د. طارق فهمي يكتب: إدارة ترامب والبحث عن خيارات مستجدة

طارق فهمي
طارق فهمي


أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إنه لا أحد يجبر سكان غزة على المغادرة، وذلك في أحدث تعليق منه على خطته السابقة، التي كانت تقضي بتهجير نحو مليوني فلسطيني من القطاع المدمر، تمهيداً لإعادة الإعمار وإقامة ما وصفه بـ"ريفيرا الشرق الأوسط"..

يشير هذا التصريح للرئيس ترامب في هذا التوقيت الي عدة احتمالات  أهمها أن هناك تراجعا ملحوظا من قبل الرئيس ترامب بشأن التعامل مع قطاع غزة وأن السبب المحتمل رؤية المبعوث الأمريكي ستيف وتكوف الذي يتبني رؤية  جيدة الي حد ما  خاصة بعد ان التقي وزراء الخارجية العرب في الدوحة واستمع الي مشروع الاعمار المصري والموقف العربي .

من المحتمل أن يكون الرئيس ترامب ساع الي إيجاد مساحة تعامل مع حركة حماس بصورة  غير مباشرة تتجاوز بالفعل المخطط الراهن للإفراج عن عدد من المحتجزين الي إقرار هدنة زمنية محددة   وهو ما يعطي مساحة تحرك لكل الأطراف  وينقل رسائل إيجابية الي حركة حماس بدليل ترحيبها الكبير بتصريح الرئيس ترامب  والاقتناع ولو بصورة مبدئية بما يمكن أن يحمل الجانب العربي والدولي مسئولية اعمار قطاع غزة بما يرفع العبء علي الإدارة الامريكية في تحمل او دفع بعض التكلفة المالية ولدخول اطراف اخرين علي خط ما يجري خاصة دول الاتحاد الأوروبي .

إضافة لاحتمالات اقتناع الرئيس ترامب بوجهة النظر لبعض الرؤي داخل الإدارة الامريكية بضرورة عدم تحمل أعباء التواجد الأمني او السياسي في القطاع المدمر  وفي ظل مخاوف من استهداف المصالح الامريكية في الشرق الأوسط وعودة المواجهات مجددا خاصة مع تتالي التهديدات من قبل بعض الأطراف الفرعية ( الجماعة الحوثية ) بتهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب .

وتخوف الرئيس الأمريكي من اقدام بعض الدول العربية علي تبني سياسات جديدة قد تزعج الإدارة الامريكية الامر الذي سيؤثر علي المصالح الكبرى للولايات المتحدة ويدفع للصدام بين الإدارة الأمريكي وعدد من شركائها خاصة وأنه سيقوم بزيارة الي السعودية في الفترة المقبلة وهي الدولة التي تقود تحالفا دوليا للمطالبة بخيار حل الدولتين .

 وكذلك  بهدف القاء الكورة في الملعب العربي المسئول عن إدارة الأوضاع في قطاع غزة بل وتحقيق المصالحة والتوافق  السياسي بين القوي الفلسطينية الامر الذي قد يؤكد علي عدم الانخراط الأمريكي في تفاصيل الداخل الفلسطيني  المعقد والذي يحتاج الي سنوات لإقرار الاستقرار واتمام مما تم في القمة العربية بشأن اجراء إصلاحات حقيقية  في السلطة الفلسطينية والقبول بتشكيل لجنة إدارية لإدارة القطاع .

ورغبة الإدارة الامريكية في نقل رسالة الي الحكومة الإسرائيلية بأن الإدارة والرئيس ترامب من يتبني الحل ويقود الخيارات وأنه غير ملزم   بتبني أي مقاربة إسرائيلية محددة من قبل ومن ثم فإن أي تراجع امريكي محتمل مرتبط بتحديد مصالح الإدارة الامريكية أولا وليس فقط إسرائيل برغم الشراكة الامريكية الإسرائيلية في هذا الاطار.

وبرغم ذلك الموقف الراهن للرئيس الأمريكي الا ان هناك إشكاليات أخري مقابلة تمضي في سياق مختلف فهناك من يري ان تصريحات الرئيس ترامب لا تحمل جيدا يمكن البناء عليه وان ما يطرح  مجرد تلاعب  وتغيير في الشكل لا المضمون وان المخطط الأمريكي الرئيس يعمل في مسار آخر بالتركيز علي إتمام التهجير الطوعي وليس الجبري وان ما يجري مخطط له أمريكيا واسرائيليا في المقام الأول ولا توجد تباينات كبري بين  الطرفين وان ما يحدث مجرد توزيع في الأدوار .

ان الحوار المباشر مع حركة حماس ليس معناه  تراجعا سياسيا او امنيا فيما يطرح أمريكيا وان الإدارة الامريكية لم تصغ بعد مقاربة للتعامل وما زال الحوار بين الجانبين في مرحلته الأولي ولم يتغير بالفعل وانن السيناريو المعد سيحقق  الأهداف الإسرائيلية برغم ما يبدو من وجود خلاف سياسي بين الجانبين .

أن الرهان الأمريكي الإسرائيلي علي فشل  مخطط الاعمار  وليس نجاحه في ظل تباين مواقف وتوجهات الأطراف العربية ما يؤكد علي أن الإدارة الامريكية ستترك الامر لأطرافه الرئيسة دون ان تتدخل بصورة مباشرة لفرض الحل خاصة مع الحاجة الكبيرة للتمويل والدعم الخارجي وان الدول الأوروبية التي دعمت الخطة دبلوماسيا لن تمضي في دعنه ماليا .

في مقابل الموقف الأمريكي الراهن وتغير تصريحات الرئيس ترامب فإن إسرائيل ماضية في  خطها السياسي والأمني فقد كشف وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف، بتسلئيل سموتريتش، ، أمام الكنيست في 12/ 3/2025عن تشكيل مجموعات ضغط برلمانية في كل من إسرائيل والولايات المتحدة، للعمل على تنفيذ خطة ترامب؛ للاستيلاء على غزة وترحيل أهلها، مع إجراء عملية توسيع ضخمة للاستيطان في الضفة الغربية  حيث تتركز تفاصيل تلك الخطة وفقا للوزير سموتريتش، "ترحيل 5000 شخص يومياً، بمعدل 7 أيام في الأسبوع، لمدة عام كامل، أو 10000 شخص يومياً لمدة 6 أشهر". وفي حسبة سريعة إذا ما ضربنا 5000 بـ 360 يوماً، فستكون الحصيلة مليونا و800 ألف فلسطيني أي ما يقرب من ثلثي سكان القطاع.

 ولذلك من الواضح أن أي  تغيرات بالنسبة لموقف الرئيس ترامب سترتبط فعليا بالقدرة علي التحرك وفرض الحل العربي والشروع في تنفيذ ما تم الاتفاق بشأنه عربيا لان أي تراجع أو تأخر سيصب في مصلحة الجانب الإسرائيلي الذي قد يمضي في تنفيذ مخطط التهجير من جانب واحد عبر سلسلة الإجراءات والتدابير التي يعمل عليها في الوقت الراهن  داخل قطاع غزة .

كما أن الإدارة الامريكية ليس لديها رؤية متكاملة عن الأوضاع في غزة وان ما يطرح من تصريحات او مواقف يمضي في سياق تكشف المواقف والتوجهات التي ما تزال في اطارها المحدد الامر الذي يتطلب سرعة الحركة  المصرية سواء بإجراءات مصرية يتم الاتفاق بشأنها مع إسرائيل من جانب والدول العربية من جانب آخر وتمضي في سياق ما يجري من الالتزام بوقف اطلاق النار والانخراط مجددا في مفاوضات المرحلة الثانية بدعم أمريكي  علي الجانبين .