الإسكندرية فى البحر المتوسط

صورة موضوعية
صورة موضوعية


حسين عبد البصير


كانت الإسكندرية فى قلب البحر الأبيض المتوسط ملاذًا للفكر والفن والروح البشرية التى لا تموت. كانت المدينة تتنفس بحرية، وكأن كل شبر من شوارعها يحمل فى طياته قصة قديمة، وصوتًا يتردد عبر الزمن. كانت الجدران تتحدث، والأزقة تهمس بأسرارها، وكل زاوية تحتفظ بذكرى عابرة للحظات من الحب، ومن الخيانة، ومن الانتظار.

دخل ديمترى، الشاب اليونانى الذى نشأ بعيدًا عن هذه المدينة، إلى الإسكندرية ليحاول فهم ذاته. لم يكن يعرف ما الذى دفعه للسفر إليها. ربما كانت المدينة نفسها، بشواطئها ومينائها القديم، هى التى دعته. كان يحمل فى قلبه هواجس عن الماضى، عن الأساطير، وعن الأسئلة التى لم يجد لها إجابة.

فى أول يوم له، جلس فى أحد المقاهى القديمة المطلة على البحر. كان يجلس وحيدًا، ينظر إلى الموج وهو يتلاطم مع الصخور. وكلما كانت عيناه تلامسان البحر، كانت ذكريات قديمة تثير فيه مشاعر غريبة، كما لو أن البحر يروى له حكايات غائبة.

فى ذلك اليوم، بينما كان ديمترى غارقًا فى أفكاره، اقترب منه رجل مسن يحمل نظرة حزينة على وجهه. كان نيكولا، رجل يونانى آخر فى الستينيات من عمره، عاش فى الإسكندرية طوال حياته. كان نيكولا معروفًا فى المنطقة بكلماته الحكيمة وحكاياته عن الماضى.

«هل تبحث عن شىء هنا؟» سأل نيكولا، وهو يجلس إلى طاولة ديمترى.

ابتسم ديمترى، لكن الإجابة لم تكن واضحة. «ربما أبحث عن نفسى».

ضحك نيكولا، ثم نظر بعيدًا نحو البحر. «الجميع يبحث عن نفسه فى هذه المدينة. لكن المدينة نفسها تحمل أسرارًا قد تكون أكثر من ما نريد اكتشافه.»

شعر ديمترى بشىء غريب فى قلبه. كان هذا الرجل يبدو وكأنه يحمل فى قلبه كل تاريخ المدينة، كأنما كل شخص عابر فى الإسكندرية يحمل جزءًا من ذاكرة المكان.

على مدى الأيام التالية، بدأ ديمترى يتعرف على المزيد من الأسرار التى كانت تخبئها الإسكندرية. التقى بأشخاص مختلفين، معظمهم كانوا يحملون فى عيونهم تلك الذاكرة العميقة، ولكنهم كانوا أيضًا يتطلعون إلى المستقبل.

كان لياندرو، صاحب مكتبة قديمة، يتحدث عن كتب نادرة عن تاريخ المدينة التى كانت فى يوم من الأيام موطنًا للفلاسفة والمفكرين. كان كل كتاب فى المكتبة يمثل نافذة إلى حقبة من الزمن، إلى حياة عاشت فى الزمان والمكان، ولكنها لم تكن تُدْرَك بشكل كامل.

ثم جاء اللقاء مع لوسى. شابة متعلمة، خريجة جامعة، لكن قلبها كان مليئًا بالأحلام الضائعة. «الإسكندرية ليست فقط مدينة، إنها حلم نعيش فيه، أو ربما نكون جزءًا منه»، قالت لوسى.

كل هذه اللقاءات تفتح أمام ديمترى عوالم جديدة من الفهم، لكنها كانت أيضًا تثير بداخله أسئلة عن هويته الخاصة. من هو فى هذا المكان؟ وما هو الرابط الذى يجمعه بهذه المدينة الغارقة فى التاريخ؟
فى اللحظة التى اختفت فيها الإسكندرية تحت الأمواج، شعر ديمترى بنبضات قلبه تتسارع. صار البحر، الذى لطالما كان له حضور غامض فى حياته، هو الآن الذى يحكم مصيره. لم يكن هناك مكان للهرب، ولا من فائدة للرجوع. عاشت المدينة فى ذاكرته ودمه، وأصبحت كأثرٍ عميق فى قلبه. يسير الآن فى عمق البحر، فى مكانٍ بين الماضى والحاضر، يواجه ما كان يظن أنه مجرد حلم.

لكن البحر كان أعمق من مجرد موجهٍ يحركه الهواء، كان هو الحارس الأبدى للمدينة، يخبئ أسرارها، ويحملها بعيدًا عن الأنظار. عندما اقترب ديمترى من نقطةٍ معينة، شعر بشىء غريب، كما لو أن كيانًا ما كان ينتظره. كان هناك صوتٌ ضعيف، يأتى من الأعماق. لا يُسمع سوى الهمسات الأولى، ثم أخذت الكلمات تتسارع، يلتف الصوت حوله، كأنها دعوات قديمة.

«هل كنت تبحث عن الحقيقة؟» همس الصوت، الذى بدا وكأنه يخرج من الأعماق. «الإسكندرية لا تُعطى بسهولة، ولكنها أيضًا لا تُنسى. الحقيقة ستظل معك، ولكن لا تظن أنك تملكها.»

توقف فجأة. كان الماء يحيط به من كل جانب، لكنه شعر بقوة أكبر تسحب جسده إلى عمق البحر. فى البداية، كانت قدماه تغرقان فى الرمال، ولكن الآن تمتد يداه لملامسة شىء غير مرئى، كأن البحر نفسه يراوغ. يزداد الصوت قوة. تتسع عيناه فى محاولة لفهم ما يحدث.

الأمر أشبه بلعبة بين البحر والزمان. يبتلعه البحر، ولكن فى الوقت نفسه يضمه. هل هذه هى النهاية، أم أن الأمر مجرد بداية؟
«أنا هنا، فى قلبك»، جاء الصوت مرة أخرى، كأن كلماته وُجدت من أجل لحظةٍ كهذه.

استيقظ من لحظةٍ كانت عابرة، لكنها غارقة فى معانٍ لا تُحصى. البحر، الذى يبدو هادئًا فى البداية، أصبح أكثر هياجًا الآن. لكن الأمواج التى تلاطم جسده، تمنحه شعورًا غريبًا من التناغم مع هذا المزيج من الماضى والحاضر. يتساءل إن كان ذلك هو الجواب الفعلى، وهل كان قد وصل إلى مرحلة إدراك الحقيقة.

ظهر أمامه شخصٌ آخر. نيكولا، الرجل المسن الذى رآه فى المقهى. ولكن هذه المرة كان مختلفًا. يبتسم بطريقة غريبة، وكأنما هو جزء من هذا العالم العميق.

«أنت هنا الآن، يا ديمترى»، قال نيكولا، لكن صوته لم يكن هو نفسه، كان عميقًا ومتشابكًا مع صدى البحر. «لكن الحقيقة التى كنت تبحث عنها، لن تجدها فى مكانٍ واحد. هى هنا، فى كل زقاق، فى كل ركن من هذه المدينة.»

«ماذا تعني؟» قال بلهجة مفعمة بالارتباك، وهو يشعر أن كل شىء حوله بدأ يذوب.

«كل واحد منا يحمل فى داخله جزءًا من الإسكندرية. أنت، وأنا، ولياندرو، وكل من عاش فى هذا المكان.» أجاب نيكولا. «الإسكندرية لا تنتمى فقط إلى الزمن، إنها تنتمى إلى أرواحنا.»

هنا بدأ يدرك شيئًا. كان يرى الآن كل هؤلاء الأشخاص الذين اختلطت أرواحهم مع المدينة. كان يدرك أن البحر، والأزقة القديمة، والذكريات التى عاشها لياندرو، كانت جزءًا من المعركة الأبدية بين الحقيقة والوهم. كان هو جزءًا من هذا العالم. لا يستطيع الهروب.

«هل هذه هى الإجابة؟» سأل ديمترى، وعيناه تغرقان فى الماء الذى كان يحيط به.

«نعم، هى الإجابة. لكن الإجابة لا تأتى بسهولة. يجب أن تقبل هذا»، قال نيكولا، ثم اختفى فجأة فى عمق البحر، تاركًا ديمترى فى محاكمة روحية مع ذاته.

عندما اختفى نيكولا، كان ديمترى واقفًا وحيدًا فى البحر. لم يكن هناك ما يدفعه إلى الأمام، ولا شىء يثبت له أنه قد وصل إلى النهاية. ولكن فى أعماق قلبه، شعر بشىء لم يلحظه من قبل. كان هناك سلام غريب، نوع من الرضا عن نفسه وعن المدينة. كان يعرف أن الإجابة لن تكون شيئًا محددًا، بل ستكون شعورًا دائمًا بالبحث. والإسكندرية، فى عمقها، سوف تظل مكانًا غير مكتمل.

انتبه ثانيةً إلى تلك اللحظة التى كانت قد غمرته بمعانٍ لا تعد ولا تحصى، تتشابك فى عقله. البحر، الذى يبدو فى البداية ساكنًا وأملس، أصبح الآن يضطرب بعنف. ومع كل موجة تضرب جسده، يشعر بنوع من التناغم الغريب، وكأنما صار جزءًا من هذا الصراع الأزلى بين الماضى والحاضر. سأل نفسه فى دهشة، هل هذه هى الإجابة التى طالما بحث عنها؟ وهل بلغ أخيرًا تلك اللحظة التى يمكنه فيها رؤية الحقيقة بعين واضحة؟

وكان البحر، كما كانت الإسكندرية، هو الذاكرة الحية.