«الغاوي».. انطلاقة مبشـرة لمكي الجديد

 مسلسل الغاوي
مسلسل الغاوي


يملك الفنان أحمد مكي مفرداته المميزة كممثل، وله رؤيته الخاصة في كيفية ظهوره على الشاشة، ومتى؟، وأرى أنه يفكر جيدا في نوعية الأدوار التي يجسدها وطبيعة العمل ككل، والتي تبقى بريقه مستمرا لدى جمهوره.

ويأتي قرار تخليه عن «الكبير»، رغم النجاح الذي أحاط به على مدار 8 مواسم، بمثابة خطوة في المسار الصحيح، وبداية نحو اقتحام منطقة أخرى تبرز قدراته في الدراما الإنسانية والواقعية بعيدا عن الكوميديا.

هذا العام يخوض مكي سباق رمضان بمسلسل «الغاوي»، ليكتب صفحة مختلفة، وأعتقد أن المؤشرات الأولى لدراما العمل والحضور المميز لبطله وعالمه، تبشر بإنطلاقة جديدة، وبإننا سنشاهد على مدار تتابع الحلقات عملا دسما ليس فقط في الأداء التمثيلي، بل في المفردات الفنية الأخرى التي ابهرتنا، مثل التصوير الخارجي والداخلي وإيقاع الحركة والديكور والموسيقى والأغاني المصاحبة، وحتى الملابس.

يجسد مكي شخصية «شمس العدوي»، الذي يعيش في أحد أحياء القاهرة القديمة، وهو الشهير بـ «الغاوي»، بسبب عشقه تربية الحمام وتدريبه والمنافسة أو الاتجار به في سماء الدنيا المفتوحة.. وهي السمات التي تقترب من حقيقة مكي الذي يهوى تربية الطيور ويقضي معها ساعات طويلة.

الملامح الشخصية لـ «شمس» تقدم لنا إنسان محب ومخلص يحيط عائلته بود كبير، أخته وابنها، معلمه ووالد صديقه «فؤش»، الشلة.. مواصفات أقرب لأبن البلد الذي يسكنه الرضا والسكينة، تلك الحالة التي لا يهجرها إلا عندما يتعرض للغدر أو يحاط بظلم وقهر، هنا تتحرك بداخله مشاعر أخرى وسلوك في اتجاه مغاير لنراه في قلب الصراعات، وذلك المزج هو أجمل ما هذا العمل، فقد انتقلنا مع «شمس» من عالم الحمام والحرية والسكينة، إلى عالم يواجه فيه الغدر والبحث عن الحق، والحقيقة تلك النقلة كانت مدهشة دون أي افتعال خاصة في مشاهد الأكشن، شعرت أنني أمام حالة نصفها صوفية ونصفها الآخر يتعامل مع أشرار هذا العالم بلغتهم.

نجح المخرج ماندو العدل في إبراز معالم «شمس»، ليس فقط كبشر، وإنما كأجواء جغرافية بواقعية مدهشة، للمكان والزمان.

في مشهد لاحق ندرك أن تاريخ «شمس» (الشقي)، بات يستدعيه من جديد، نعم هو قرر التوبة عن البلطجة والمشاركة في العمليات الإجرامية، والتي كان يقوم بها مع مجموعة من أصدقائه، ولكن فجاة تنقلب حياته بعد تعرض صديقة «فؤش» للظلم الذي جسده بعمق أحمد بحر «كزبرة»، الذي قدم لقطة شديدة الواقعية وظهر كأبن بيئته بحق.

ويأخذنا «شمس» في مواجهة العديد من التحديات والصعوبات في مسار حياة جديدة فرضتها عليه الظروف، وربما ليمهد تحوله في سياق أحداث المسلسل إلى بطل شعبي في نظر أهله وأبناء منطقته. 

الفكرة شيقة، وتفتح الباب لمساحة متسعة من الدراما الشعبية اتمنى أن تمتعنا، ويتحمل فيها المؤلفان طارق كاشف ومحمود زهران والمخرج ماندو العدل جزء من معادلة نجاح مكي، صاحب الفكرة، وهي التي لمسنا أطيافها في جزء من مشاهد الحلقات الأولى، حيث وجدنا مكي في مناطق أداء قوي بمشاعر متعددة، في لحظات سعادة وحزن، دموع وابتسامات، استسلام وانتقام، وقد استخدم مكي العقل عن العضلات، الإحساس الذاتي أكثر من الشكل الخارجي.

اعود لتفاصيل القصة من البداية، حيث يحاول «شمس» اللحاق بـ»فؤش» قبل أن يسلم نفسه في قضية لم يرتكبها مقابل المال الوفير، لكنه يفشل في إيقافه، وبعد 4 أعوام يخرج «فؤش» من السجن، وحاول شمس «أحمد مكي»، أن يحنن قلب والد «فؤش- أحمد بدير» على ابنه، ويذهب معه لانتظاره وهو يخرج من السجن، لكنه رفض، وأكد لـ»شمس» أنه باع نفسه من أجل المال.

وذهب «شمس - أحمد مكي»، وصديقه كرم جابر لينتظرا كزبرة أمام السجن، وبالفعل أخذاه وعادا إلى منزله عند أبيه «أحمد بدير» ليخذه أباه في حضنه.

ودار نقاش بين كزبرة و»شمس» حول ما فعله الأخير، والأزمات التي تعرض لها حتى دخل السجن.. كان «شمس» يتمنى أن تكون حياة «فؤش» أفضل منه، لكن الأخير في رحلة بحثه عن المال أو الثمن مقابل الحبس، يكتشف أن «الخواجة - عمرو عبدالجليل» الذي كان قد اتفق معه خدعه، عندما يذهب للمطالبة بحقه ويتعرض للضرب المبرح، وفي أحد أجمل المشاهد، يعثر «شمس» على «فؤش» أمام النيل، الذي يهرب إليه دائما، وبعد كلمات بسيطة يطلب فيها الصديق من صديقة إلا يترك حقه، وفي لحظة مؤثرة يموت «فؤش» متأثرا بجراحه وآلامه وشعوره بالإهانة.. وهي اللحظة التي تغير معها مصير «شمس»، حيث غضب وقرر الانتقام لصديقه وتنفيذ وصيته، مستعينا برفقاء الشقاوة، وفي مقدمتهم «علي» الذي يجسده بطل المصارعة كرم جابر، و«حماصة» أو مدحت الخطيب، وآخرين، ليقوموا بسرقة حقيبة الأموال من «الخواجة».

وتتابع الأحداث في بصورة فنية مدهشة وتصاعدًا دراميًا مشوقًا، وكأننا أمام عمل سينمائي، حيث يواجه «شمس» أزمة جديدة بعد اختطاف الطفل «يونس»، ابن شقيقته، على يد رجال «الخواجة»، ليضغط عليه ويجبره على إعادة الأموال المسروقة، ويجد «شمس» نفسه في سباق مع الزمن لإنقاذ الطفل، بينما تتعقد الأمور أكثر مع اختفاء حقيبة الأموال التي سرقها، ما يضعه في مواجهة صعبة مع الجميع.

وكان «شمس» يخطط لإعادة الحقيبة مقابل إطلاق سراح «يونس»، لكنه يُفاجأ بأنها اختفت من المكان الذي خبأها فيه.

وفي الوقت نفسه، يتم العثور على «زيزو»، أحد أفراد مجموعته، مقتولًا، مما يثير الشكوك حول خيانة داخلية أو تدخل طرف ثالث في الصراع.

ومع تصاعد التوتر، يلجأ «شمس» إلى «أبو نوح - أحمد بدير» طلبًا للمساعدة، لكنه يُفاجأ بإعتراف الأخير بأنه هو من قتل «زيزو» وسرق الحقيبة.

اقرأ أيضا: محمد عدوية يشكر أحمد مكي بعد ظهور اسم والده على تتر «الغاوي»

يبرر «أبو نوح» فعلته بأنه أراد حماية «شمس» من مواجهة مفتوحة مع «الخواجة»، لكن اعترافه يضع «شمس» أمام قرار مصيري حول كيفية التصرف، ويذهب إلى «الخواجة» لإعادة الحقيبة وإنهاء الأزمة، لكنه يُفاجأ بأن «الخواجة» يطالبه بإعادة ساعة ثمينة كان يرتديها، وهو ما لم يكن في حساباته.

هذا الشرط الجديد يضعه أمام مأزق أكثر تعقيدًا، ويجعله مضطرًا للبحث عن حل سريع قبل أن يتخذ «الخواجة» خطوة أكثر قسوة ضد «يونس» الذي يظل مصير معلقا بعض الوقت مما يزيد من تشويق المشاهدين لمعرفة ما سيحدث في الحلقات المقبلة.. وهل سيتمكن «شمس» من العثور على الساعة وإنقاذ الطفل؟، أم أن «الخواجة» سيواصل الضغط عليه بمطالب أخرى؟

هذا الأسلوب القوي في السرد والإيقاع السريع والصورة الواقعية والمشاهد الجمالية الممتعة بصريا للمكان مع موسيقى تصويرية مميزة بدأت بهدوء، ثم ما لبثت أن زاد الإيقاع بصورة كبيرة دون مغالاة أو افتعال في رصد تحولات هي التيمة التي لجأ إليها كاتبا السيناريو والمخرج محمد العدل بحرفية عالية في معادلة ذكية.

;