في زمن ازدهرت فيه الموسيقى والطرب، ووسط أجواء تنافسية محتدمة، ولدت قصة حب خلدها التاريخ بين صوتين ذهبيين من أعلام الغناء في القرن التاسع عشر «ألمظ وعبده الحامولي».
بدأت الحكاية بصراع على الأضواء، حيث برزت ألمظ، الفتاة الموهوبة ذات الصوت العذب، التي تحدّت كبار المطربات في عصرها، وعلى رأسهن ساكنة بك. وفي الجهة الأخرى، كان عبده الحامولي نجم الطرب الذي صنع اسمه بين عمالقة الموسيقى، حتى وصل إلى قصر الخديو إسماعيل ونال إعجابه.
لكن ما بدأ كمنافسة حادة بين ألمظ وعبده الحامولي تحول إلى قصة عشق أسطورية، انتهت بزواجهما، لتشهد الساحة الفنية في مصر آنذاك اندماجًا فريدًا بين صوتين شكّلا علامة فارقة في تاريخ الموسيقى الشرقية.

في هذا التقرير، نسلط الضوء على تفاصيل هذه الحكاية، من بدايتها الفنية وحتى الفصل الأخير من حياتهما، لنكتشف كيف تحولت المنافسة إلى حب، وكيف أثر كل منهما في تاريخ الفن المصري.
أولًا: ساكنة بك.. بداية القصة ومهد المنافسة
كانت المطربة ساكنة بك إحدى أقدم المغنيات التي ظهرت في عهد الخديو عباس حلمي الأول (1848-1854م)، واستمرت نجوميتها في عهد سعيد باشا. لم يكن صوتها الجميل فقط هو سبب شهرتها، بل كانت أيضًا تتمتع بشخصية قوية وسيطرة واضحة على الساحة الفنية. حصلت على لقب "بك" تقديرًا لمكانتها في عالم الطرب، وكان لها تأثير كبير على الأوساط الموسيقية آنذاك.
لكن في الوقت الذي كانت فيه ساكنة في أوج مجدها، برز نجم جديد في سماء الطرب، فتاة صغيرة ذات صوت ماسي لامع، اسمها سكينة، التي ستحمل لاحقًا الاسم الفني "ألمظ"، ليبدأ عصر جديد من الغناء والتحدي.
ثانيًا: ألمظ.. اللؤلؤة الجديدة في سماء الغناء
ولدت ألمظ في النصف الأول من القرن التاسع عشر، ولا يُعرف الكثير عن تفاصيل نشأتها، إلا أن المؤرخين اختلفوا حول مهنة والدها، حيث قيل إنه كان بنّاءً، بينما زعم آخرون أنه كان صبّاغًا.

اختارت لنفسها اسم "ألمظ"، وهو تحريف لكلمة "ألماس"، في إشارة إلى بريق صوتها وقوته وجاذبيته، وهو ما جعلها سريعًا محط أنظار الجماهير والمنافسين على حد سواء.
دخول ألمظ إلى عالم الطرب لم يكن سهلاً، فحين بدأت تشق طريقها، واجهت مقاومة شرسة من ساكنة بك، التي لم ترغب في وجود منافسة تهدد عرشها. في البداية، تجاهلتها، لكن مع تصاعد شعبيتها، اضطرت إلى ضمها إلى فرقتها، معتقدة أنها بذلك ستُبقيها تحت سيطرتها.
لكن ألمظ لم تكن مجرد تابع، فقد استغلت وجودها في فرقة ساكنة لاكتساب الخبرة والتدريب، حتى أصبحت مطربة مستقلة، استطاعت أن تقضي على صيت معلمتها، وتصبح النجمة الأولى في الساحة الفنية.
ثالثًا: عبده الحامولي.. نجم الغناء الذي جمع بين مصر وتركيا
ولد عبده الحامولي عام 1836م في بلدة حامول التابعة لمركز منوف بمحافظة المنوفية، وبرز كأحد أعظم مطربي مصر في القرن التاسع عشر.

امتلك صوتًا قويًا ومتميزًا، مما لفت انتباه الخديو إسماعيل، الذي قرّبه من القصر وأرسله إلى الأستانة (إسطنبول) لدراسة الموسيقى التركية، مما مكّنه من ابتكار أسلوب جديد يمزج بين الموسيقى المصرية والتركية، وهو ما أطلق عليه لاحقًا "الموسيقى الشرقية".
اقرأ أيضا| حياة عبده الحامولي عذاب.. بدأ ببيع الأقمشة
لم يكن عبده الحامولي مجرد مغنٍ، بل كان أيضًا ملحنًا بارعًا تعاون مع كبار شعراء عصره، مثل: «محمود سامي البارودي، إسماعيل صبري، عائشة التيمورية».
وكان من أوائل الذين قاموا بتلحين قصيدة «أراك عصي الدمع» للشاعر أبو فراس الحمداني، وهو ما جعله رائدًا في تطوير الغناء العربي.
رابعًا: ألمظ وعبده الحامولي.. من التنافس إلى العشق
كان كل من ألمظ وعبده الحامولي نجمين ساطعين، يتنافسان بشدة على استقطاب الجمهور، لدرجة أن الأفراح الكبرى كانت تجمعهما معًا، حيث كان عبده الحامولي يغني للرجال في السلاملك، بينما كانت ألمظ تغني للنساء في الشرفة «الشكمة»، وهي لفظ تركي يعني الشرفة، ما مكّن الرجال أيضًا من سماع صوتها من بعيد.

لكن التنافس الفني تحول إلى إعجاب متبادل، فكانت ألمظ تميل إلى المرح والدعابة، وهو ما جذب عبده الحامولي إليها، ليتحول الإعجاب إلى حب، ثم إلى زواج جمع بين صوتين من أعظم أصوات ذلك العصر.
خامسًا: الزواج.. نهاية المنافسة وبداية فصل جديد
بعد قصة حب قوية، تزوج عبده الحامولي من ألمظ، لكن المفاجأة أنه أجبرها على التوقف عن الغناء، حيث لم يكن يرغب في أن تستمر كمطربة بعد الزواج.
ليلة زفافها كانت حدثًا فنيًا استثنائيًا، حيث تألف التخت الموسيقي من أكابر العازفين في مصر، يتقدمهم شيخ الآلاتية محمد خطاب، وأبدع عبده الحامولي في الغناء بشكل أبهر الجميع، وكأنه يودّع ألمظ من عالم الطرب إلى عالم الزوجية.
سادسًا: نهاية ألمظ ورثاء الخديو إسماعيل لها
لم تعش ألمظ طويلًا بعد زواجها، إذ توفيت دون أن تُنجب أبناء، وقيل إنها رحلت في ريعان شبابها، وهو ما شكّل صدمة كبرى لمحبيها.
اللافت في وفاتها أن الخديو إسماعيل نفسه تأثر بشدة عند سماع خبر رحيلها، رغم أنه كان يكره عادات العامة في الصراخ والعويل أثناء الجنازات، بل إنه أصدر أمرًا بمنع مرور الجنازات أمام قصر عابدين.

لكن عندما توفيت ألمظ، قرر أن يستثني جنازتها، وسمح بمرورها أمام القصر، بل إنه أطل من شرفته، وترحم عليها، في مشهد يدل على عظمة مكانتها حتى عند الحكام.
كانت حكاية ألمظ وعبده الحامولي نموذجًا نادرًا للتداخل بين الفن والحب والتحدي، فقد بدأ اللقاء بينهما كمنافسة محتدمة، لكنه انتهى بقصة حب استثنائية أوقفت ألمظ عن الغناء، لكنها لم توقف إرثها الفني.
ورغم رحيلها المبكر، إلا أن صوتها ظل خالدًا، واسمها لا يزال يُذكر كواحدة من أهم نجمات الغناء في القرن التاسع عشر، بينما استمر عبده الحامولي يحمل لواء الطرب الشرقي، ليصبح أسطورة لا تُنسى في تاريخ الموسيقى المصرية والعربية.

28 عامًا على رحيل الشعراوي.. دقادوس تستعيد ذكريات إمام الدعاة
قراءة في نتائج قمة «إيفيان»| كيف وظفت مصر الدبلوماسية الرئاسية لخدمة الاقتصاد؟
المتحف المجهول.. كيف وصلت كنوز "سيد بك خشبة" للمدرسة العتيقة؟





