جاء إلى الدنيا فى عام 1910، نفس العام الذى ولد فيه الموسيقار محمد عبد الوهاب، وعندما ذاعت شهرته باسم محمود المليجي واسمه الحقيقى خليل ماجد حسين المليجى، عرفه المشاهد بزعيم زعماء عصابات الشر على الشاشات، ارتبط فى أذهانهم بصورة السكير العربيد الذى يخطف النساء ويخرب البيوت ويزهق الأرواح ويسرق الخزائن ويسطو على البنوك، ويفسد كل ما هو طيب وجميل، ولم يعرفوا أنه ورث عن والده حب الموسيقى والغناء وكان يتمنى أن يصبح مطربًا ينافس محمد عبد الوهاب، لكن والده الذى كان من كبار تجار الخيول العربية الأصيلة وأبرز شخصيات حى «المغربلين» وقف أمام رغبته وطرد الموسيقِى الذى جاء به الابن ليعلمه أصول الغناء، فاتجه إلى رياضة الملاكمة التى هجرها بعد أن أوجعته اللكمات!
عرف الناس محمود المليجى الممثل الشرير ولكنهم لم يعرفوا الإنسان الذى كان يحمل بين ضلوعه أطيب قلب فى الوسط الفنى، قلب يشبه قلب محمد أبو سويلم الذى جسده فى رائعة «الأرض»، عرفته خجولًا إلى حد كبير، منطويًا على نفسه، قليل الكلام ، يتأثر بشدة إذ ما شاهد أو سمع بموقف مأساوى، كلمات الإطراء والمديح لشخصه تزيد من خجله، لم يسع طوال حياته للاتصال بصحفى لكى يكتب عنه، أو ينشر له صورة مثلما يفعل بقية النجوم، كان عنوانًا للفنان الملتزم الذى يحترم عمله ويخلص له، وكان يرى أن الغرور مقبرة للفنان، فكان شديد التواضع ويجعلك تحبه وتحترمه وتقدره عندما ترى الأشباه المرضى بالغرور والتعالى.

■ عاطف النمر مع المليجي في فرح شقيقة سناء يونس
لا أنسى قسمات وجهه وهو يقول لى «يا بنى، الفنان فى العالم العربى مثل خيل الحكومة، عندما يكبر فى السن يطلقون عليه رصاصات الرحمة، ومفهوم صناع السينما لدينا متخلف، لا يتحرك من زاوية الفتى الوسيم والبنت الدلوعة، فى الغرب يحترمون الفنان ويدركون أنه كلما تقدم به العمر نضجت خبرته، فإذا ما كان هذا هو حالنا فقل لى ماذا أفعل أنا وغيرى من أبناء جيلى؟!» ، بهذه الكلمات التى تنضح بالأسى والمرارة نهض العملاق من كرسيه فى طريقه إلى السلم الخشبى المؤدى لخشبة المسرح عندما استدعاه المخرج سيد راضى لكى ينضم إلى البروفة التى يجريها لفريق مسرحية «انتهى الدرس يا غبى»، كان يسير بخطوات بطيئة وكأنه يحمل فى داخله كل هموم الزمن، وما إن بدأت البروفة إلا وكان المليجى شخصا آخر، اعتدل الظهر الذى كان منحنيا إلى الأمام، فجأة تحول إلى ما يشبه المارد الذى خرج من القمقم لتوه، برقت عيناه، أخذ يتحرك برشاقة راقصة البالية، صوته الخافت الذى كان يتحدث به معى أخذ يجلجل، تحول فى غمضة عين لشخص آخر لا تملك أن تحدق فى عينيه، ولا يملك أى ممثل - مهما كانت قدرته - أن يسرق منه المشهد، فالمليجى كان يأسر الممثل الذى يقف أمامه ويسرق عين المشاهد.
◄ اقرأ أيضًا | ذكرى ميلاد شرير السينما المصرية .."محمود المليجي"
■ ■ ■
توثقت معرفتى به عندما كنت أتردد كل ليلة على غرفته بكواليس مسرحية «انتهى الدرس يا غبى»، كان مهموما بمرض زوجته الفنانة علوية جميل ، صحيح الرئيس السادات صرف لها معاشًا استثنائيًا لكنه لم يكن يكفى ربع نفقات العلاج التى أرهقت العملاق محمود المليجى واضطرته لقبول كل ما يعرض عليه من أعمال لتلبية النفقات المطلوبة، كان المليجى لشريكة حياته وزميلة رحلة كفاحه، فهو لا ينسى أنها الوحيدة التى مدت له يد العون عندما وصله تلجراف أثناء عمل الفرقة التى جمعت بينهما فى رأس البر، سطور التلجراف كانت صادمة لأنه تعلمه بوفاة والدته، والصدمة الأشد أنه لم يكن فى جيبه ثمن تذكرة القطار التى يعود بها للقاهرة لحضور تشييعها وتقبل العزاء فيها، لم يتحصل من مدير الفرقة على أى مبلغ يعينه فى تلك الأزمة الحزينة الطارئة لأن الفرقة توقفت عن تقديم العرض بسبب الأمطار التى ظلت تهطل بغزارة لمدة ثلاثة أيام متواصلة لم تحقق خلالها أى إيراد للمنتج، فطلبت منه زميلته علوية أن يرافقها لأقرب جواهرجى، وهناك فوجئ بها تخلع الغوايش من يدها وأعطته ثمنها بعد بيعها للصائغ لكى يعود للقاهرة، تسلم المليجى المبلغ وهو فى غاية الخجل - كما قال لى-، لكن علوية التى كان يشعر نحوها بعاطفة جياشة كبرت فى عينيه وزاد حبه الذى احتفظ به فى صدره، وفيما بعد رد لها المبلغ وهو يصارحها بمشاعره فوجدها تبادله نفس المشاعر وتزوجا نهاية عام 1938، وظل على وفائه لها ولم ينس لها الجميل الذى صنعته معه، لكن حلم الإنجاب كان يشغل كل تفكيره، يريد أن يكون أبًا وعلوية لم تنجب منه ولم تحقق رغبته فى الأبوة، وفى عام 1963 عمل بفرقة إسماعيل يس التى التقى فيها بالممثلة فوزية الأنصارى وتوثقت العلاقة بينهما وراوده من جديد حلم الأبوة فاتفق معها على الزواج بشرط ألا يعلن أحدهما عن ذلك احترامًا لمشاعر زوجته الأولى علوية جميل التى كانت تتسم بالشدة والصرامة، ووعدها بإعلان زواجهما فى الوقت المناسب، ولا يدرى محمود المليجى من أين عرفت علوية جميل بقصة زواجه من فوزية الأنصارى، ولا يدرى من الذى أبلغها، وفوجئ بها تجبره على طلاقها فى اليوم الثالث من الزواج، وعلم أن علوية اتصلت بها وقالت لها «محمود طلقك يا فوزية» ! فوجد المليجى نفسه فى موقف لا يحسد عليه واضطر إلى طلاق عروسه الجديدة، وقال لى إن زواجه من فوزية لا يعنى عدم الوفاء لعلوية جميل، ولا يعنى أيضا أنه ارتكب جريمة يعاقب عليها القانون، أو ارتكب فعلًا شائنا يخجل منه، ولم يكن لأحد أن يلومه على ما فعل، فالرجل لم ينجب من علوية جميل وكتم رغبته فى الإنجاب 25 عاما، ومع ذلك رضخ لرغبتها احترامًا لمشاعرها برغم أنها لم تقدر مشاعره وحقه فى أن يكون له ولد أو بنت من صلبه!!
■ ■ ■
كنت أتردد فى مساء كل يوم على مسرح الطليعة بالعتبة وكنت أراه جالسًا فى حديقة المسرح ولا ينصرف إلا بعد انتهاء العرض الذى كانت تقوم ببطولته الفنانة سناء يونس، كنت مندهشا من تردده على المسرح الذى يعج بتجارب طليعية لشباب الفنانين التى لا ينتمى لها المليجى من قريب أو بعيد، لكن دهشتى زالت عندما دعتنى الفنانة سناء يونس لحضور حفل زفاف شقيقتها فى منزلها بحدائق القبة التى ستسافر لزوجها بالولايات المتحدة، اصطحبت معى زميلى المصور أحمد طه لتصوير العروس وحفل الزفاف، وهناك فوجئت بالعملاق محمود المليجى جالسًا بمفرده فى شرفة الشقة يتابع الرقص والغناء من بعيد، ووجه يحمل ابتسامته الطيبة، أشار لى للجلوس معه بالشرفة وكان يحتسى كوبا من المشروبات الروحية، طلب كوبا فارغا وانحنى ليحضر الزجاجة التى كانت بجوار مقعده وصب لى منها قليلا مما يشربه لكنى اعتذرت لأننى لم يسبق لى أن تعاطيت مثل تلك المشروبات الروحية، ولا أطيق رائحتها، لكنه هون من تأثيرها، فطلبت من سناء يونس فنجانا من القهوة لأن الفنانة راوية أباظة سوف تقرأ لى الفنجان، وبفنجان القهوة هربت من شراب المليجى، وطال الحديث بيننا ولكنى تيقنت فى هذه الليلة أن هناك ارتباطا بين المليجى وسناء يونس التى اعترفت لى ليلتها بعد إلحاح منى أنها زوجته والخبر ليس للنشر وأقسمت لها بأننى لن أبوح بهذا السر لأحد حرصا على مشاعر زوجته علوية جميل التى كانت وقتها تلزم الفراش.
قال لى العملاق محمود المليجى من ضمن ما قال فى هذه السهرة «يا بنى أنا نفسى أختم حياتى بعمل مسرحى طليعى مع فرقة مسرح الطليعة، والفكرة عندى»، سرح بخياله ثم قال «قرأت زمان قصة تتحدث عن بلد الناس تمشى فيه مثل الحيوانات على أربع، بينما الحاكم وحاشية يسيرون بشكل طبيعى، وكان الفشل حليف كل الشعب الذى أراد أن يسترد طبيعته الإنسانية قبل الكارثة التى حلت بالبلد نتيجة غاز معين فشل علماء المدينة فى تحديد مصدره، وكلما استنجد الناس بالحاكم قال لهم «ماذا أفعل لكم ، لقد كتب الله عليكم أن تكونوا بهذا الشكل»، وبعد فترة من المعاناة والقهر الواقع عليهم يحدث زلزال يهز البلد كلها، فينتفض الناس ويستردوا طبيعتهم البشرية، بينما ينقلب الوضع بالحاكم والحاشية فيسيروا على أربع، وبدأ الصراع بين من اعتدلت أجسامهم الناس للوصول للسلطة، انقسموا وبدأت رائحة الحرب الأهلية تلوح فى الأفق فماذا حدث بعدها فى الحكاية التى رواها لى أنتونى كوين العرب ؟ هذا ما سنعرفه غدًا.

كنوز| حكايات سيدة الشاشة مع عملاق الصحافة فى ذكرى ميلادها الـ 95
كنوز| مستقبل مصر فى عقلها
كنوز| قصة «ثومة» مع الشريف فى «مسامرات الجيب» !







