إرنست همنجواى وغواية الكتابة

إرنست همنجواى
إرنست همنجواى


كه يلان محمد

الحديث عن الأعمال الأدبية وعالم الكتابة لا ينفصل عن المحيط الحيوى للنص ومندرجاته من الآراء التى يصرحُ بها المؤلف فى حواراته أو ما يناقشه مع أصدقاء المهنة من الأفكار بشأنِ مصادر الكتابة الإبداعية، وما يتبع ذلك من التلميحات إلى المناورات المطلوبة للتهرب من شبحَ القلق عند مواجهة المساحة البيضاء، وما يكون دافعا للاستئناف بعد الانقطاع سواء قد تطول مدته أو تقصر. ويبدو أنَّ الكاتبَ لا يحظى بالإقامة فى منطقة الأمان بل مع الشروع بتأليف أى عمل جديد يشعرُ بأنَّه مضطر لاستنفار الطاقة من أجل إتقان الصنعة.

 هذا ما يعترف به الروائى الأمريكى ف. سكوت فيتزجيرالد. أما عن اللحظة الإبداعية والغموض التى تكتنفها بالنسبة إلى القارئ فمتابعته تثير لديه الأسئلة عن التربة التى يستمدُ منها الأديبُ المادة المكتوبة. فإنَّ الموضوع ذاته يتخذُ صورة اللغز فى ذهن المبدع. إذ يشبهُ صاحب «غاتسبى العظيم» فن الرواية بخدعة تنطلى على العقل والقلب مركبة من عدة عواطف منفردة كتلك التى يستخدمها الساحرُ فى لعبته وما إن ينتهى الروائى من ذلك ويسجلُ فيه التفوق حتى ينسى ويجبُ عليه إتقانه من البداية.

لذلك يقولُ مواطنه إرنست همنجواى بأنَّ الكتابة عموماً وكتابة النثر على وجه الخصوص هى أصعب حرفة فى عالم الإبداع لأنَّ المؤلف لا يستندُ إلى أى مرجعٍ، كل ما يمتلكه هو الورق الأبيض الفارغ وقلم الرصاص. وعلى الرغم من تشاؤم بابا همنجواى بالحديث عن كواليس الكتابة وحيثياتها فإنَّ الصحفى الأمريكى لارى فليليبس وثق آراءه عن تأليف الرواية فى كتاب موسوم بـ«مباهج الكتابة وأوجاعها» وكان مصدره ما ورد فى رسائل متبادلة بين الكاتب وأصدقائه أو ما ذكره فى سياق الحوارات المنشورة فى المنابر الصحفية.

كما أضاف لارى ما ضمنه همنجواى فى مؤلفاته من توضحيات عن الكتابة. خصوصا ما دسه فى «موت فى الظهيرة» و«السطر التعريفى» وما نشر له بعد رحيله بعنوان «باريس وليمة متنقلة».

ملعب الكاتب
لارى فليليبس لا تفوته شاردة ولا واردة من تعليقات همنجواى عن مهنته الشاقة والممتعة فى آن واحد. وبذلك يكون المتابع أمام صورة الكاتب وهو يتوقفُ من انتهال الكلمات قبل أن تصاب طاقته بالجفاف وتنفدَ الكلمات كما تراه فاضحاً شخصية الناقد المُتقلب. إذ يؤكد أرنست همنجواى بأنَّ النقاد يخلعون شتى الصفات على المؤلفين وما إن يتبين الخطأ فى التقديرات والفهم حتى يتهمون المؤلفَ بأنَّه يدَّعى الزيف لكى يخفى طبيعته الحقيقية. أكثر من ذلك يكشفُ عن أجواء ملعبه الإبداعى وما يستدعى ترتيبه من العزلة والتعاويذ. يعترفُ صاحب «لا تزال تشرق الشمس» بأنَّ كل ما يحتاجُ إليه لمواصلة المهنة هو الدفاتر والقلم الرصاص والمبراة، والطاولات.

لا يستغربُ القارئ من ضرورة هذه الأدوات لأنَّها قد يطالبُ بها أى كاتب آخر لكن المفاجئ ما يشيرُ إليه همنجواى بأنَّه يحملُ ثمرة الكستناء وقدم الأرنب لترويض الحظ بهما. بخلاف كثير من الكُتاب الذى يتوسلون بالقراءة على الاعتبار أنها إحماء قبل العودة إلى ملعب الكتابة فإنَّ همنجواى لا يقرأُ قبل ممارسة الكتابة فى الصباح لأنَّه يريدُ مواجهة هذا التحدى دون مساعدة أو تأثير من أحدٍ. كما لا يعجبه الاقتداء بغيره وهو يكتب.

لا شكّ أنَّ القواعد التى كان يتبعها همنجواى فى الكتابة هى حصيلة الخبرة والمراس فى المعترك قد تفيدُ أى روائى أو كاتب فى يومياته. والملاحظُ فى الكتابة أنَّها مهنة يصحبها القلقُ والتوتر. والتغلبُ على ذلك برأى المُعلم لا يكون إلا بتوقف الكاتبِ حين يشعرُ بأنَّ عمله يسير انسيابياً ولا يثقلُ على منهجه بالتفكير والقلق من العمل. بل عليه الخروج من طقس الكتابة إلى أنْ يعاود الكتابة فى اليوم التالى وبهذه الطريقة يأخذ العقل الباطن وقته لمعالجة العملية برمتها. وما تعلمه همنجواى من خلال مراقبة نشاطه الإبداعى هو أن لا يفرغ بئر كتاباته بشكل كامل إذ يتوقف كلما شعر بأنَّه لا يزالُ هناك شىء ما أسفل البئر. وهذا الاحتياطُ الذى يتغذى من عدة الروافد يكونُ خميرة لجولة لاحقة.

الخط الإبداعى
ومن المبادئ التى لا يمكنُ مخالفتها فى الخط الإبداعى هى الاستمرارية لذا ينصحُ همنجواى صديقه فيتزجيرالد بأنَّ يستمرَ فى الكتابة حتى لو بلغ أقصى درجات الحضيض.

يفهم من المقاطع التى تتواردُ فى سياق الرسائل والحوارات التى راجعها لارى فليليبس أنَّ همنجواى لم يكن كاتب المُناسبات. لأنَّه قد رأى فى الكتابة حياةً مبنية على العزلة فى أفضل حالاتها.

أما المكانة الاجتماعية التى قد يحظى بها الكاتبُ وتكسر حصار الوحدة فهذا يكلفه على المستوى الإبداعى وغالباً تضربُ مسيرتها فى المقتل. وما قاله أودين عن الشعر بأنَّه الفعل الاجتماعى للشخص المنعزل ينطبق على الرواية أكثر لأنَّ العمل الروائى يشبه السباق الماراثونى ومن مُتطلباته النَفَس الطويل ومواجهة تعنت اللغة. ولا يملكُ الكاتب فى هذا الطريقِ ما يسمى بـ «المعينات الحسية».

 وعن معاناته فى تجربة الكتابة يتذكرُ جوزيف كونراد ما عاشه من أوقات صعبة «لقد جلستُ ثمانى ساعات، ولم أفعل شيئاً خلال تلك الفترة، لقد كتبتُ فقط ثلاث جمل، ثم قمتُ بمحوها قبل أن أغادرَ طاولة الكتابة» والحال هذه كان يتحملُ همنجواى وحدته ويعتزلُ فى غرفة أحد الفنادق ليتمكن من العمل ويعطى عنواناً خاطئاً لكل من يسأل عن مكان إقامته. 

وما يجبُ أن يبرمجه الكاتبُ فى طبعه الشخصى هو القدرة على الاستماع. فمعظم الناس حسب ما لاحظه همنجواى لا ينصتون ولا ينتبهون إلى ما يجرى حولهم. بينما مَنْ يمتهنً الكتابة فمن الضرورى بالنسبة إليه الانتباه إلى كل ما هو موجود فى غرفةٍ يدخلُ إليها بحيثُ عندما يخرجُ منها يتمكنُ من استعادة مكوناتها.

فإنَّ عدم الإنصات إلى الناس يحولُ الكاتبَ إلى نهر نضبت مياهه. وفى رسالة يكتبها إلى جون دوس باسوس يذكرُ الأخير بضرورة التحدث عن الطقس فى أعماله لأنَّ الطقس فى غاية الأهمية.


من المعلوم أنَّ تحسُن جودة الكتابة وقفُ على مراقبة المشروع وإعادة النظر بالأشواط التى قطعها المؤلف فى مسيرته الإبداعية. يقولُ همنجواى بأنَّه مع التأمل فى العناصر التى كونت كتاباته ونجاحه فى التخلص من البساطة مُحاولاً خلق الأحداث بدلاً من وصفها أصبحت ممارسة الكتابة أمر مذهلاً.

غنى عن البيان بأنَّ همنجواى يقصد بالبساطة الاسترسال فى الوصف. ولا يشجعُ على السباحة فى الغموض المُفتعل إنما يفضلُ الكتابة عن الأمور المألوفة لديه ساعياً إلى تحقيق النجاح فى هذا الجانب.

ويعلنُ همنجواى بأنَّه قد كسب رهانه فى رواية «الشيخ والبحر» موضحاً سبب تميز هذا العمل الذى يمكن قراءته بسهولة وببساطة، ومع ذلك يشملُ على كل أبعاد العالم المرئى والروح الإنسانية. وعن أسلوبه فى التعبير فقد أراد الابتعاد عن الجمل التقريرية والعبارات الصريحة واستهواه الشكل الضمنى فى السبك والصياغة.

نواة الكتابة
منشأ الإبداع الروائى قبل أن يكون قراءة أو تطبيقاً لجملة من القواعد التنظيرية هو التجربة الحياتية. فقد اختبر همنجواى أجواء الحرب فعلياً وشاهد ارتداد زلزالها على جميع المستويات النفسية والاجتماعية والفكرية. وانكبابه على مسيرة تولستوى معايناً محطاتها المفصلية قاده إلى اكتشاف ما يمكن أن تضيفه الحرب إلى مخزون الكاتب، ويؤكدُ همنجواى بأنَّ الحرب من أهم المواضيع الإنسانية غير أن الكتابة عنها أمرُ فى غاية الصعوبة.

مُلمحاً إلى أنَّ الكاتب الذى يتفوق فى تأليف الرواية عن الحرب تنهالُ عليه سهام الغيرة من الذين يتعثرون فى هذا المجال. وأفضل حربٍ بالنسبة لمسيرة الكاتب هى الحرب الأهلية ويشيرُ فى هذا الإطار إلى ستندال ومعاصرته لحرب نابليون فبرأى همنجواى أنَّ مؤلف «الأحمر والأسود» هو التلميذ الذى تعلمَّ من الحروب النابليونية.

يشارُ إلى أرنست همنجواى قد عجن روايته «لمن تقرع الأجراس» من طينة الحرب الأهلية فى إسبانيا. إذن فالحرب أرضية مُتشبعة بالمادة الأدبية فهى تجمعُ معينات الكتابة، وتُسرع الأحداث وتخلق الوقائع والأشياء الكثيرة التى قد لا يصادفها المرءُ لو عاش حياة بأكملها.

فضلاً على ما سبق ذكره آنفاً يتناول همنجواى ما يفرغ الرواية من الطاقة الإبداعية وذلك يحدثُ عندما يفشلُ الكاتب فى تحديد المسافة بينه وبين الشخصيات الروائية وتتواردُ المعلومات من شتى الأنواع بصوت لا يحملُ سوى بصمة المؤلف. وبذلك ينتفخُ العمل ويفقدُ قيمته الفنية.

يرى الناقد كارلوس بيكر بأنَّ همنجواى يفصل بين الاثنين، المبدع الحقيقى ومن يريدُ تطويع الرواية لمناقشة الأطروحات الاقتصادية والسياسية. هذا ليس كل ما يمكن أن تقع عليه ضمن الآراء والتعليقات والتفسيرات المقتبسة من حوارات ورسائل همنجواى بل يسردُ شكل تواصله مع الروايات الروسية والفرنسية والأمريكية معلقاً على المستوى الإبداعى للإيقونات الأدبية. ويتضحُ مما يقدمُه همنجواى عن تجربته الإبداعية أن الكتابة تعنى له أكثر من أن تُختزلَ فى الصفة المهنية فحسب. عندما سئلَ عن المحلل النفسى الذى يلجأً إليه حين يداهمه القلق والإرهاق أو الاضطراب ردَّ همنجواى بأنَّه «آلة الكتابة المحمولة ماركة كورونا رقم 3».

 درس الكاتب المصرى الراحل شاكر عبدالحميد فى مؤلفه «النار واللهب» ظاهرة الاكتئاب التى تناوش حياة الأدباء والفنانين وأفرد قسما لإرنست همنجواى لافتاً إلى أن الأخير قد تلقى مجموعة من الصدمات الكهربائية عبر مخه وقد كان لذلك مفعول ناجح لتخفيف حدة الاكتئاب غير أنَّ أحد الآثار الضارة لهذا العلاج هو فقدان الذاكرة وضعفها ما يعنى الانسحاب من ملعب الكتابة وبالطبع أن ذلك يضاهى الموت بالنسبة إلى همنجواى إذ يطلقُ النارَ على نفسه فى 2 يوليو 1961 وما إن يصل المتابع إلى هذا الحدث فى قصة الكاتب حتى يستعيدَ ماقاله همنجواى «كل القصص إذا امتدت بما فيه الكفاية سوف تنتهى بالموت ومن يخفى عنك ذلك فهو راوى قصص مزيف».