرابا. الكتابة شك ويقين، متعة وعذاب، تعب وراحة، إنما عدم الكتابة والامتناع عنها قلق وتوتر وشعور بالنقص وإحساس هائل بالذنب وبانعدام المعنى والنفع... الكتابة ليست أمرا هيّنا بالطبع، لكن عدم الكتابة بالنسبة لكاتب، هو الأفظع لأنه مثل العقاب، اللعنة، نارٌ حارقة تلتهم أحشاءه ودماغه كل يوم.
من الملاحظ أنَّ كثيراً من المبدعين آراؤهم سلبية عن الناقد ويرون بأنَّ القارىء هو المحك هل أنت من المؤيدين لهذا المنحى؟
أبدا! خاصة فى ما يخص القارئ العربى الذى يحتاج إلى الكثير من المراس والاطلاع لكى تمنحه الثقة. قلّة هم القرّاء العرب الذين يقرأون فعلا، أو يعطون آراء سليمة مبنية على ثقافة واسعة ومعمّقة. أنا لا أهاجم القارئ المتواضع، الذى يحب عملا ما أو لا يحب. أنا أتكلّم عن ذاك المدّعى الذى يمنح آراء لا تستند إلى أى ثقافة وينظّر فى الأمر. ثم أن قرّاءنا للأسف، فى غالبيتهم هم قرّاء «الجوائز» إذا صح التعبير، وذلك فى ظلّ غياب النقد والصفحات الثقافية التى يفترض أن تميّز بين الغثّ والسمين. نحن أشبه بسفينة تائهة، ننتج كمّا هائلا من الكتب، وليس هناك من يفرز ويسائل أو يؤدى دور منارة ترشد القارئ إلى طريق الإبداع الحقيقي.
يقول إسكندر حبش «لا أحد يجيد التحدث عن أدبه سوى الأديب نفسه» كيف تتحدثين عن تجربتكِ فى كتابة الرواية؟ ماذا تغير فى نظرتك للرواية بعدما تأليفك للرواية الأولى؟
نعم ولا. أنت ككاتب القارئ الأول لنفسك، هذا مؤكّد، لكن أن تكون أفضل من يتحدث عن عملك، ربما، لست أدري. قد لا ينتبه الكاتب فى بعض الأحيان، إلى ما يحمله نصّه من مستويات تأويل وقراءة.
هو يدرك لعبته، متمكّن منها، إنما قد تستجد أمور تأخذه فى منحى جديد لا يدرك بالضرورة كنهه أو أثره أو أبعاده... القصة معقّدة.
أما ما تغيّر فى نظرتى إلى الرواية، فهو تطلبّى الذى ازداد حيال نفسى وحيال الآخرين، ورغبتى فى إنتاج رواية متماسكة، قيّمة، تدوم فى الزمن ويُقبل على قراءتها المتمرّس الخبير كما المبتدئ والإنسان العادي..
يعتقدُ همنجواى بأن الأمر الأكثر تعقيداً فى كتابة الرواية الانتهاء عنها. وماذا بالنسبة إليك؟
على العكس، تجربتى المتواضعة كانت عكس ذلك تماما. بالنسبة لي، البداية هى الصعبة، أما النهاية فكنتُ أصل إليها تلقائيا، وغالبا ما تكون مختلفة عمّا نويتُه عند مباشرة العمل.
فى محترفى للكتابة، كنت أقول للمشاركين إن الرواية، إذا بقيت على النهاية التى اخترتموها لها فى البداية، فمعنى ذلك أن ثمة عطب ما. المفروض هو أن تقودكم الشخصية ومسارها إلى الخاتمة.. أو كنت أوصيهم ألا يقلقوا كيف يُنهون رواياتهم، لأن العمل بنفسه، سيقودهم تلقائيا إليها. الرواية المكتوبة بشكل جيد، تجد نهايتها بنفسها، وغالبا دون كبير عناء.
ماهی المعینات الحسیة للكتابة بالنسبة إليك ؟
الجلوس إلى طاولة، بعض الهدوء، كوب نسكافيه، وطقس متوسط الحرارة. أنا لا أطيق البرد الشديد ولا أحتمل الحر. هذا كل شيء.
اختتام مؤتمر دولى حول تاريخ القبيلة فى كازاخستان
عشرون عامًا على تأسيس «الكتب خان»
كيف تنجو الحكايات فى «ملتقى القاهرة الأدبى»







