طلبت ذات مرة من وحش الشاشة فريد شوقى أن يلخص لى الفنان القدير استيفان روستى فى جملة قصيرة، فقال «مصرى حوارتجي»، وكلمة «حوارتجي» تعنى الشخص الذى شرب من اخلاق الحارة والزقاق وتشرب بمفردات شوارعها الخلفية، وعبارة فريد شوقى كانت غريبة عليّ ومذهلة أيضا فأنا أعرف أن استيفان روستى يمتد لجذور أجنبية من جهة الأب والأم، فكيف يكون مصريا وحورتجيا؟!
فريد شوقى عمل كثيرا مع استيفان روستى فى بداياته والتصق به لفترة طويلة واستطرد يقول لي»الأستاذ استيفان رحمه الله كان شخصية ظريفة على المستوى الإنساني، محتضن للوجوه الجديدة ويفرح بها ويساندهم ويدعمهم، وكان صاحب ثقافة سينمائية رفيعة المستوى ومحترفا فى سرقة الكاميرا، بمعنى أنه يسرق عين المشاهد من اى ممثل يشاركه المشهد، بحركاته واللكنة التى كان يخرج بها الكلمات»، انتهى كلام وحش الشاشة وتلقفت ما قاله لى عنه تلميذه القدير توفيق الدقن الذى بدأ كلامه قائلا «كان أستاذى وملاذي، كنت معجبا به قبل أن أحترف الفن من مشاهدتى لأفلامه، ولم أكن أراه شريرا على الشاشة، كنت أراه كوميديانا من الدرجة الأولى، يضحكنى بنفس قدرة نجيب الريحانى وعبد الفتاح القصرى وشكوكو وحسن فايق، كنت أرى فيه مدرسة خاصة ومتميزة للجمع بين الكوميديا وأدوار الشر التى يؤديها بسلاسة». واستطرد توفيق الدقن قائلا «من الجحود أن أنكر أننى تعلمت منه فن اللزمة أو «الأفيه» فقد كانت له لزمات من ابتكاره مثل «نشنت يا فالح» و»مدام.. تسمحيلى بالرقصة دي»، التى تحولت بمرور الوقت إلى ما يشبه الأمثال الشعبية الدارجة عند الناس فى مواقف مختلفة، فسرت على دربه وابتكرت لنفسى لزمات خاصة مثل «يا آه يا آه» و»يا دانس» و»أحلى من الشرف مفيش» وغيرها، وهذه اللزمات ساهمت فى شهرتي، وجاحد مَن لا يعطى استيفان روستى حقه فى كتابة السيناريو والتمثيل والإخراج السينمائى والإنتاج أيضا، وكلنا تلاميذه وخرجنا من معطفه».

اقرأ أيضًا | استيفان روستي .. مخرج أول أفلام السينما المصرية وحكاية التين الشوكي
نفس السؤال وجهته للشرير الظريف عادل أدهم فسرح بعيدا وهو ينفث دخان السيجار ثم قال بعفوية «أنت بتسألنى عن استيفان روستى دلوقتي، ده عمنا كلنا، وأستاذنا كلنا، الراجل ده كان فيه حاجة غريبة، المفترض أنه بيمثل ويجسد الشر على الشاشة وده مكروه عند المشاهد الذى يأخذ انطباعا لا يفرق من خلاله بين شخصية الممثل والشخصية التى يجسدها، ومع ذلك كانت الناس تحبه وتحفظ جمل حواره وكأنها من المأثورات المتداولة فى الشارع».
ولد استيفانو دى روستى فى 16 نوفمبر عام 1891 وينتسب لعائلة نمساوية ارستقراطية، كان والده من بارونات النمسا المعروفين ويسكن قصرا منيفا فى فيينا، عين سفيرا للنمسا فى القاهرة، تعرف بعد فترة من عمله بالقاهرة على فتاة إيطالية، أحبها وأحبته واتفقا على الزواج وعندما علمت الخارجية النمساوية بالخبر رفضت إتمام الزواج ومارست عليه ضغوطا وصلت إلى التهديد بإلغاء اعتماده ضمن السلك الدبلوماسى النمساوي، لكن السفير دى روستى ضرب عرض الحائط بكل تهديدات حكومته الرسمية وتزوج من محبوبته الإيطالية، وتم فصله من الخدمة وتعيين سفير بديل له يمثل حكومة النمسا بالقاهرة، وعاش السفير السابق مع زوجته الإيطالية فى بيت أنيق يشبه القصر الصغير فى حدائق شبرا، وجاء الطفل استيفانوا من نتاج هذه الزيجة حاملا الجينات النمساوية من والده البارون والجينات الإيطالية من والدته، وللأسف لم تدم فترة العسل والهناء بين الزوجين، يبدو أن البارون أفاق بعد ان راحت السكرة وأحس بأن هذه الزيجة جعلته يخسر الكثير وأضاعت مستقبله الدبلوماسي، فكثرت المشاحنات والمشاكسات بينه وبين زوجته، فاختفى ذات صباح وعلمت زوجته أنه قد عاد إلى بلده مودعا القاهرة بكل ما فيها وترك لها ابنه، وقيل وقتها إنه تراجع عن الاعتراف به، وكان الطفل استيفان الصغير لا يدرك المأساة التى أصبح فيها مع أمه التى تتسم بصلابة الشخصية والعناد الطلياني، فلم تترك القاهرة أو تغادرها وراء زوجها وفضلت البقاء فى مصر لتتحمل بمفردها تربية ابنها وتعليمه، فألحقته بالمدارس المصرية الحكومية على غير عادة الأجانب الذين كانوا يلحقون أولادهم بالمدارس الاجنبية، انتقلت إلى الإسكندرية وألحقت استيفان بمدرسة رأس التين التى حصل منها على الشهادة الابتدائية وأكمل المرحلة الإعدادية فى مدرسة بالقاهرة، وأمام الظروف الحياتية الصعبة تزوجت الأم من شاب إيطالى لم تكن تعرف أنه يتسم بعنف الشخصية، وكان استيفان رافضا لفكرة زواجها ولم يكن يحب الشخص الذى تزوجته، ولم يتحمل القسوة التى كان يعامله بها زوج أمه واضطر لترك البيت.
أحس استيفان بعد خروجه من البيت هائما على وجهه أن والده الذى تنكر له لم يترك لوالدته عنوانا فى النمسا لكى يراسله عليه او يذهب إليه للبحث عنه، وأعتقد أيضا أن أمه تنكرت له بزواجها من هذا الشاب الايطالى العنيف، الدنيا كلها أصبحت سوداء فى نظره، لا يعرف أين يذهب ولا أين يبيت ولا من أين يأكل، قادته قدماه أثناء رحلة الصعلكة إلى شارع عماد الدين الذى كان يزدحم بالبارات والحانات والمسارح والملاهي، توقف متأملا إعلان ضخم لفرقة عزيز عيد، وبعفوية دخل من الباب الخلفى للمسرح طالبا من الحارس مقابلة الأستاذ عزيز، وبعد شد وجذب كان استيفان واقفا أمام شيخ المخرجين ونجم نجوم هذا الزمان، طالبا منه أن يتعطف عليه بفرصة عمل بفرقته، ذهل عزيز عيد عندما وجد أمامه شابا يتحدث الفرنسية والإيطالية بطلاقة فقبل ان يلحقه بفرقته التى لم تكن تعمل بشكل دائم، كانت الفرقة تتنقل من مسرح لآخر ومن مديرية لمديرية بحثا عن الرزق، والممثل فى الفرقة لا يتقاضى أجرا أو راتبا ثابتا لأنها كانت تعمل بنظام الأسهم، وفى نهاية كل ليلة من العرض توزع الإيرادات بعد خصم التكاليف بنسبة مساهمة كل ممثل فى العرض، وفى أحيان كثيرة لم تكن الإيرادات تكفى المصاريف، فلا يجد الممثل فى نهاية الليلة قرشا يسد متطلباته الحياتية، وتكيف ابن البارون مع الظروف الصعبة لأنه أحب المرسح، وحياة الصعلكة التى كان يعيشها الممثل فى هذه الفترة، لكن استيفان لم يستطع ان يتحمل قسوة الحياة عندما تدبر ثمن تذكرة الباخرة التى ستقله إلى النمسا للبحث عن والده البارون الثري، ولا أحد يعرف بالضبط ماذا جرى له عند وصوله للنمسا، هل التقى بوالده هناك؟ هل تعرف عليه؟ هل تهرب منه؟ للأسف لم أعثر على اجابات لكل هذه الأسئلة فى الصحف والمجلات القديمة التى اطلعت عليها.
المعلومات التى توافرت لى من خلال الصحف والمجلات القديمة تؤكد أن استيفان روستى انتقل من النمسا إلى فرنسا وعمل لفترة قصيرة فى الملاهى والمسارح التى تقدم الاستعراضات الغنائية، لياقته البدنية وخفة ظله واجادته للفرنسية فتحت له الأبواب سريعا، ولم أجد بالصحف ما يوضح سبب سفره من فرنسا إلى المانيا التى قال عنها فيما بعد إنه عمل بها فى مجال الاستعراضات الغنائية التى كان يعمل بها فى فرنسا، والتقى استيفان بالصدفة فى احد استديوهات السينما بألمانيا بالمخرج المصرى محمد كريم، الذى كان فى بعثة دراسية بألمانيا، وكان محمد كريم يعرف استيفان قبل سفره عندما التقى به فى فرقة عزيز عيد، والتقى استيفان أيضا بسراج منير الذى أرسله والده لدراسة الطب، لكن سراج ترك الطب واتجه لدراسة السينما، وقرر استيفان الالتحاق بنفس المعهد الذى يدرس به سراج منير ومحمد كريم، واعتمد فى هذه الفترة على التمثيل فى عدد من الأفلام الفرنسية والألمانية، التى كانت توفر له الدخل الذى ينفق منه، فعمل مساعدا لمدير إنتاج بعض هذه الأفلام، وانتقل سريعا للعمل كمساعد ثانٍ فى الإخراج السينمائي، وعاد محمد كريم وسراج منير لمصر ولحق بهما استيفان روستى عام 1917، ولم تكن السينما فى مصر فى احسن حالاتها، فظل المسرح هو الملعب الحقيقى لكل الفنانين الذين يعملون اليوم فى فرقة ما ويتركونها غدا لتوقفها بحثا عن فرقة أخرى، عاد استيفان لعالم الصعلكة من جديد، ونتعرف غدا على بقية المشوار.
فاشون| كوليكشن «أميرة» لصيف ٢٠٢٦.. جرأة وبهجة
فاشون| بيوت تحت «الضغط» وصفة لمواجهة «بعبع» الامتحانات
منة شلبى وحمزة العيلى.. محمد سامى ويسرا







