أصل الحكاية| «السبحة».. تاريخ مليء بالمفاجآت عبر العصور

السبحة
السبحة


السبحة ليست مجرد أداة للتسبيح والذكر، بل تحمل في طياتها تاريخًا عريقًا يمتد لآلاف السنين، حيث تطورت أشكالها واستخداماتها عبر العصور، بدءًا من الحضارة السومرية قبل 5000 عام وحتى يومنا هذا.

استخدمها المسلمون الأوائل في الذكر والتسبيح، وكانت في البداية تصنع من الحصى ونوى البلح والخيوط المعقودة، ثم تطورت في العصر الأموي لتُصنع من الخشب، والأحجار الكريمة، والفضة، والعاج. 

بالأحجار الكريمة والفرو.. هدايا عيد الأم «سبحة ومصحف»| صور

وامتلكت شخصيات تاريخية بارزة مسابح مميزة، مثل زبيدة بنت جعفر وهارون الرشيد، وفي هذا التقرير، نستكشف الحكاية الكاملة للسبحة، ونلقي الضوء على مراحل تطورها، وأهم الشخصيات المرتبطة بها، وذلك من خلال المعرض المميز "رمضان وحكاياته" في المتحف القومي للحضارة المصرية.

** أصل التسمية وأول استخدام للسبحة

السبحة، أو المسبحة كما يطلق عليها البعض، مشتقة من الفعل "سبّح"، أي ذكر الله وترديد التسبيح. وقد اختلفت تسمياتها عبر العصور، فكانت تعرف في الحضارات القديمة بأسماء مختلفة حسب الغرض من استخدامها.

يعود أقدم توثيق لاستخدام السبحة إلى الحضارة السومرية منذ أكثر من 5000 عام، حيث كانت عبارة عن خرز يُستخدم للعد أو للطقوس الدينية. في الحضارة الفرعونية، عُثر على نماذج مشابهة تُستخدم كرموز دينية. 

أما في الهندوسية والبوذية، فقد ظهرت المسابح كأدوات للتأمل وذكر الآلهة، وكانت تصنع غالبًا من بذور نباتات مقدسة أو الأخشاب العطرية.

أما في السياق الإسلامي، فقد استخدم المسلمون الأوائل الحصى ونوى البلح والخيوط المعقودة كوسائل للتسبيح، قبل أن تتطور المسبحة إلى شكلها الحالي في العصور اللاحقة.

** السبحة في العصر الأموي: بداية التطور الفعلي

شهد العصر الأموي أولى مراحل تطور السبحة في العالم الإسلامي، حيث بدأ تصنيعها من مواد مختلفة مثل الخشب، العاج، الفضة، والأحجار الكريمة. وارتبط استخدامها بشكل أساسي بالعبادات والذكر، وكانت دليلًا على الزهد والتقوى.

اهتم الخلفاء والأمراء بصناعة المسابح، فكانوا يقتنون أفخمها وأجودها. ويُقال إن بعض المسابح كانت تُهدى لكبار الشخصيات كهدايا ثمينة، مما يدل على أهميتها الاجتماعية والدينية.

** أشهر المسابح في التاريخ الإسلامي

1- مسبحة زبيدة بنت جعفر المنصوري

زبيدة، زوجة الخليفة هارون الرشيد، كانت من أشهر النساء اللواتي اقتنين مسابح ثمينة، حيث عُرفت بتدينها وإنفاقها في سبيل الله. كانت تملك سبحة مصنوعة من الأحجار الكريمة، ويُقال إنها كانت لا تتركها أبدًا، بل تسبح بها طوال الوقت.

2- مسبحة هارون الرشيد

الخليفة العباسي هارون الرشيد كان أيضًا من الشخصيات التي اشتهرت بامتلاك المسبحة، حيث كانت تلازمه في قصره ومساجده. وكانت مصنوعته من العاج والفضة، وهو ما يعكس مكانتها العالية في ذلك الوقت.

فيديو وصور| صناعة السبح بالحسين.. رِزق وذِكر وتراث عابر للأزمنة

** أنواع المسابح عبر العصور

مرت المسبحة بمراحل عديدة من التطور، حيث صُنعت من مواد مختلفة باختلاف العصور والثقافات، ومن أبرز المواد التي استخدمت في صناعتها:

1. الحصى ونوى البلح: وهي أقدم أشكال السبحة التي استخدمها المسلمون الأوائل.

2. الخشب: استخدم في العصر الأموي والعباسي نظرًا لتوفره وسهولة تشكيله.

3. الأحجار الكريمة: مثل العقيق والفيروز والياقوت، وكانت مخصصة للنخبة والأثرياء.

4. العاج والفضة: ازداد استخدامها في العصر العباسي والفاطمي، وكانت رمزًا للثراء والمكانة الاجتماعية.

5. الكهرب (العنبر المتحجر): وهو من أشهر المواد التي استخدمت لصنع المسابح في العصور الإسلامية اللاحقة، خاصة في الدولة العثمانية.

** المسبحة في العصر الحديث

مع مرور الزمن، لم تفقد السبحة مكانتها، بل ازدادت أهميتها، سواء كأداة للذكر أو كقطعة تراثية تحمل دلالات دينية وثقافية. دخلت صناعتها في مراحل جديدة، حيث أصبحت تُصنع من البلاستيك والأحجار شبه الكريمة، كما تحولت إلى هدايا قيمة تُقدم في المناسبات الدينية.

في بعض الثقافات، أصبحت السبحة رمزًا للحكمة والوقار، حيث تُرى في أيدي كبار السن والمتصوفة، بينما يستخدمها البعض الآخر كأداة للاسترخاء وتقليل التوتر.

** المعرض الخاص بالسبحة في المتحف القومي للحضارة المصرية

ضمن فعاليات "رمضان وحكاياته"، ينظم المتحف القومي للحضارة المصرية معرضًا خاصًا عن تاريخ السبحة، يعرض فيه نماذج نادرة منها، بالإضافة إلى شرح تطورها عبر العصور المختلفة.

يهدف المعرض إلى تسليط الضوء على البعد الروحي والثقافي للسبحة، واستكشاف قصص الشخصيات التاريخية التي استخدمتها، مثل زبيدة بنت جعفر وهارون الرشيد. كما يضم المعرض ورشًا تعليمية لصناعة السبحة يدويًا، مما يتيح للزوار فرصة التعرف على تقنيات تشكيلها وأسرار صناعتها.

السبحة ليست مجرد أداة للتسبيح، بل تحمل في داخلها قصة طويلة من التطور عبر التاريخ. من الحصى ونوى البلح إلى الأحجار الكريمة والعاج، ومن الاستخدام الديني إلى التحول إلى رمز ثقافي واجتماعي، ظلت السبحة عنصرًا مهمًا في حياة الكثيرين. واليوم، تستمر في احتلال مكانتها سواء في أيدي المصلين أو على أرفف المتاحف كتحف فنية نادرة.

يظل تاريخ السبحة شاهدًا على تطور الإنسان ورحلة بحثه عن الروحانية، ويؤكد أن بعض العادات التي بدأت منذ آلاف السنين لا تزال تجد طريقها إلى قلوب البشر حتى يومنا هذا.