على مر العصور، ظل مسجد السيدة نفيسة أحد أبرز المعالم الإسلامية في القاهرة، شاهداً على مراحل تاريخية متعاقبة من التطوير والتجديد، بدءًا من العصر الفاطمي وحتى العصر الحديث، وفي 2025، شهد المسجد تطويرًا شاملاً بتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، ليظل منارة للعلم والعبادة، يعكس روح الإسلام العريقة.
محطات من الترميم والتطوير
يعود تاريخ بناء ضريح السيدة نفيسة إلى العصر العباسي، عندما أمر والي مصر عبيد الله بن السري ببنائه فوق قبرها في عام 206هـ. إلا أن التطوير الحقيقي بدأ في عام 482هـ، عندما أمر الخليفة الفاطمي المستنصر بالله بتجديد الضريح وإضافة قبة مزخرفة، وفي 532هـ، استكمل الخليفة الفاطمي الحافظ لدين الله أعمال التجديد، حيث تمت كسوة المحراب بالرخام الفاخر، وهو ما زاد من فخامة الضريح.
وفي العهد المملوكي، شهد المسجد تطويرًا بارزًا عندما أمر السلطان الناصر محمد بن قلاوون عام 714هـ بإنشاء مسجد بجوار الضريح، وإسناد نظارته إلى الخلفاء العباسيين، ليصبح مركزًا دينيًا بارزًا. أما في العهد العثماني، وتحديدًا عام 1173هـ، فقد قام الأمير عبد الرحمن كتخدا بتوسعة المسجد وإعادة بناء قبة الضريح.
وفي العصر الحديث، تعرض المسجد لحريق كبير عام 1310هـ (1892م)، مما دفع الخديوي عباس حلمي الثاني إلى إصدار أوامره بإعادة بناء المسجد وتجديد الضريح، ليأخذ شكله الحالي.
التطوير في عهد الرئيس السيسي
بناءً على توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، شهد مسجد السيدة نفيسة عملية تطوير شاملة، ضمن خطة الدولة للحفاظ على التراث الإسلامي. بدأت أعمال التجديد في 2022، ونُفذت على ثلاث مراحل بتكلفة إجمالية تُقدر بـ 52 مليون جنيه.
واشتهرت السيدة نفيسة بلقب "نفيسة العلم" لأنها كانت تتعلم العلم فى المدينة المنورة وتجلس فى مجالس الفقه، وكانت تلميذة للإمام مالك، وقد أعطاها الله من علومه الشريفة بعد أن اجتهدت فى تحصيلها، وأفاض الله عليها من العلم فى فهم التفسير، ولما جاءت السيدة نفيسة إلى مصر التقت الإمام الشافعى الذى كان تلميذا للإمام مالك أيضا، وكان الإمام الشافعى يصلى بها صلاة التراويح ويطلب منها الدعاء، وكان الشافعى يعانى من داء فى بطنه، فكان كلما مرض يبعث إليها سؤالا يطلب منها الدعاء، وكانت تدعو له بالشفاء.
كانت السيدة نفيسة مشهورة بكثرة صيامها وقيامها الليل كجدها عليه الصلاة والسلام، حتى إنها انتقلت إلى ربها صائمة فى يوم 15 رمضان، وجاءها الطبيب وأشار عليها بالإفطار فرفضت وقالت أمضيت أكثر من 20 عاما أتمنى من الله أن أموت وأنا صائمة فكيف تعرض على الإفطار فى رمضان.
وعندما انتقلت إلى جوار ربها رضى الله عنها وأرضاها جاء زوجها ليحملها إلى البقيع لتدفن هناك حيث دفن بنى هاشم، لكن المصريون ذهبوا إلى زوجها ليطلبوا منه أن تبقى وتدفن فى مصر، ويقال فى كتب السيرة إن رسول الله جاء لزوجها إسحاق فى ليلة وفاتها وهو نائم وقال له: "يا إسحاق دع نفيسة لأهل مصر فإن الرحمة تنزل عليهم ببركتها"، ومن وقتها حتى الآن يجد زوار مسجدها مكانا يمنحهم الإحساس الراحة والسكينة والطمأنينة.
طراز معماري مملوكي
يتميز المسجد بطرازه المعماري المملوكي، حيث تعلوه منارة شاهقة، ويتوسط جدار القبلة محراب مكسو بالقاشاني الملون. كما يضم المسجد ردهة مزخرفة تؤدي إلى الضريح، الذي يعلوه قبة فريدة ترتكز على أربعة أركان ضخمة.
ويُحاط الضريح بمقصورة نحاسية مزينة بالنقوش الإسلامية، وهو ما يمنح المكان هيبة وروحانية خاصة، تجذب الزوار من داخل مصر وخارجها.
منذ وصولها إلى مصر عام 193هـ وحتى يومنا هذا، لا تزال السيدة نفيسة رمزًا للعلم والتقوى، حيث توافد العلماء والفقهاء على مسجدها طلبًا للعلم والبركة. وفي العصر الحديث، استمر المسجد في جذب الزوار والمصلين من مختلف أنحاء العالم، بفضل جهود الدولة في الحفاظ عليه كموقع ديني وثقافي بارز.
وتؤكد عملية التطوير الأخيرة التزام مصر بالحفاظ على مساجد آل البيت، ضمن رؤية أوسع للحفاظ على التراث الإسلامي وتعزيز السياحة الدينية.
يعد مسجد السيدة نفيسة نموذجًا حيًا لاستمرارية الاهتمام بالتراث الإسلامي عبر العصور. فمنذ القرن الخامس الهجري وحتى يومنا هذا، شهد المسجد مراحل مختلفة من الترميم والتطوير، ليظل شاهدًا على عمق التاريخ الإسلامي في مصر، ومع التجديدات الحديثة، أصبح المسجد مهيأً ليكون مركزًا روحانيًا وثقافيًا يعكس الهوية الإسلامية العريقة لمصر.

«التلمذة الصناعية».. تصحيح مسار أم مغامرة محفوفة بالمخاطر؟
الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟







